دخل التاريخ حاملاً وحامياً مجد لبنان

 

وقْعُ كلماته عابر للزمان والمكان. لحضوره رهبة يُحسب لها ألف حساب. أما صمته، فاعرف منه ما يطيب لك من رسائل مشفّرة، بعضها يفكك على الأرض والبعض الآخر وحدها السماء تدري بمكامنه.

 

كيف لا وهو سيد الصمت وبطريرك الصلاة والصوم، سيد بكركي، رجل الاستقلال الثاني، راعي مصالحة الجبل، الصوت الصارخ في زمن الاضطهاد، رأس الكنيسة المارونية، مجد لبنان أُعطي له. فأي مجد أعظم للبطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير!

 

لم يكن كثير الكلام، ولم يضطر لتوضيح أي موقف وتبرير ما يقول. شكّلت عبارة “لقد قلنا ما قلناه” أيقونة للصادقين الشجعان. إنه الهامة الكبيرة التي دخلت تاريخ لبنان وشاركت في صناعة أحداثه. قام بدور بارز في السياسة اللبنانية، وفي المقاومة السلمية، واستوطن قلوب المقاومين والمؤمنين.

 

البطريرك السادس والسبعون، وقف وصمد وعاند ودافع، وساند الحق اللبناني. مار نصرالله بطرس صفير جعلنا نستمر ونصمد ونتعاضد في وقت كثرت فيه الدسائس وربح فيه الباطل جولة. له الفضل في كسر الظلم الذي ظلل اللبنانيين. وبصمته كان له أبلغ موقف وأكثر فعالية من صراخ الكثيرين.

 

هو المتواضع، القوي والطليعي، لم يقفل أبواب بكركي بوجه أحد، وأبواب وأبواق الجحيم لم تقوَ عليها. وباتت عظة الأحد صرخة بوجه الظالمين، فتزعزع بنيان الاحتلال وهز فرائص الجلادين بعصاه البطريركية.

 

رفض زيارة حاولوا فرضها عليه بموقف حازم وحاسم عندما قال: “زيارتي لن تكون عادية وستأخذ الطابع السياسي، ولن أزور سوريا إلا ورعيتي معي”. هو الذي لم يعرف يوماً أين يقع قصر المهاجرين، “لم أسمع عنه من قبل، وأبواب بكركي مفتوحة للجميع”.

 

“التفتوا لدروسكن وما تفكروش إنو الدرس مش مهم وما بيجيب نتيجة، وما تفكروش حالكن ضعاف، إن البعوضة تدمي جبهة الاسد”،  هو الذي علمنا ان أرض الوطن كالوطن يتوجب محبتها فقيرة كانت ام غنية.

 

هو المسامح الكريم والراعي الصالح للجميع على الرغم من تعرّضه في الكثير من الأحيان للإهانة والشتم من بعض أبناء رعيته. وعلى مرّ السنوات بحلوها ومرّها بقي البطريرك صفير واقفاً وقفة عز شامخاً شموخ الأرز، فاتحاً يديه لجميع ابنائه خصوصاً الضالين منهم. تنحّى وسلّم الأمانة بإرادته مطمئناً إلى وجود من يتابع أحوال رعيته السياسية والدينية في لبنان والانتشار، ليتفرّغ للتأمل والصلاة طيلة بقائه على هذه الفانية.

 

قد لا تكفينا صفحات وكُتب لنتكلم عن رجل قلّ نظيره. فالأبجدية بحروفها مجتمعة لا تعطيه حقه في مواقفه وبياناته ونشاطاته الرعوية والكنسية والسياسية، فهو المتجذر في هذه الأرض والثابت كأرز لبنان لمدى الأزمان. منحبك سيّدنا.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل