قراءة مشهدية عامة في التطورات الاقليمية الاخيرة

سنتناول في هذا المقال ثلاثة محاور شهدت وتشهد حالياً حراكاً هاماً في سياق رسم معالم المرحلة المقبلة القريبة زمنياً والتطورات الإقليمية، مع اقتراب الاعلان عما سمي بصفقة القرن، ان لم يطرأ على أجندة البيت الابيض ما يؤخر الإعلان عن تلك الصفقة.

المحور الأول: ما حصل في غزة منذ ايام من مواجهات اتسمت بالخطورة للجانبين الفلسطيني والإسرائيلي بحيث وصلت صواريخ الفصائل الفسلطينية في غزة الى عمق مناطق إسرائيلية، فيما عادت إسرائيل في عملياتها العسكرية الى معادلات الاغتيالات السياسية لكوارد حماس كما حصل في اغتيال المسؤول حامد احمد الخضري، وهو من تعتبره إسرائيل المسؤول عن نقل الأموال الإيرانية الى الفصائل الفسلطينية في غزة.

وقد ترافقت الخطورة العسكرية مع مواقف تظهرت تعكس دخول المجتمع الدولي أجواء الصفقة. إسرائيلياً اعتبرت تل ابيب حماس والجهاد الاسلامي تنظيمين مستهدفين في سلة واحدة. أميركا واوروبا بررتا تصعيد إسرائيل لعملياتها وحمّلتا حماس مسؤولية التصعيد، روسيا مارست سياسة الـ”صمت مطبق”، خليجياً، تعاطفت دولة قطر من دون سواها مع الفسلطينين في غزة وحاولت القاهرة التوصل الى وقف اطلاق نار ومنع التصعيد، اما ايران فنددت وهددت شفهياً فقط.

 

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يخوض حالياً مفاوضات تشكيل حكومته وبالتالي لا يستطيع التمادي اكثر في تصعيد الوضع الأمني والعسكري مع الفلسطينيين، وإن تجاوز قطوعه الإنتخابي الذي من اجله كان يعمل على منع تفجر الوضع مع الفلسطينين اثناء معركته الانتخابية، لكنه في الوقت عينه ليس منزعجاً من التصعيد مع غزة لا سيما مع حماس، لأن التصعيد العسكري يجعله اكثر فأكثر محاطاً اميركياً وأوروبياً وحتى عربياً ولو جزئياً، وتفتح امامه ابواب التذكية الحكومية والتسريع في تشكيلته، رغم ان ثمة من يتهمه في الداخل الإسرائيلي بأنه المستفيد الأول من وجود حماس وتصعيدها، وقد انبرى رئيس الأركان السابق والنائب الإسرائيلي الحالي بيني غانتس منذ ايام يتهم نتنياهو بأنه يسعى الى الإبقاء على حماس لتعميق الشرخ الفلسطنيني، وبالتالي محاولته التفلت من عملية سياسية تفضي الى سلام مع الفلسطينيين والعرب.

وعليه، فإن السيناريو العسكري – الأمني الذي حصل في غزة يعتبر مؤشراً على بداية نضوج طبخة الصفقة، واختباراً مصغراً لولادتها على نار حامية اذا حصلت.

 

المحور الثاني: الوضع في ادلب السورية وشمال شرق سوريا، حيث عاد الوضع في هذه المنطقة الى نقطة تجاذب إقليمي – دولي كبير مع هدنة استمرت لاشهر طويلة منذ ايلول الماضي، غداة اتفاقية استانة حول مناطق خفض التصعيد والتي جاءت اتفاقات سوتشي بين تركيا وروسيا وايران لاحقاً لتعززها.

تركيا – اردوغان  لم تفِ بالتزاماتها للروس وبالتالي بدّل الروس مواقفهم. فالرئيس التركي رجب طيب اردوغان كان قطع وعداً للرئيس فلاديمير بوتين بانهاء وضع تنظيم جبهة النصرة وفرز المسلحين بين ارهابيين ومعتدلين، ليتم ابعاد الفئة الاولى والاعتماد على الفئة الثانية فقط في ادارة التفاوض على ادلب وارياف حماه وحلب، لكن هذا الامر لم يحصل بل على العكس، تمددت جبهة النصرة وقامت بهجمات واستفزازات شمال حماه وصولاً الى مشارف مطار حميميم العسكري الروسي. في الوقت عينه، شرع اردوغان الى التفاوض مع الاميركيين بهدف التوصل معهم الى انشاء المنطقة الآمنة شمال سوريا فضلاً عن بحث مصير ملفات استراتيجية بين الجانبين، ليس أقلها منظومتي اس 400 وباتريوت، وواف 35 والعقوبات الأميركية على إيران وتصفير صادرات طهران النفطية وتمرد اردوغان على هذا الحصار الاميركي ضد ايران، وصولا الى البحث الجاري في مستقبل تركيا في حلف شمال الاطلسي ومستقبل الوجود التركي من ضمن التركيبة السورية الجديدة.

فالمشهد السوري بتشابكاته وتعقيداته الداخلية والاقليمية والدولية قد يتحول الى تنفيسة عسكرية تتجلى من خلال هجوم عسكري سوري – روسي على ادلب ما يعيد خلط الاوراق التركية والاميركية والروسية ويعيق اكثر فأكثر اي بحث في الإنتقال السياسي للأزمة السورية وفي الحل السياسي ككل.

 

المحور الثالث: ايران  المحاصرة اميركياً ودولياً والرازحة تحت عقوبات خانقة بدأت تتجلى نتائجها على اكثر من صعيد. ففي سوريا، بدأت القناعة الإيرانية بخروج سوريا من سيطرتها الكلية تتنامى، في ظل الاستيلاء الروسي على القرار الفعلي وفي ظل ضعف امكانيات طهران المالية والعسكرية في البقاء القوي والمؤثر في سوريا، في مقابل ازدياد قوتهم في العراق الأمر الذي يقلق الاميركيين والاسرائيليين، وما تصاريح وزير الخارجية الاميركية مايك بومبيو الاخيرة من بغداد بمسؤولية الحكومة العراقية في حماية المصالح الاميركية في العراق، الا الدليل القاطع على هذا الكلام.

الايرانيون في سوريا توقفوا عن استخدام مطار دمشق الدولي وانتقلوا الى مطار التي فور، ناقلين معظم انشطتهم العسكرية ووجودهم الاستراتيجي اليه، بعدما تبلغوا الرسالة الإسرائيلية النارية  في 20 كانون الثاني الماضي عند قصف مواقعهم في المطار امام صمت روسي واضح.

يضاف الى ذلك ان تهديد إيران للأطراف الأوروبية بالإنسحاب من الإتفاق النووي والذي ينطوي على ملامة كبيرة وخيبة أمل إيرانية اكبر من الأوروبيين، لعدم قدرتهم على الايفاء بالتزاماتهم بعد الإنسحاب الأميركي من الإتفاق والعودة بالتالي الى التخصيب كرد فعل ايراني معلن، فضلا عن استخدام ورقة المضائق (هرمز وباب المندب) والرد الاوروبي بعواقب هذا التصرف الايراني الذي سيرمي الاوروبيين مجدداً في احضان السياسة الأميركية السلبية تجاه طهران، يضاف الى كل هذا التوتر العسكري في مياه الخليج مع تعزيز واشنطن أسطولها الرادع لأي تهور ايراني – ميداني او تهديد لمصالح واشنطن وحلفائها في المنطقة، كلها مؤشرات على طبخة جديدة تحضر سوف تفضي إما الى انفجار ما في زمان ومكان ما، تمرر من خلالها الصفقة الاقليمية الدولية، واما الى العودة المبكرة الى طاولة التفاوض.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل