الإعلام اللبناني ينعى البطريرك صفير

جعجع لـ”النهار”: رحل البطريرك المبدئي والمتجرد والصلب

فرج عبجي

رغم الحزن الكبير على رحيل بطريرك الاستقلال الثاني مار نصرالله بطرس صفير، الا أن رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع أبى إلا أن يوجه تحية إكبار الى البطريرك الصديق. من عمق بشري المنتصبة على كتف وادي القديسين الى ريفون الشاخصة على حدود البطريركية المارونية في بكركي، علاقة صلبة جمعت بين البطريرك المبدئي الذي رفض الخضوع والاستسلام للإحتلال، وبين “الحكيم” الذي فضّل العيش حراً داخل زنزانة على أن يعيش مكبّلاً على مساحة الوطن. لقد جهد جعجع كثيراً في محاولة ضبط نفسه كي لا يُظهر مدى حزنه على الصديق الذي تجرأ وحيداً في زمن تخاذل فيه كثيرون على استقبال زوجته ستريدا ومئات المناضلين الذين لم يستسلموا وأكملوا المسيرة لتحرير الوطن وخروج “الحكيم” من المعتقل.

“هذا ما حفره في وجداني”

كثيرة هي الألقاب التي يمكن أن يوصف بها البطريرك صفير الذي اعتلى كرسي انطاكية في أصعب الظروف، الا أن جعجع اختصرها بثلاث كلمات قائلاً في حديث الى “النهار” انه “البطريرك المبدئي والمتجرد والصلب”.

وأضاف: “إن الشيء الذي حفره البطريرك صفير في وجداني، هو أنه رجل مبدئي. طوال عهد الوصاية لم يبقَ “شنب واحد” في لبنان إلا حاول استرضاء النظام السوري والتقرب منه لمئة اعتبار واعتبار، بعضهم بهدف الوصول الى مراكز معينة والبعض الآخر كي يكون في مأمن. إلا البطريرك صفير، إذ لم يبقَ “شنب” في سوريا لم يحاول التقرب منه، وحاول النظام السوري المستحيل كي يتقرب منه لكنه لم يقبل وظلّ على موقفه”.

وبكلمات جازمة تعكس اعجاب جعجع بشخصية البطريرك الراحل، قال إن “البطريرك صفير يتمتع بثلاث خصال اساسية. اولاً انه رجل مبدئي ولا يغيّر في مواقفه وفق مصالحه، وثانياً متجرد ولا يهتم لأي مصلحة شخصية او لإخراج أحد من السجن او لتعيين شخص في وظيفة معينة. وثالثاً كان صلباً ولا يتزحزح”. وتابع: “النظام السوري في حينه، وكما دائماً، حكم بالحديد والنار. ومع ذلك لم ينجحوا في اخضاعه وظلّ ثابتاً حتى آخر لحظة من حياته، الى درجة أن بابا الفاتيكان حاول أن يقنعه بزيارة سوريا الأسد في تلك الحقبة ولم يفلح بذلك، ورفض صفير زيارتها. هذه المواقف كلها حفرت في داخلي صورة هذا البطريرك المبدئي والمتجرد والصلب، وهذه عناوين تاريخ الموارنة في لبنان. السياسي عليه ان يكون براغماتياً ولكن البطريرك عليه ان يكون مبدئياً”.

العلاقة بدأت صعبة ثم توطدت كثيراً

بخلاف ما يعتقد البعض أن العلاقة بين الرجلين كانت على ما يرام دوماً، فهي بدأت صعبة وبدأت تتوطد منذ اتفاق الطائف. وأوضح جعجع أن “العلاقة مع البطريرك صفير لم تكن جيدة في بدايتها، ولكن مع الوقت باتت تتحسن شيئا فشيئا الى حين تُوِّجت بالاتفاق معه على نظرة واحدة الى اتفاق الطائف الذي يعتبر نقطة مفصلية في العلاقة المشتركة ومفترقاً حاسماً، وجمعنا ايضاً رفضنا للوصاية التي فُرضت على لبنان”.

وأضاف: “على المستوى الشخصي، هناك فراق يترك أثره فيك أكثر من غيره لمئة سبب وسبب، وغياب البطريرك صفير سيترك عندي شخصيا اثراً كبيراً بعيداً من دوره الوطني الكبير، خصوصاً أن العلاقة التي ربطتني به امتدت لأكثر من ثلاثين سنة بينها 11 سنة تواصلتْ بشكل غير مباشر عندما كنتُ في الاعتقال”.

وأشار الى ان “التعاطي الذي استمر خلال فترة اعتقالي كان اقوى واعمق من السنوات الاخرى بسبب صعوبة الوضع الذي كنا نمر فيه والفراغ الذي كان موجودا على الساحة المسيحية، فهو المرجعية الوحيدة التي كانت تستقبل زوجتي ستريدا والمئات من المضطهدين من رفاقي في القوات اللبنانية وتستقبل كل طالب حاجة”.

“خسرنا صديقاً وربحنا مدماكاً جديداً”

وعن حجم الخسارة الكبيرة برحيل البطريرك صفير على الصعيدين الوطني والمسيحي، اعتبر جعجع أنه “بنظر ربنا والكنيسة، الكرسي البطريركي أصبح له عملياً 1600 سنة وبتسميات مختلفة، في مسيرة النضال والشهادة. صحيح خسرنا البطريرك شخصاً وصديقاً، لكن تاريخ الكنيسة وتاريخ لبنان سيستمران على هذه الثوابت التي بدأها بطاركة أبطال قبل البطريرك صفير وأعاد هو تثبيتها وترسيخها معطياً أمثولة للأجيال المقبلة كي تقتدي بها، ورغم خسارتنا الكبيرة لصديق كبير، ربحنا في المقابل مدماكاً جديداً في تاريخنا في الاتجاه الصحيح الذي يؤدي في نهاية المطاف الى بناء وطن جدّي في لبنان”.

علاقة صفير بـ”القوات”: من مربّع الحذَر إلى تبنّي قضيتها بعد 1994

فرج عبجي

محبة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير محفورة في وجدان جمهور حزب “القوات اللبنانية” الذي لا يتردد في التعبير عنها في أي مناسبة حزبية أو وطنية. ولعل القداس الذي اقامه الحزب في ايلول من العام 2011 في الملعب البلدي بجونيه تخليداً لذكرى شهداء المقاومة اللبنانية، وتحوّل تحية إكبار من الحزب ورئيسه الدكتور سمير جعجع الى المرجعية الوحيدة التي وقفت الى جانب “القوات” وقضيتها في ايام الجلجلة الطويلة، خير دليل على ذلك. ومع رحيل بطريرك الاستقلال الثاني كما تسمّيه “القوات اللبنانية”، تخسر السند الاكبر الذي رفض التخلي عن قضية مجموعة حُكم عليها بالالغاء والتعذيب والنفي. وبخلاف ما يعتقد البعض، فان العلاقة العفوية والندّية بين صفير و”القوات” لم تكن كذلك قبل اتفاق الطائف. فالعلاقة بين المرجعية الكنسية المارونية وبين “القوات” كان يشوبها الحذر منذ لحظة انتخاب صفير حتى اتفاق الطائف. وبعد العام 1994 توطدت العلاقة واصبحت صلبة جداً وبات البطريرك الحاضن الاكبر لقضية “القوات” وكلمته عندها مسموعة جداً، لا بل مقدسة.

 

علاقة غير مستقرة وحذرة

 

وفي هذا الاطار، يسرد النائب السابق ايلي كيروز، الذي تولى مع النائبة ستريدا جعجع ادارة العلاقة مع سيد بكركي بعد اعتقال “الحكيم”، تفاصيل خريطة التقارب والتباعد معه.

 

وعن النقاط الخلافية وحقبة الحذر، يقول في حديث الى “النهار” ان “العلاقة بين القوات والبطريرك صفير لم تكن قبل العام 1994 كما كانت بعده، فقد راوحت ما بين هبوط وصعود بحسب العناوين والتطورات السياسية، وطبَعَها نوع من الحذر في ضوء اختلاف الرؤية حول عدد من القضايا. وعقب انتخاب البطريرك صفير، استمر التباين في ضوء موقف الكنيسة العام المتحفظ من بعض المواضيع تبعاً لبعض التحولات العسكرية والسياسية داخل الاحزاب المسيحية وعلى الساحة المسيحية”.

 

مرحلة التقارب وترسيخ الثقة

 

اما بالنسبة الى “حرب التحرير” واتفاق الطائف، فيؤكد كيروز ان “تقارباً كبيراً وواضحاً حصل بين سيد بكركي والقوات، وتبلور اكثر فأكثر بعد نهاية الحرب واستشعار الخلل الكبير بين مستوى التوازن اللبناني وتطبيق الطائف والعلاقات اللبنانية – السورية”. وتابع ان “العلاقة مع البطريرك صفير بدأت منذ اليوم الاول للمحنة وسط كمّ من السلبيات، وكان لا بد من إعادة بناء العلاقة والثقة معه وتظهير الوجه الحقيقي للقوات اللبنانية. لقد اردنا ان نضعه دائما في جو ما يجري معنا من ارتكابات وانتهاكات. في البدايات، كان من الصعب علينا ان نقنعه بوجهة نظرنا وبأننا مظلومون في ظل المناخ العام الذي كان يحيط به. وكانت مديرية المخابرات في الجيش اللبناني آنذاك حريصة على توفير ضابط كبير لينقل اليه اجواء المديرية للتعكير على القوات”.

 

واضاف ان “العلاقة رست بسرعة ومشت في عروقها ثقة متبادلة وكبيرة. كنا نقصده للتشاور في الاستحقاقات وفي كل مرة يتعرض اي قواتي او قواتية للتوقيف او التحقيق او التعذيب، وكنا دائماً نجده في أي ساعة، وكان دائماً يستقبلنا في القاعة الكبرى ويصغي الينا ويتصرف. كنا ننقل اليه معاناتنا وهمومنا والظروف القاسية التي يعيشها قائدنا في زنزانته ومع جلاديه”.

 

بطريرك الاستقلال الثاني

 

وعن مرحلة ما بعد خروج جعجع من المعتقل، يعتبر كيروز انها كانت الحقبة الاقرب في العلاقة مع البطريرك. ويقول: “بعد خروج الدكتور جعجع من المعتقل استمرت العلاقة الجيدة مع البطريرك صفير، ولا سيما ان القوات اعتبرته بطريرك الاستقلال الثاني وكان له دور اساسي في حصول الانسحاب السوري من لبنان وفي عقد مصالحة الجبل”.

 

ويعدد كيروز نقاط التقارب مع البطريرك صفير، ويؤكد ان “القوات التقت مع صفير حول مجمل العناوين السيادية لجهة استعادة الاستقلال والحريات والعدالة والشركة الحقيقية والمتوازنة ورفض السلاح غير الشرعي واستبدال الوصاية بوصاية اخرى، وادى هذا المسار الى ترسيخ العلاقة بين صفير وجعجع، ما يؤكد ايضاً وايضاً عمق العلاقة بين البطريرك والقوات، وكذلك العاطفة العفوية التي يكنّها الجمهور القواتي لشخصه والتي تعبّر عن نفسها في مختلف المناسبات”.

 

ويكنّ كيروز معزة خاصة للبطريرك صفير ويحب ان يسميه “بطريرك الاصغاء الدائم”. ويقول: “لقد شعرت بمحبة البطريرك للقوات وبأبويته لقضيتنا في كل مرحلة الاضطهاد والاعتقال في كل المحطات، عندما رفض كل الضغوط ورفع الصوت عالياً في زمن اختناق الاصوات، ضد ما يحصل واحتضن قضيتنا يوم تخلّى الجميع عنها. لقد رفع البطريرك الصوت في اللحظة التالية للجريمة في 27 شباط 1994 والتمييز في التعاطي بين اللبنانيين نتيجة سياسة الكيل بمكيالين والصيف والشتاء على سطح واحد”.

 

ومن المواقف التي حفرها البطريرك صفير في وجدان “القواتيين”، يذكر كيروز ان “هناك اكثر من موقف للبطريرك صفير حفر في وجداني، لكن الموقف الاول يبقى في ذلك اليوم الذي أعقب اعتقال “الحكيم”، عندما توجه الناس من كل المناطق الى بكركي ليشتكوا للبطريرك وليعرضوا عليه قضيتهم، وتولت وحدات من الجيش في بكركي استقبالهم. كان الناس يومها بحاجة الى كلام من البطريرك يخفف وجعهم، وبالفعل لم يترك البطريرك الناس بل خرج وتحدث معهم ووعدهم بعدم ترك هذه القضية. في ذلك اليوم كنّا في المرحلة الاولى في الجلجلة اللبنانية والقواتية الطويلة التي امتدت نحو 11 سنة”.

 

افتتاحية صحيفة النهار

بطريرك الاستقلال والحريّة… اذكرنا

نبيل بومنصف

 

إذا كان طبيعياً ان تواكب الدلالات الرمزية الدينية والدنيوية رحيل رجالات يصنفون في خانة صناع التاريخ فليس غريباً والحال هذه ان يكون قلب هذا الكبير العظيم المنتقل الى عالم الخلود قد أبى حتى اللحظة الاخيرة الا الدلالة على معدن صاحبه الاستثنائي. قاوم قلب نصرالله كما قلب المقاوم الشجاع الهرم ولم يشأ الا الوداع المهاب لأحد عظماء ذاك اللبنان الذي صنع الكثير من قيمه أحد أعظم بطاركة الموارنة الذي طبع العقود الاربعة الاخيرة من تاريخ لبنان وأقله حتى استقالته بطابعه الفذ. أسلم البطريرك الماروني السابق الدائم الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير الروح قبل أيام ثلاثة فقط من بلوغه الـ99 من العمر في مفارقة زمنية شاءتها الاقدار لصاحبها في رحلة احتضاره ومن ثم انتقاله الى عالم الخلود لإثبات ما أفنى حياته الرهبانية في التبشير به من تسليم مطلق بالعناية الايمانية الإلهية وهو الذي جعل العظمة رديفة للبساطة والكبر صنو التواضع المنسحق والتسليم بمشيئة الرب فعل حياة وممارسة وقول وفعل في كل آن.

 

هذا الراحل المنتقل الى جوار القديسين وهو في نظر كثيرين من المؤمنين بسيرته والشغوفين بكل ما أنجزه وحققه وجسده أقرب الى القداسة، طغى على نفسه بنفسه حين تحول اكبر رموز لبنان الحديث بعد الاستقلال الاول، وبعد أقرب البطاركة تيمنا به أي البطريرك الياس الحويك صانع لبنان الكبير، في قيادته لأعظم انتفاضات الاستقلال والحريات والسيادة التي أدت الى تحقيق اعظم أهدافه اطلاقاً في تحرير لبنان من الوصاية السورية عقب انتهاء الاحتلال الاسرائيلي.

 

ليس غريبا على أي من البطاركة الموارنة المتعاقبين منذ قرون على السدة البطريركية نهج تاريخي ثابت ومستدام ومتأصل في الاستماتة في الدفاع عن سيادة لبنان واستقلاله لأن هذه الثوابت هي صنو اللبنانية الاستقلالية التي ما كان للموارنة هذا الحضور المتألق في وطن الارز لولا تعاقب رسالتهم في الدفاع عنها. ولكن مع نصرالله بطرس صفير اكتسبت الدلالة قيمة متمايزة وصلابة مذهلة فانبرى منذ إطلاقه الشرارة الكبرى للتحرر من الوصاية السورية الى لغة التوحيد والوحدة اللبنانية صنوا للتحرر الشامل من الاحتلالات والوصايات وما تراجع قيد انملة ولا هادن ولا ساوم. أعظم ما ميزه اطلاقاً انه جمع مع بساطة ابن ريفون عظمة البطريرك القائد لحركة شعب برمته. ربما ليس هناك سواه من تجرأ على اسقاط اي مساومة على الحرية. قالها مرة للتاريخ انه بين العيش المشترك والحريّة يختار الحرية. ولو لم يكن مار نصرالله بطرس صفير بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للموارنة في مطلع الألفية الثانية لما كانت إحدى اعظم الانتفاضات الاستقلالية السيادية قد حصلت بالشكل والمضمون والنتائج والتداعيات التي أدت اليها بفضل شجاعته وإقدامه وانتصاره الحاسم غير القابل للمساومة للحق البديهي للشعب اللبناني في الحرية والاستقلال. واكثر، فان انطلاقة الشعلة الاستقلالية التي أضاءها وأشعلها في النداء الاول للمطارنة المطارنة في أيلول 2000 لم تكن إلّا استكمالاً منهجياً في سيرته الفذة التحررية التوحيدية بعد دوره الحاسم مع شريك كبير لبناني توحيدي هو الرئيس حسين الحسيني في اعداد العدة الجوهرية الاساسية لاتفاق الطائف بنسخته اللبنانية الأصلية قبل ان تعبث به أظافر المؤامرات والمصالح والأطماع المتنوعة خارجياً وداخلياً. و”النهار” التي كانت ولا تزال وستستمر تفخر فخراً عظيماً بما كان البطريرك الكبير الراحل يكنه لها من تقدير لرسالتها الصحافية والفكرية والثقافية والوطنية ترجمه دوماً بدفء علاقته مع عميدها الراحل غسان تويني والشهيد جبران تويني، تعتبر ان خسارتها الكبيرة بفقده خاصة واستثنائية. عظيم البطاركة، اذكرنا في عليائك.

 

يداً بيد مع الشبيبة في نضال مستمر من أجل الحرية… وبناء وطن جمعه معهم العمل الراعوي ونشر الإيمان وحب لبنان وقبول الآخر

روزيت فاضل

“شبابكم غنى لا تجعلوه فقراً… إيمانكم غنى لا تجعلوه كفراً… علمكم غنى لا تجعلوه جهلاً”، هذه الجمل جزء من عظة الكاردينال البطريرك مار نصرالله بطرس صفير أمام طلاب العمل الرعوي الجامعي في لبنان كما وردت في جريدة ” النهار” في عددها الصادر في 1987/2/23.

 

بذل “غبطته” قصارى جهده مع اقطاب الكنيسة المارونية لجمع شمل أبناء “البيت الواحد” من خلال إطلاقه مشاريع رعائية في لبنان وسائر المشرق وجملة برامج خاصة للشباب الموارنة في لبنان وعالم الانتشار.

 

نضاله للحرية

 

“الحرية، هي من المسلمات الاساسية، التي رسخها البطريرك صفير، في نفوس الشباب”، هكذا وصفه الأمين العام للجنة الوطنية للحوار الاسلامي المسيحي حارث شهاب. وفي حديثه لـ”النهار”، شدد على ان مسيرته “إنطبعت أسوة بالموارنة الأوائل بنضاله المستمر في سبيل الحرية”، مذكراً بقوله المأثورأنه “لو خُيرنا ما بين العيش المُشترك والحرية، لاخترنا الحرية”. وتوقف عند “مواجهته لتحديات عدة ومنها تحد الحداثة، والذي دفعه الى قيادة البوصلة في الاتجاه الصحيح”، مشيراً الى ان “المبادىء، التي نادى بها، شكلت حافزاً لتحرك الشباب الى الشوارع للمطالبة بالحرية”.

 

خص الكاردينال صفير كلاماً لكل مراحل الشباب وتم رصدها في دراسة اعدها المركز الكاثوليكي للإعلام عنه. يذكر المصدر انه في العام 1990، توجه اليهم لمناسبة الصوم الكبير بالقول: “… ونضيف اليكم يا شباب لبنان خاصة المسيحيين من بينكم، ان تضامنوا ووطدوا الرجاء بالله والثقة بنفوسكم ووطنكم، واعدوا لكم مستقبلاً أفضل تبنونه على القيم والأخلاق وخاصة المحبة…” (في الكنيسة والسياسة، الرسالة الخامسة، عدد 41، ص 29).

 

وطالب صفير، وفقاً للمصدر نفسه، بحق الأطفال قائلاً: “إنكم تريدون أن تعيشوا لا ان تموتوا تحت قذيفة أو في تفجير. انكم ترغبون في أن تدرسوا وتلعبوا في ملاعب مدارسكم…( 24/4/86). ورأى في كلامه خلال مسيرة لذوي الحاجات الخاصة في بكركي (“النهار”، 20/5/1985)، أنهم “الأبرياء هم الذين دفعوا ويدفعون ثمن التكفير عن جرائم المجرمين”.

 

السينودوس..

 

في حديثه لـ”النهار”، أكد رئيس جمعية المرسلين اللبنانيين قدس الأب العام مالك أبو طانوس، الذي كان منخرطاً في اللجنة الخاصة لإعداد ملف الشبيبة، الذي يدخل في سياق السينودوس “رجاء جديد من أجل لبنان”، “ان الأجواء السابقة له مهدت محلياً لإنشاء الصندوق الماروني للمشاريع السكنية بدعم من البطريرك صفير”، مشيراً الى ان البطريركية وفرت الدعم الأول لإنطلاقته علماً أنه يوفر الى اليوم 2400 وحدة سكنية”.

 

وانتقل الى “مضمون ملف الشبيبة” الذي يهتم بمساعدة الشباب على تعميق ايمانهم” موضحاً أنه “لطالما اعتبر ان ثمة تيارات الحاد ” مقنع” تؤثر سلباً على ايمان بعض ابناء الرعية”. وطالب هذا الملف، وفقاً له، “بضرورة تحضير كهنة ومرشدين لمرافقة الشباب في العمل الرعوي الجامعي”.

 

وشدد ايضاً على الاهتمام بالشباب روحياً والمحافظة على تماسك عائلاتهم وبقائهم بأرض الوطن وتفادي نزوحهم من الريف الى المدينة”. كما لحظ أيضاً “الملف توق الشبيبة الى الوحدة “، موضحاً “اهمية ان يسلط الملف الضوء على تنقية الذاكرة بعد الحرب”.

 

وتوقف عند مقطع خاص لدور “الشابات المارونيات في المجتمع وضرورة تعزيز دورها في معترك الحياة”، مضيفاً الى انه “لحظ ايضاً اهمية العيش المشترك وهوية لبنان…”.

 

الشباب ولبنان

 

قبل إنعقاد المجمع البطريركي الماروني، توقف ناشر مذكرات البطريرك صفير في سلسلة “حارس الذاكرة جورج عرب لـ”النهار”، عند “الحقبة الحساسة في تاريخ الجماعة المارونية وتحديداً الحقبة الممتدة من العام 1989 الى العام 1991، والتي شهدت ازمات سياسية انتهت بإتفاق الطائف ومآسي الحروب”، مشيراً الى ان ” محاولات الكاردينال صفير لم تحقق نجاحاتها الكاملة في خلق تجمعات شبابية او قيادات بديلة خارج الاصطفاف السياسي القائم في حينها”.

 

وعلى مستوى الاطر التنظيمية لموضوع الشبيبة، وتطبيقاً لتوصيات هذا المجمع، أكد عرب ان الكاردينال صفير” قرر إنشاء مكاتب في الدائرة البطريركية، التي باتت اليوم مكتب رعوية الشبيبة في الدائرة ذاتها”، مشيراً الى ان صفير لم يصدر مراسيم تطبيقية لتوصيات المجمع في هذا الشأن لأنها تشكل تحولات في مسار الكنيسة المارونية، اضافة انه لا يريد الزام خلفه بأي مراسيم او تدابير تثقل كاهله”. وتوقف عند “البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، الذي اصدر هذه المراسيم ومنها الخاصة بإنشاء مكتب رعوية الشبيبة، وهي محطة اساسية في عمل الكنيسة المارونية محلياً وفي بلدان الانتشار”.

 

وانتقل الى خطاباته خلال جولاته الخارجية، “والتي كان يركز في جزء كبير منها على الشبيبة، ويحضهم على زيارة لبنان ” مشيراً الى انه “يركز في لقاءاته مع الكهنة والمؤسسات والابرشيات في الانتشار على ايلاء اهمية لتعريف الجيل الشاب اللبناني على تراث بلدهم، وهذا ما ترجم عملياً من خلال تلبية اعداد منهم هذه الدعوة لزيارة وطنهم الأم”.

 

على الصعيد الداخلي، اكد عرب انه ساهم في دعم منظمة “كاريتاس” بـ نصف مليون دولار لدعم الشباب المهجرين للعودة الى ضيعهم”، مشيراً الى ان “لجنة الشؤون الاقتصادية في بكركي طالبت مجلس الأساقفة تسهيل عليهم ايجار الأراضي التابعة للكنيسة لتوفير مدخول لهم”.

 

من اللقاء الى الفوروم

 

عند التحضير للقاء الشبيبة في حريصا بالبابا القديس مار يوحنا بوس الثاني والكاردينال البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، استعاد المسؤول السابق للجنة الوطنية الرعوية للشباب التابعة لمجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان طانيوس شهوان في حديثه لـ”النهار” لحظات تاريخية قابل فيها “سيدنا”، ناقلاً له آخر التحضيرات للحدث مع تشديده على ان الأجواء العامة ترجح لجوء الشباب المشاركين في اللقاء الى حمل صور سمير جعجع وميشال عون هناك”. قال: “كان الرد واضحاً من البطريرك صفير، وقد كان مصراً على انه لا يمكن لأحد ان يمنع الشباب من القيام بذلك. وكررها مرة ثانية لا يحق لأحد ان يمنعهم عن ذلك، وليعبّر كل واحد على طريقته”.

 

عرض شهوان لمحطات رسمت خارطة طريق بين البطريرك صفير والشباب، مشيراً الى ان اللجنة “اسست في نهاية الحرب اللقاء الوطني للشباب، والذي تم تنظيمه دورياً على مدى 3 أعوام (نسخة كل عام) مع إضافة محطة له في لقاء رابع في حريصا” شكل متنفساً لكل المسيحيين يتملكهم شعور الاحباط”بعد انتهاء الحرب”.

 

بالنسبة اليه، “تأسس الفوروم الوطني للشباب عام 1995 بنسخه الخمس وضم جمهوراً شبابياً نخبوياً من اعداد هائلة راوحت بين 175 و200 الف شاب وشابة سنوياً”. رداً على سؤال عن اهمية البيانات الختامية لهذا الفوروم، قال: “كانت توازي بأهميتها بيان مجلس المطارنة الموارنة الى حد ما. كنا نقرأ مضمون البيان السنوي في الديمان ونحرص فيه على التعبير عن اعتراضنا على سلطة الوصاية والنظام الامني السوري واللبناني”. وشدد شهوان على ان تجارب اللقاء والفوروم اثمرت في تأسيس لجنة خاصة للشباب في 23 ابرشية”.

 

توقف عند مفترق حاسم في العمل الرعوي الشبابي عام 1997 “مشيراً الى ان الكاردينال صفير “كان الداعم الأساسي لإنطلاقة الايام العالمية للشباب لتصل في آخر عهده اعدد المشاركين الى 18الف شاب لبناني”. ولفت الى انه “عكس ما يشاع اليوم، فإن الكاردينال صفير هو من اسس اليوم العالمي للشباب عام 2008 “مشيراً الى انني” كلفت شخصياً بتنظيم انطلاقته من اوستراليا”. وركز أيضاُ أنه “في العام 2000 اسس صفير، وبناء على اصرار مجلس بطاركة الشرق الكاثوليك في اللجنة الاسقفية الرعوية للشباب في الشرق الأوسط، والذي توسع ليشمل العمل في بلدان عدة منها مصر، لبنان، سوريا، الأردن، العراق، فلسطين وبعض مناطق الخليج”. قال: “دعاني سيدنا الى الصبر والمثابرة بعد أن اخبرته عن الصعاب التي واجهتها في حث بعض الشباب في بعض البلدان العربية على الاقتناع بأحقية تصرفهم بحرية…”.

 

لبنان الشامخ ينحني اجلالاً لموتك أمام نعشك

بطرس حرب

الشكر كل الشكر للرب الإلهي لأنه أنعم على لبنان بقائد وراعٍ في زمن ضاعت فيه القيادات وتشتت فيه القطيع، ولأنه أكرم هذا القائد بإرث عظيم.

 

مئة عام في خدمة الإنسان ولبنان. إنها نعمة إلهية حباها الله لراحلنا الكبير البطريرك نصرالله صفير.

 

ثم انتخب بطريركاً لم يكن أسمه بين المرشحين، أو من الأسماء البارزة لخلافة البطريرك خريش، أو ممن كانوا يوحون أنهم قد يشكّلون علامة فارقة في تاريخ الكنيسة المارونية، وكان يُنظر إليه كأحد الفعلة في حقل الرب وليس كقائد فيه، هذا في الوقت الذي كان اللبنانيون، والمسيحيون منهم، يتخبطون في الأزمات والنزاعات والحروب والاقتتال والانقسام، الذي يستدعي وجود بطريرك قادر على القيادة والتوجيه.

 

يومها لم يكن أحد ينتظر أن يكون البطريرك الجديد نجماً ساطعاً في تاريخ بطاركة لبنان وبطريركاً عظيماً وقائداً وطنياً كبيراً.

 

 

إلا أن العناية الإلهية بعثت في البطريرك الجديد، بالإضافة إلى زهده المتناهي وترفعه وقداسته، روح القيادة لقطيعه، ما جعل بكركي مرجعاً وطنياً لكل اللبنانيين في تلك الأيام المظلمة، وما حوّل الأنظار إلى سيدها، تنتظر مواقفه وإرشاداته، وقاد مسيرة لبنان وحافظ على وحدته في وجه نزعات التقسيم لدى البعض، وما حوّل بكركي إلى منبر للجهر بالحق والتمسّك بالقيم، وإلى موقع لمقاومة كل تطاول على سيادة لبنان وحرية اللبنانيين، وإلى مسؤولة عن مصير الوطن والشعب.

 

وقد تمكن البطريرك من الجمع بين دوره الروحي ودوره الوطني، إذ بقي، في الوقت الذي تحول فيه إلى زعيم وطني كبير، وديعاً متواضعاً متسامحاً فقيراً محباً، ورمزاً للفضيلة والنقاوة والقداسة كأحد تلاميذ المسيح الأولين، غير عابئ بمكاسب الدنيا ومباهجها، ما أهّله لدوره القيادي والوطني.

 

فالبطريرك صفير كان دائب البحث عن الحقيقة. عين ترعى الرعية، وأخرى لا تنام إلا في منازل القديسين، وكأنما القدر زرعه في تلك المرحلة ليكون قدراً محتوماً في أزلية لبنان، وسيفاً مصلتاً على رقاب الذين تطاولت رقابهم على عنق لبنان، ورادعاً للذين حاولوا بيع لبنان في سوق النخاسة.

 

فلا عجب أن تعلقت القلوب والنفوس به، لأنه كان في أدائه مثالاً للأجيال المتعطشة للعمل الوطني الشريف، يعلّمهم كيف تُصان الحرية وتُعاش الوطنية الصحيحة، ولا غرابة في أن أكون شخصياً ممن آمنوا به، مرجعاً وطنياً ومنارة تهدي الضالين، نلوذ إليه في الشدائد، ما جعل علاقتي به علاقة مميزة عميقة ثابتة، ملؤها التعاون والتشاور والصداقة والمحبة، وما سمح لي أن أتشرف بخوض معركة استعادة الوطن والسيادة والاستقلال إلى جانبه.

 

حافظت بكركي معه على دورها التاريخي، حامية لحرية اللبنانيين، وقلعة الممانعة في وجه الاحتلال والوصاية، وهو من قال إننا “إذا خُيرنا بين لبنان والحرية لاخترنا الحرية”، لأنه كان يعلم أن لا معنى ولا ديمومة للبنان دون الحرية.

 

فهو من سطّر المستقبل بحروف نورانية ترسّخت في ضمير الشعب اللبناني قيم حرية وعدالة وكرامة، فأصبح أميناً على مجد لبنان وعلى بقائه وديمومته، شهيداً في حبه، يحضن الكيان ويخلص له، رغم محاولات اليوضاسيين تشويه هذا المجد.

 

مجده، أنه اختصر وجسّد أمجاد اللبنانيين كلهم، مسيحيين ومسلمين، عراقة في الأصول، أصالة في الرأي، جرأة في القول، ثبات في الموقف، تسامح مع المسيئين إليه، صلابة في وجه المعتدين، وجهاد ضد الظالمين أو المتطاولين، أمين على طائفة، جامع للطوائف، مختصر للطائف.

 

لم يردعه تهديد أو وعيد، ولم يرهبه تطاول عليه، أو على بكركي، ولم يقعده تعرضه للإهانة الشخصية، وحتى الجسدية، للسكوت عن الباطل في وجه بعض المغامرين بمصير لبنان ومسيحييه، المتعطشين للسلطة، كما لم توقفه إهانات المنحرفين الأذلاّء، بل بقي صامداً مؤمناً بأن الحقيقة تحرر، وأن الحق وحده قادر على إحياء لبنان الموعود.

 

لم يقعده إتهامه بأنه يتجاوز دوره الروحي ويتعاطى السياسة، لأنه كان يعيش المبادئ الوطنية والقيم التي قام عليها لبنان، فلم يناصر فريقاً سياسياً في وجه آخر، بل قام بواجب الراعي الأمين لحماية القطيع، والتزم ثوابت بكركي التاريخية التي قام عليها لبنان، فالتقى موقفه مع من كان يعمل بهديها من السياسيين، وافترق عنه من خرج عنها.

 

وإن كان من المستحيل إختصار مسار هذا البطريرك العظيم المليء بالإنجازات الكبار في سطور، إلا أنه لا بدّ من أن التاريخ سيسجّل له مواقف عديدة وأهمها :

 

– موقفه الشجاع في إعلان دعمه للإتفاق الوطني الذي تحقق في الطائف، والذي انبثقت عنه وثيقة الوفاق الوطني التي أنهت الحرب في لبنان، وتعاليه فوق الجراح والإهانات التي تعرّض لها إثر ذلك، وروح المسامحة التي تحلى بها تجاه من اعتدى على حرمة البطريركية، وعليه، ومن وجّه الإهانة له، ما يذكّرنا بقول السيد المسيح على الصليب: “أغفر لهم يا أبتاه لأنهم لا يدركون ماذا يفعلون”، وها أن الجميع اليوم يتمسكون بذاك الاتفاق كخشبة خلاص للبنان ولمسيحييه، ولا سيمامن قاد تلك الحملة ضده.

 

– رفضه إخضاع النظام السياسي للوصاية السورية بفرض إنتخابات نيابية عام 1992، فوقف، ووقفنا معه، ضد إجراء تلك الانتخابات الصورية، ودعم موقفنا بمقاطعتها، ما رفع عن المجلس الذي انبثق عنها صفة الشرعية الشعبية.

 

– أخذ المبادرة لإصدار مجلس المطارنة عام 2000 موقفه التاريخي المتضمن المطالبة بخروج الجيش السوري من لبنان وحصر السلاح بيد السلطة الشرعية، ولا سيما بعد تحرير الجنوب، وحل ميليشيا حزب الله وتسليم سلاحه للدولة اللبنانية، ورعايته ودعمه للقاء قرنة شهوان الذي أطلق ثورة الأرز، ونجح في إخراج السوريين من لبنان بعد مساندة معظم القوى السياسية غير المسيحية للموقف، ما شكّل الإنجاز الأهم بعد إعلان استقلال لبنان عام 1943، والذي اعتبر الاستقلال الثاني للبنان.

 

– تمسكه بوحدة اللبنانيين ورعايته مصالحة الجبل التاريخية التي طوت صفحة المأآسي لإيمانه بأن لا ديمومة للبنان ولا أستقرار فيه إلا بوحدة أبنائه.

 

إن مسار من نفتقد اليوم يضعه في لائحة الشرف للبطاركة القديسين الشهداء الذين بذلوا حياتهم حماية لحرية معتقدهم وشعبهم، وللبطاركة العظام الذين سطّروا صفحات مجيدة في قيامة لبنان وتراثه وفي تاريخ الموارنة، كالبطريرك الماروني الأول يوحنا مارون والبطاركة الدويهي والحويك.

 

فوجوده بيننا في هذه الحقبة المظلمة من تاريخنا كان هبة إلهية منحتنا قائداً شجاعاً ورسولاً للقيم والفضيلة ورجل حوار ساهم في إنقاذنا، رجل لا تعرف الخيبة طريقاً إلى قلبه ولا حدود للرجاء في إيمانه بحيث يصح فيه ما قلت فيه يوم منح جائزة الرئيس الهراوي:

 

الرب نقّاه فراح ينقّي

 

والرب منحه الحكمة فراح يوزعها

 

والرب أناره فراح ينير

 

والرب قرّبه منه فقرّب الآخرين إليه.

 

لقد كان كاهن الناسوت واللاهوت، فالناسوت للأنقياء واللاهوت للأتقياء،

 

فكان النقي والتقي،

 

وكان صوت الذين لا صوت لهم ونصير الضعفاء،

 

وكان صوت الحق لمن لا يستطيع الدفاع عن حقه، صوت الإرث الحضاري، بما فيه من قيم روحية وإنسانية ووطنية، وخسارته كبيرة، ولو كانت وفاته حتمية وستنقله إلى رحاب الرب، الذي سيكافئه على حسن إدارته للوزنات.

 

إلا أن التاريخ سيدوّن غداً أنه عظيم بين الأحبار، وأنه صان الصيغة بكهنوته وناسوته، وصان الوطن بحكمته ونضاله وتضحياته.

 

واليوم يودّع لبنان كبيراً كبيراً من أبنائه، قام برسالته ورقد مرتاح الضمير أنه أدّى قسطه للعلى، وهو من قال:

 

“أنا تراب، منه جُبلت وإليه أعود، وقد جاهدت كل حياتي لأستحق لقب الحقير الذي حمله أسلافنا الذين عاشوا بتواضع وكرامة وكرّسوا ذاتهم للخدمة.”

 

فنم يا سيدي لقد كنت كبيرا’ وعظيما’ في حياتك ومماتك لقد استحقيت لقب القديسين من أسلافك، راجياً إياك أن تصلّي للبنان من عليائك ليحفظه الله من أعدائه، ويصونه من ممارسات بعض أبنائه، ويوقظ ضمائر الفاسدين المتسلطين لكي يبقى لبنان وطن الحرية والكرامة والقيم، فلا تضيع تضحياتك وجهودك.

 

كما أرجو أن تصلّي لكي تبقى بكركي منبع شهداء الحرية والوجود والضمير، وأن تبقى حقيقة لبنان، وأن يبقى التسامح والسلام كتابها، والقيم رسالتها، والمحبة موائدها، وأن تبقى شاهدة للحق والحرية. مع الأمل أن يكون غياب بطريرك عظيم، كمن نودّع، سقوطاً لعامود أساسي من الهيكل، لا سقوطاً للهيكل بكامله، وأن يبقى الراعي الذي خلفك المرجع والمرشد والحصن لبقاء الوطن.

 

¶ نائب ووزير سابق.

 

 

من قال إن الكبار يموتون؟

امين الجميل

رحل الكبير الى دنيا الكبار، رحل من جسدّ ضمير لبنان وأمته ووجدانه، الثابت الصلب دفاعاً عن قيم الحياة، بالقول والفعل، بالممارسة والإيمان.

 

هو من امتشق الانفتاح عنواناً، والاعتدال نهجاً، والكرازة بالحق إيماناً.

 

الذهبي اللسان، ما نطق إلا بكلمة سواء، في الدين والدنيا، في الوطن وفي الطائفة.

 

لم يكن ثانياً لأحد، بل كان الأول في الاعتدال، الأول في احترام العيش الواحد، الأول في حماية الميثاق، الأول في المقاومة، الأول في الاحتكام الى الكتاب والأول في السيادة.

 

البطريرك المرن، لم يكن يوماً رافضاً التسويات، لكن بمفهومها السيادي لا السياسي، بمدركاتها الجامعة للصالح العام، لا بفلسفتها الدنيا، ونظريتها الصغرى، الانهزامية، الاستسلامية، التسووية على حساب الثوابت والمسلمات.

 

البطريرك الفولاذي، لم يكن يوماً متساهلاً في قضايا الوطن، ولا متنازلاً في مسألة السيادة. أراد لبنان للبنانيين، لا تمرّ منه أي طريق لأي وطن آخر إلا للتلاقي وعلى أساس الندية والمساواة.

 

مشينا معاً وادي قنوبين الزاخر بمعاني البطولة، فكان الصاعد قدماً على طريق المجد، هو من أعطي مجد لبنان.

 

بطريرك الانفتاح على الحوار الداخلي والجوار العربي، الرافض الانتقاص من عزة لبنان وشموخه بين الدول. صار الثبات لديه، وصارت الصلابة والشجاعة عنده رمزاً فريداً، وقصة أجيال تنمو دفاعاً عن وطن احتلت أرضه وبقي بطريركه صامداً، لا يغريه إطراء، ولا يرهبه إملاء. أوليس غبطته من أجاب رداً على سؤال: “لا أذهب الى سوريا إلا وطائفتنا معنا. وعندما كانت سوريا هنا لم نذهب”.

 

بطريرك الطائفة عفا عمّا لحق به، وبطريرك الوطن رعى كل المصالحات، وكنت شريكاً وشاهداً على مصالحة الجبل التاريخية التي شكلت الأساس في انطلاقة ثورة الاستقلال الثاني، تماماً كما شكلت رعايته لقاء قرنة شهوان المنطلق للقاء البريستول وثورة الأرز.

 

كم نحتاج الى تعاليمه وتجربته، الى عقله وحكمته، الى معدنه وقماشته، الى مرونته من دون التنازل عن المسلمات، لننقذ لبنان من الضياع، من اللاوجود، من تغييب المؤسسات والعبث بالكيان والمؤسسات.

 

قال ما قاله، ورحل، ومن قال إن الكبار يرحلون ويموتون؟

 

¶ رئيس الجمهورية الأسبق.

 

اليوم زَحَل لبنان الصلابة!

مروان حماده

رحل السادس والسبعون، كما أراد ورسم بصمت وقور وصاخب في آن.

 

رحل بطريرك الاستقلال والسيادة والشجاعة والوحدة الوطنية حين عزّ الرجال، وحارس الصمت والألم والعزلة حين قرر الراحة في أديار البطريركية التي أحب.

 

عرفناه وجاورناه منذ حالك الأيام، وإلتصقنا به فكرا وحكمة وشجاعة، مع إطلاقه، بجرأة القول والفعل، نداء الاستقلال في ٢٠ أيلول ٢٠٠٠، النداء المؤسس لإنتفاضة الإستقلال وللثورة على الظلم والإحتلال وسواد الأيام وصنوفها.

 

لم يذعن لتهديد أو ويخضع لابتزاز أو يخش سلاحا أو نقاشا.

 

طاغية كانت كلمته، قاطعة حدّ الذبح بالقطنة، وهو الذي عاش المسيح وفيه: فليكن كلامكم نعم، نعم، لا،لا، ومَا يُزاد على ذلك فهو من الشرير.

 

سماته الاستقامة والمحبة والتسامح، فكان صفحة ناصعة في تاريخ لبنان الحديث تضرب جذورها في ألفيات لبنان لتزهر شهادة للحرية والحق في زمن القهر والقتل.

 

كان البطريرك الحويك بطريرك لبنان الكبير، فيما صار البطريرك صفير كبير بطاركة لبنان، بطريرك لبنان العزيز الحر السيد المستقل، التعددي، المنفتح، الأمين على الارض والشعب والمؤسسات، المثلث الحقيقي الذي يناقض كل مثلّث آخر يخنق الدولة ويحكم الطوق على منطق المؤسسات ويشظّي أي أمل في المستقبل.

 

كنّا حينما نختلف أو نتباين أو نُحبط أو يُسقط في أيدينا، نحتكم اليه، الى صلابته والحكمة، الى ثوابته والمنطق، فنتسلّح بحجّته المتبصّرة وثقابة رأيه.

 

ظل حتى آخر نضاله، الأصلب بيننا، والأكثر صبرا وصلابة وعنادا في الحق.

 

هو بنّاء الكنيسة الجامعة والدولة الحازمة والإستقلال الحقّ. هو مانع التقسيم وربيب الديموقراطية والمقاتل في سبيلها يوم إفتقدتْ لبنان.

 

هو عرّاب المصالحة الكبرى، مضمّد الجراح الوطنية ومبلسمها.

 

عندما أخذ بيدي في كفرحيم عند بوابة الشوف لنبدأ الرحلة التي أوصلتنا الى مختارة وليد جنبلاط عبر دير القمر، شعرتُ أن مهمته الكبيرة قد توجها بالمصالحة التاريخية التي أعادت لبنان إلى وحدته الحقيقية، وحصنت قلبه الجبلي في وجه كل محاولات الوصاية والجهاز الأمني آنذاك، ومسبقا في وجه متطفلي اليوم وساكبي دموع التماسيح.

 

أيّد اتفاق الطائف بكل قواه، وقاوم سوء تطبيقه والاحتلالات، وأظنه غادرنا وفي قلبه غصّة من احتمال احتلال رابع.

 

هو السادس والسبعون، تاج مسيرة بطريركية بنتْ التاريخ والكثير من مستقبلنا، يوم تلكأ حاكم أو جار غازٍ أو محتلٌّ.

 

نودّعه اليوم، ونوْدِعُه غدا وكل يوم، ذاكرة من عاصره ومن عاش زمنه وفكره. عمود من إعصار، من كلمة. عظاته الأسبوعية في الذاكرة والوجدان. كلمات قليلة في السياسة ينهي بها كانت كفيلة في إطلاق رأي عام ونقاش وحوار وتبصّر ومن ثم مسيرة ثورة، فيما كان الغازي تزيده خوفا ورعبا وتوجسا، حتى حلّت لحظة التحرير والتحرر.

 

اليوم يُفتقد الحلم والنبض والعصب، الذي به على مدى ٣ عقود، ومن ثمّ بشفاعته حيث هو الآن، أُعطي لنا أن نبقى في لبنان ونحيى من أجله.

 

رحل السادس والسبعون؟ بل زَحَل آخر أزمنة لبنان الصلابة والسيادة والإستقلال.

 

¶ نائب الشوف ووزير سابق.

 

البطريرك صفير: الالتزام بالحرّية في مرتبة الصلاة

نهاد المشنوق

سألني الرئيس الشهيد رفيق الحريري قبل أكثر من عقدين من الزمن عن حوار طويل جرى بينه وبين الراحل الكبير حامل مجد لبنان. سألني: “ما انطباعك عن فحوى الحديث؟”، فأجبته من دون تردّد أنّنا أمام سنديانة عريقة. في ذاكرتها مئات السنين من الحرية. عميقة الجذور في لبنانيتها. لا تغيّرها الفصول بل تزيدها ثباتاً في الأرض.

 

هزّ برأسه موافقاً، وكأنّني عبّرت عمّا يدور في داخله.

 

كانت المواقف السياسية السائدة في زمن القهر السوري تشبه الورد دون جماله. كثيرة ألوانه. قصيرة حياته. تسقط أوراقه صباح كلّ يوم وفي كثير من الاحيان أكثر من مرة في النهار.

 

سقطت كل القلاع. إلاّ قلعته. إذ أنّه اعتمد في صمودها على الكلمة. ألم يقل الكتاب المقدّس: في البدء كان الكلمة؟

 

بنى على الكلمة الصادقة. الواثقة. الأمينة. القلعة التي شهدت جدرانها تاريخاً من الحرية. فإذا بكل كلمة تمسك بالأخرى لترفع بناءً وطنياً ثابتاً في مواجهة الهزّات، وما أكثرها.

 

دافع عن اللبنانية الصعبة والعروبة الأصعب في زمن التسويات التاريخية التي احتاجها اللبنانيون لوقف حروبهم فما عدنا نفرّق بين بطريرك الطائف أو طائف البطريرك.

 

فكلّ شجرة تُعرف من ثمرها كما يقول أيضاً الكتاب المقدّس. فأي شجرة مباركة يكون ثمرها دستور الطائف بما هو استقلال ومصالحة ما لم يكن هو راعيها. أليست التسوية قدر الشجعان؟

 

لم يغيّر ثوابته ولم يعترف ولو للحظة واحدة بالترجمة الأمنية السورية المشوّهة للاستقرار الدستوري اللبناني، ولا قبل بالتخّلي عن مبدأ تداول السلطة في موعدها. فإذا به الحارس الوحيد لهيكل الاستقرار.

 

معه ارتفع الالتزام السياسي والأخلاقي إلى مرتبة الصلاة. فجعل من القضية اللبنانية رسالة إلى العالم فكان الإرشاد الرسولي الذي سيبقى ولزمن طويل الوثيقة الأشجع للعيش اللبناني الواحد بين المسلمين والمسيحيين.

 

لم تأتِ الوثيقة ترجمةً لخوفٍ أو ذعرٍ بل جاءت لتضع أمام المسلمين والمسيحيين، على السواء، تحدياً مشرقياً من أجل إيجاد الأطر المناسبة لابتكار تفاعل خلّاق عنوانه حقّ المواطن في حريّته وكرامته.

 

لو عاد الزمن الى الوراء لكتب الراحل الكبير: “الشعب يريد…”، عنواناً لوثيقة الاستقلال الثاني التي كتبها في العام 2000 مطالباً بخروج الجيش السوري من لبنان، مطلقاً الربيع اللبناني، بالكثير من الايمان والأكثر من الصبر، فكان للشعب اللبناني ما أراد من استقلال وحرية وكرامة.

 

ذهب إلى الجبل على درب المصالحة والمسامحة مؤمناً، صادقاً بأنّه يستطيع – وقد استطاع – تأسيس صفحة بيضاء في تاريخ جبل لبنان

 

هناك الكثير الكثير من المواقف التأسيسية، لكنّنا هنا لا نكتب التاريخ بل نتحدّث عن المستقبل. فالاستقلال والسيادة والحرية والكرامة التي أعلنها الراحل الكبير حقّاً للبنانيين ليست من الماضي بل هي حاضر ومستقبل.

 

لذلك كنتَ وستبقى يا صاحب الغبطة إسماً مرادفاً لكل المعاني النبيلة للّبنانية الصعبة الصادقة المخلصة. والعروبة الأصعب المنفتحة الديمقراطية. وتجربتك ستبقى كما هي دائماً بوصلة لا تخطئ الاتجاه، شاهدةً على الحقً والحقيقة.

 

نودّعك اليوم في لحظة مشرقيّة نحتاج فيها أكثر ما نحتاج لاتّزان العقل الشجاع. وأنتَ في إيمانكَ بما فعلتَه كنتَ أعقلَ الرجال وأشجَعَهم في أنطاكيا وسائر المشرق.

 

سيبقى إرثك الاستقلالي خشبة الخلاص للبنان، مهما طال عمر “الاحتلال السياسي” الذي نعيشه. وهو لن يطول…

 

¶ نائب بيروت ووزير الداخلية السابق.

 

 

عند رحيل العظماء

ماجد أدي أبي اللمع

عند رحيل العظماء، يصيب التّاريخ وَجَلٌ ويعتري حراكه ألمٌ…

 

عايشتُ غبطة البطريرك صفير طيلة سنوات. عرفته رجلاً يُتقن مهارة الاصغاء بامتياز.

 

قليلُ الكلام كثيرُ العمل والحركة.

 

لقد كان وفيًّا لخيار نضال القوات اللبنانيّة حين تمّ حل حزبها وزُجّ رئيسها في المعتقل.

 

كيف لا وهو الذي حمل همّها وهم القواتيين طيلة احد عشر عامًا.

 

حين كنتُ أجالسه، كان يسألني عن كلّ شاردة وواردة تتعلّق بالدكتور سمير جعجع وبالقواتيين. كان يحب أن يقف على حقائق الأمور والمعاناة التي كانت تعيشها القوات في تلك الحقبة.

 

لقد أصرّ على ضمّ القوات اللبنانيّة الى لقاء قرنة شهوان، في حين كانت سلطة الوصاية السوريّة تُمعن في ضربها ومحاولة تشتيتها.

 

كان يدرس خطواته ومواقفه بشكل مُتقن، الى حين إعلانها كي لا يستطيع أحد من مواجهتها.

 

كان الحاضن والدّاعم الأوّل للسياديين في لبنان زمن عهد الظّلم والظّلام.

 

كانت مواقفه وعظاته الإيمانيّة تبعث النور في ظلام تلك الحقبة السوداء، وكان كلامه يمدّنا بقوّة إيمان روحيّة وتصميم لم تمدّنا به القرارات الدولية بنصوصها.

 

لقد علّمنا كيف أنّه بالإيمان وبالكلمة وبالصّبر على الصّعاب، نصنع الأوطان، وكيف أنّ نقطة الماء المستمرّة تحفر عمق الصّخرة.

 

فهو الذي أطلق شرارة انتفاضة الاستقلال في بيان مجلس المطارنة الموارنة في أيلول عام ٢٠٠٠، وأعطانا أمثولة في الثّبات على مواقفنا مهما كانت الظروف قاسية، وكيف أنّ أهدافنا ببناء وطن نبلغها بمراكمة الأحداث وبالعمل الدؤوب، لا بالمواقف العشوائيّة والغرائزيّة والديماغوجيّة.

 

لقد عمل البطريرك صفير جاهدًا على إرساء مصالحة الجبل التاريخيّة، وأعاد الجبل الى تاريخه الاستقلالي…

 

وكان يعمل بهدوء وبشكل متواصل على إيجاد الظروف الملائمة بغية المطالبة بخروج الدكتور سمير جعجع من معتقله، وهو الذي أفرد له الكثير من عظاته ومن وقته بهدف الوصول الى تحريره.

 

لقد كان على رأس مسيرة النضال السلمي لاستعادة لبنان حرّيته واستقلاله في العام ٢٠٠٥ وكان وفيًّا لتضحيات شهداء ثورة الأرز بوقوفه الى جانب العدالة الدوليّة والى جانب حصريّة السّلاح بيد الشرعيّة.

 

لقد رحل البطريرك صفير. وبرحيله أكّد كما بعد استقالته، أنّ الكرسي لا يضيف الى الكبير، إنّما يستعطي كبره، وليثبت أنّ البطاركة الحقيقيين هم الذين يستمرّون بطاركة، ليس بعد ولايتهم فقط، إنّما بعد الموت أيضًا.

 

¶ نائب المتن الشمالي.

 

كبير لبنان الكبير

داود الصايغ

كان من جذور الأرض والتراب. إحتضن المئوية الأولى للبنان الكبير وغادر الأرض إلى التراب.

 

كان يكفي التطلع إلى وجهه ليدرك محدثه وسامعه أنه قادمٌ من بعيد. من المكان الذي لا يصله إلا أولئك الذين أدركوا سرّ لبنان. وكان ذلك هو سرّه الأكبر. ومكانه الأرفع. لأنه منذ البدء، وقف على الشرفة العالية وطاف بنظراته على السهول البعيدة قبل الأودية المقدسة، والمخابىء التي لجأ إليها البطاركة الموارنة من كفرحي إلى إيليج إلى قنوبين، حيث كان النهار يشرق على مزارع الفلاحين، والمساء ينزل على الكتب والشموع.

 

من معدن الصلابة قدّت شخصية ذلك الرجل الكسرواني الذي لم يرَ في بكركي، حيث امضى حياته كلها، مكاناً للإقامة، بل مطرحاً للزمان. فتعامل مع الناس والأحداث، من حيث الموضع الذي جعل نفسه فيه. والمرء حيث يجعل نفسه. ولذا لم ينل أحدٌ منه، على نحو الكبار الذين لا يجدون ملجأً لهم في الشدائد سوى ذواتهم، في الوحدة والكرامة، عندما ينساق الآخرون إلى الضياع والتردد.

 

فلم يكن التردد من مفردات ذلك الرجل، الضليع بلغة الروح قبل اللغات الأخرى، والعربية من بينها التي كان أستاذاً لها. ولم يكن بمستطاع أحد أن يغير القناعات عندما تترسخ في ضميره. وأيقن، من موقع ذلك الكرسي الذي جلس عليه سحابة ربع قرن، حتى عام 2011، تاريخ تنحيه الإرادي، أن ما بين يديه هو أمانةٌ، مردداً أمام بعض المقربين منه : لقد آن الأوان لكي أُسلم الأمانة. وأن التفريط بها هو تفريطٌ ليس بالثوابت بل بالمقدسات. فالوطن في ضميره، مثل ذلك القربان الذي كان يقدمه كل يوم على مذبح الكنيسة، مصلياً ألا يكون لبنان ضحية الطامعين والعابثين والمقصرين، والذين أخلّو بالأمانة مِمَن آلت إليهم على صعد السياسة والمسؤولية. لأن مسؤولية كل ما عانى منه لبنان وما شهده من محن، لم تكن من فعل الآخرين وحدهم. وهو شهد على ما لحقه ذات يوم من إهانةٍ شخصية تعرض لها في بكركي على أيدي مجهولين معلومين، فإلتجأ إلى بيته الثاني في الديمان.

 

وكانت مجموعة بيوته، لذلك الذي آل إليه مجد لبنان، تلك الشقة المتواضعة حيث تتكدس الكتب. لأن بكركي في نظره هي ديرٌ قبل أن تكون مرجعاً وطنياً وسياسياً، يقصده القريبون والبعيدون، وكل ضيفٍ كبير يزور لبنان.

 

وبالإبتسامة والترحاب يستقبل الجميع بتجربة العارفين، ونعمة الذين نهلوا من النبع العالي، وفطنة تراث الذين غرسوا في الأرض، وعرفوا التعب والعرق وهموم الحياة. وعبثاً حاول الوسطاء والموفدون حمله على زيارة سوريا التي لم يزرها سوى مرةٍ واحدة في أواسط ستينات القرن الماضي، يوم كانت الأحوال مختلفة. وإلى درجة انه إعتذر عن المشاركة في إستقبال البابا يوحنا بولس الثاني يوم زيارته إليها عام 2001. فالموقف هو موقف، والجار جار، ولكن كل واحد في بيته، ولا يتدخل في شؤون بيت جاره، والدولة دولة حسب ما عرف وآمن. وما من أحدٍ ينازعها على سيادتها الداخلية، وما من أحد غيرها يؤذن له بحمل السلاح وخوض الحروب.

 

كل ذلك سمعه اللبنانيون مراراً وتكراراً. والعديدون أسدوا إليه “نصائح” التهدئة، ولوحوا أمامه بتحالفاتٍ علها تكون من مصلحة المسيحيين. فما دخلت تلك الحجج في تفكيره مرةً، وهو الذي يعرف منذ البدء أين تكمن مصلحة المسيحيين، من ضمن قاعدة الشراكة التي كانت بكركي في أساسها، لأن البطريرك صفير كان عارفاً للبدايات. وحسبه أنه ولد سنة لبنان الكبير عام 1920 وأنه وريث البطريرك إلياس الحويك. ولذا فما من أحدٍ كان قادراً على إعطائه دروساً في مصلحة المسيحيين واللبنانيين.

 

فهو عرف كيف تدار الشراكة. وإجتماعاته الكثيفة المغلقة مع الرئيس رفيق الحريري دليلٌ على ذلك. لأن الإلتقاء كان من فعل القدر، إلتقاء متمردَين على الإنتقاص من السيادة والإستقلال والقرار الحر، يعمل كل منهما على القضية ذاتها ولو من موقعين وأسلوبين مختلفين. وهو عرف أين هو موضع الموحدين الدروز في الصيغة والكيان فقام بزيارة الجبل وإتمام المصالحة في المختارة بالذات، والتي لم تكن لتروق لمن كان بيدهم شؤون الوصاية والتحكم بالقرار.

 

وما همه. فهو كان حراً. إذ لم يكن في مسيرته الطويلة ما يمكن أن يلقى عليها أي ظل. وحسب الذين أحبوه فخراً أن يكون القدوة المتقدة دائماً في الضمائر، في زمن تراجع القدوات في الوطن الذي أراده البطريرك صفير وأراده المخلصون أن يكون قدوةً في العالم.

 

¶ مستشار رئيس الحكومة.

 

 

“الحقير” نصرالله بطرس صفير لم يكن حقيرًا وصيّة السادس والسبعين لا أحد يملي علينا موقفًا

عقل العويط

مات السادس والسبعون في ليل لبنان البهيم. حسنًا. فليهنأ بموته الصغارُ الذين يهلّلون الآن في الداخل وفي الخارج، والذين كان نصرالله بطرس صفير حصرمًا في عيونهم، وشوكةً في الخواصر والحلوق والزلاعيم. لم يكن جسد الرجل أعجوبة، ولا أسطورة، ولا أرزةً، ولا صخرةً في جبل لبنان. كان محض جسدٍ فانٍ، وكان ينبغي لهذا الجسد الفاني أن يفنى، وإنْ على أنفةٍ ومعاندةٍ وصلابةٍ وكَبَر. كان لا بدّ لهذا الجسد من أن يستريح. والآن، في عزّ هذا الليل اللبنانيّ البهيم، بات في إمكان المرء أن يكتب: فليذهب جسد نصرالله بطرس صفير إلى حيث يجب أن يذهب.

 

فليتولّ الموتى، على ما جاء في الإنجيل، أحبارًا أكانوا أم علمانيين أم أهل أرضٍ وسلطة، دفن هذا الجسد. فقط، في وسع الخالدين فحسب وفقط، أن يشمّروا عن زنودهم وأفكارهم، وأن ينصرفوا إلى مواصلة أشغال الخلود التي دعاهم ابن ريفون إلى امتشاقها، أخذًا عن وصيّةٍ، وصيّة الحريّة، هي بنت الآن والأمس والغد وبعد غدٍ وإلى الأبد.

 

لا أمدح الرجل، ولا أرثيه. فقد كان يشوبه، ما يشوب بني البشر. فهو، مثلًا، لم يكن معصومًا من الخطأ البشريّ الدنيويّ. كما لم يكن طليعيًّا في مسائل التجديد والإصلاح الدينيّ، ولا في العمل المؤسّسيّ، على مستوى كرسيّه. أعرف هذا معرفةً شبه يقينيّة، أنا المتملّص من كلّ ربقةٍ أو قيدٍ أو ارتباطٍ، لا باعتباري ذا شأنٍ، بل بصفتي المواطنيّة المدنيّة العلمانيّة، القريب جدًّا والمقرّب جدًّا من ثلاثةٍ أكنّ لهم حبًّا حرًّا، الملفانَين العلاّمتَين يواكيم مبارك وميشال الحايك، وعمّي، شقيق أبي، الذي كان موضع سرّه والصابر معه على المحن ومتطلّبات الكرامة.

 

فضيلته القصوى التي تستهويني، أنّه كان يحمل على منكبَيه، بلا وجلٍ، وبدون ادّعاءٍ أو بهورة، مسؤوليّة أن يشهد، وأن يحفظ إرثًا من الحريّة عمرُهُ ينوف على ألفٍ وخمسمئة عام. فقد كان نصرالله بطرس صفير هذا، صنديدًا، جبّيرًا، عنيدًا، مقدامًا، صلبًا، شجاعًا، بطريركًا حرًّا في الزمن المهول الصعب. ففي بلادٍ كهذه، بات كثرٌ من أسيادها وأهلها موظفّين، أجراء، عبيدًا، أزلامًا، خانعين، مرتزقة، مرتبطين، وبات قلائل منهم يعشقون الحريّة، كان ينبغي لكلّ حرٍّ أن يرتضي حريّة نصراللله بطرس صفير تلك إنجيلًا – حريّته فحسب -، وأن يدعو إلى ارتضائها إنجيلًا بهذه الصفة، وبهذا المعنى، ولهذه الغاية؛ إنجيلًا يُنادى به في المكمل، في صنّين، في الباروك، في حرمون، على رؤوس الجبال، في الوعر، في المغاور، في قنّوبين، في الأودية السحيقة، في السهول والمنبسطات، وعلى فقش الموج، والهدير الصاخب. أن تُرتضى حريّة نصرالله صفير إنجيلًا، بعدما شهدنا تمريغ الأناجيل، وسوى الأناجيل، في المستنقعات.

 

أن يكون المرء نصرالله بطرس صفير، بطريركًا حرًّا، وأن يقول لا للذهاب إلى دمشق، وإنْ لملاقاة سيّده الجالس على أسقفيّة روما، ثمّ يقول لا للإملاء والانحناء، وإن تحت التهديد بالقتل، والتركيع، والتمريغ، والاستهانة، والإهانة، فهذا ممًا لا يُنسى له، بل يُضاف في السجلّ، ويُكتَب، ويتراكم على مدى الأزمنة، ليتدرّب الأحرار، والأحبار، وليُزاد في ميزان الحريّة، في هذا الشرق العبد الكئيب.

 

لا أمدح الرجل، ولا أرثيه، إلاّ من حيث اعتباره ضوءًا حرًّا، سيّدًا، مستقلًّا، ذا كرامةٍ وسؤدد، حين في الليلة اللبنانيّة الظلماء المتواصلة فصولًا وعهودًا وحقبات، كان البدر يُفتقد، وهو البدر الذي لا يزال يُفتقَد، في ما بين الأحبار والقادة والرؤساء والمسؤولين وأهل السلطات والأساطين والسادة والشعب العظيم.

 

في سوى ذلك، في سوى الحريّة، لا أمدح نصرالله بطرس صفير، ولا أرثيه.

 

لطالما كنتُ أقصده في السرّ، في الخلوات، في الدغشة، في النعاس، في ما بعيد الفجر بقليل، بعد ارفضاض الأوقات العلنيّة الظاهرة، لأقوم بما ينبغي لي أن أتولّاه، وأن أقوم به، ولأشرب صلابة عينيه، والعزم، والشرر، والصمت المُحجِم عن كلّ شطط، والتحفّظ الذكيّ الماكر، وشبه الابتسامة، أو الابتسامة كلّها، بل الضحكة الملأى، والمشية الواثقة. ولطالما كنتُ أذهب إليه من تلقائي، أو مُرسًلًا، بتواضع التلقاء، وبتواضع المُرسَلين، وامحائهم، فقط من أجل الحريّة، وفقط من أجل لبنان. فقط وحسب من أجل الحريّة والدولة في لبنان.

 

أختم مقالي المتواضع هذا، بالتوقّف عند كلمة “الحقير”، وهي صفةٌ ملازمةٌ لاسم البطريرك المارونيّ، ولشخصه، ولمقامه، كان يمهر بها توقيعه في كلٍّ بيانٍ جلل يصدر “عن كرسيّنا في بكركي”، أو “عن كرسيّنا في الديمان”، أو كما كان أسلافه يمهرون تواقيعهم “عن كرسيّنا في كفرحي”، أو “عن كرسيّنا في يانوح”، أو “عن كرسيّنا في قنّوبين”. وإذا كانت الكلمة تنطوي في معناها القاموسي على الازدراء والتحقير والتصغير، فإنّما دلالتها الروحيّة البطريركيّة، تندرج في سياق الإعراب عن الخدمة والتواضع والامحاء أمام الله والناس، كلّ الناس.

 

“خادم خدّام المسيح” صفة ملازمة للبابا أسقف روما، كما “الحقير” صفةٌ كانت ملازمة للبطاركة الموارنة، وأيضًا لمار نصرالله بطرس صفير، البطريرك السادس والسبعين على كرسيّ أنطاكيا وسائر المشرق للموارنة.

 

لكنّ “الحقير” مار نصرالله بطرس صفير هذا، لم يكن حقيرًا. هكذا، حسبي أن أقول إنّ في وسع المنشغلين بالحريّة، وبمقارعة الحقارة، أن يظلّوا يمتشقون حريّة نصرالله بطرس صفير من أجل الحفاظ على الإرث، ومن أجل المستقبل والحرية. هذه وصيّته.

 

 

البطريرك الاستثنائي

المطران الياس عوده

برحيل المثلَّث الرحمة البطريرك نصرالله بطرس صفير يفقد لبنان راعياً صالحاً وقائداً حكيماً وشخصيةً تاريخيةً تركت أثرها العميق في تاريخ لبنان المعاصر. كان لبنانياً صلباً في وطنيته، كبيراً في مواقفه، وحازماً في هدوئه. “طلعتُه مِثْــلُ لبنان، وهو مَهيبٌ كأرزِهِ” (نشيد الإنشاد 5: 15). لم يخف إلاَّ الله، وقد استلهمه في كلّ أقواله وأفعاله.

 

كان بطريركاً فريداً من نوعه. لم يكن يخصُّ الموارنة وحدهم بل كان يخصُّ المسيحَ أولاً ثمَّ لبنان. تمسّك بمبادئه في أصعب الأوقات وأحلك الظروف، ودافع عن لبنان وحرّيته ووحدته واستقلاله رغم كل المخاطر، وكأنّي به يصرخُ مع كاتب المزامير: “الربُّ معي فلا أخافُ ما يصنعُ بي الإنسان” (مزمور 105: 6).

 

البطريرك صفير قامةٌ وطنيَّةٌ في عصرٍ قلَّ فيه القادة الكبار. كان الصخرةَ الصلبةَ التي يلجأ إليها الجميع عند المحن. سيبقى ذكرُه خالداً في تاريخ لبنان وفي قلوب كل مَن عاصره وعرفه. لقد حمل لبنان في قلبه وفي عقله وضميره، ولعلَّه الآن يصلّي من أجله.

 

رحمه الربُّ الإله وأسكنه بين الأبرار والقديسين وجعل ذكره مؤبداً.

 

“البطريرك الخالد” صانع مصالحة الجبل وراعيها

مجد بو مجاهد

يكفي الرجوع إلى شهادة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير في زيارته التاريخية لدارة المختارة في آب 2001، لإدراك عمق العلاقة التي ربطت بكركي بالجذور الجنبلاطية عبر التاريخ. فالعلاقة التي قامت بين البطريركية المارونية وآل جنبلاط، والعديد من وجهاء الموارنة وعامّتهم، هي علاقة قديمة، وصلت إلى الذروة في زمن السيدة نظيرة جنبلاط، التي اصبح اسمها رديفا للحكمة والوعي والحنكة السياسية. وقد عرفت كيف تحافظ على علاقة احترام متبادل مع المطارنة الذين تعاقبوا على الكرسي، ومن بينهم المطران اغوسطين البستاني ابن دير القمر، وخلفه المطران انطونيوس خريش، على السدة البطريركية. وقد عُرف كمال جنبلاط بزياراته الدائمة للكرسي البطريركي وما كان له من علاقة وطيدة مع البطريرك بولس بطرس المعوشي، ابن جزين، جارة المختارة.

 

وكُتب لهذا الخطاب الاستحضاريّ الذي ألقاه صفير نفسه أمام حشودٍ شوفية غفيرة بادلته الترحيب وقدّرت بعشرين ألفاً، أن يكون مدعاة استحضارٍ وتأريخ، وأن يكتب الصفحة الأولى الأكثر عمقاً من محطات بكركي – المختارة، تحت عنوان المصالحة. كان ذلك في الرابعة والنصف عصر يوم طوى صفحة النزاعات والحروب. “صاحب الغبطة، هل تسمح لي بأن اقول ان حرب الستين ورواسب حرب الستين انتهت الى غير رجعة؟ وهل تأذن لي ان اعلن ان حرب الجبل قد ولت الى غير رجعة ايضا؟ معكم نحمي الجبل، نحمي لبنان ونحمي العيش المشترك في كل مكان”. سطور حاكها جنبلاط وحكاها، مصافحاً “الضيف الكبير”، كما وصفه، فإذا بسواعد المصافحة تغدو حطب “ثورة أرز” بعد سنوات. “اذا كان هناك مَن لم تبلغهم نعمة المصالحة، فاننا نأمل أن يتمكنوا بمساعيكم المشكورة من ان ينعموا بها، لتعمّ الفرحة جميع القلوب وتغمر جميع النفوس. وليس مَن يجهل ان الوطن لا يمكنه ان يستعيد عافيته الا بتضافر جهود أبنائه، الذين عليهم ان يتصارحوا ويجاهروا بالحقيقة التي وحدها تنقذ”، كما ورد في ردّ صفير على جنبلاط.

 

العلاقة بين بكركي والمختارة في حقبة الألفية الثالثة، يصفها النائب السابق فارس سعيد بأنها “تطورت من علاقة اجتماعية قائمة على قاعدة الاحترام المتبادل، الى علاقة سياسية بعد نداء مجلس المطارنة الموارنة في 20 أيلول 2000، بعد الهجوم المبرمج من الجانب السياسي المسيحي وقتذاك على البطريرك، تحت عنوان أن كل من يطالب بخروج الجيش السوري من لبنان هو عميل اسرائيلي. وزادت الاتهامات التي كان هدفها محاصرة البطريرك ومنعه من الانفتاح، لكن الرئيس عمر كرامي كان من كسر الحصار بعد زيارته لبكركي.

 

وتجلى التقارب بين جنبلاط وبكركي في خطابه الشهير في مجلس النواب، أثناء مناقشة البيان الوزاري لحكومة الرئيس رفيق الحريري آنذاك، فوقف وضم صوته الى صوت البطريرك داعياً الى إعادة انتشار الجيش السوري، ما اسفر عن هجوم طاول جنبلاط من داخل المجلس. وفي 30 نيسان 2001، تُلي البيان التأسيسي لـ”لقاء قرنة شهوان”، وأعقبته محطة إنشاء “المؤتمر الديموقراطي” في 12 أيار 2001، والذي كان جنبلاط من أبرز الداعمين لانشائه”. وهنا يلفت سعيد الى أن هذه المعطيات مهّدت لزيارة البطريرك صفير للمختارة، “فكانت المصالحة التي شكلت أول خرق في اللقاءات العابرة للطوائف. فكسر لقاء المختارة الحاجز الذي فرضه زمن الوصاية بين الطوائف، وكان الرد عبر أحداث 7 آب. واستمرت العلاقة بين المكونين، وتوطدت بعد التمديد للرئيس اميل لحود واغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري”. ويخلص سعيد الى أن “لا أحد مثل الموارنة والدروز يدرك في لبنان معنى المصالحة وكلفة الخلاف”.

 

البطريرك صفير، من منظار الشاهد على الحقبات الجنبلاطية عزّت صافي، “هو بمثابة الطبيب المهدّئ الذي يحرص على التقاليد والعادات الجبلية. وكان يتلاقى مع زمن الرئيس كمال جنبلاط بالروحية نفسها.

 

وقد ترجم الهدف الأساسي من المصالحة في تأمين استمرارية الجبل ومستقبله، وهدفه لا يمكن أن يتحقق إلا بالتوافق الدرزي – الماروني. مساعي البطريرك صفير التي توّجها بزيارة المختارة، كانت بمثابة تأكيد لثوابت العيش الوطني الذي كلّله جبل لبنان بطوائفه، مع إقليم الخروب الذي يشكل الجناح الغربي لجبل لبنان، والجزء الأساسي من الوحدة الوطنية. فشمولية هذا الوضع الاجتماعي والانساني والجغرافي والأهلي أساس لحلّ أي مشكلة. لذا لم تكن المصالحة عبارة عن مجاملة أو لياقة جبلية، بل انها ربطت بين تاريخ جبل لبنان الدرزي والمسيحي. ولا يغيب عن المشهد أيضاً الدور الذي اضطلعت به مجموعة من رجال الدين المسيحيين المثقفين وشيخ العقل محمد أبو شقرا، في ادارة الأوضاع”.

 

تجمع الشهادات على تاريخية ذلك اليوم، وكأن الزمن توقّف ساعة انطلق الموكب البطريركي الى المختارة في الثالثة والنصف ليصل بعد ساعة، فيكتب محطة لا بد أن يُجمع على بياض صفحتها كتّاب التاريخ الحديث. أما ما مضى، فللذكرى والعبرة. “التاريخ يتطور، وبكركي ترى ان مصلحة الوفاق الوطني والعيش المشترك هي في هذا النوع من الزيارات. والعلاقة تاريخية بين المختارة وكرسي بيت الدين وبكركي، وهذا بيت البطريرك واهلا وسهلا به”، على قول زعيم المختارة. “إذا كانت قد تلبدت غيوم دكناء في بعض الأحيان، في سماء هذه العلاقات الودية، فيمكننا قول ما تعوَّد بعضنا ان يقول في مثل هذه الحالة: “سامح الله مَن كان السبب”، على قول “البطريرك الخالد”.

 

 

بطريرك الاستقلال الثاني

ميشال معوض

منذ تولّي الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير سُدّة البطريركية المارونية في العام 1986، نشأت بينه وبين الرئيس الشهيد رينه معوض علاقة وطيدة من الثقة والمحبة، قائمة على الهموم الوطنية المشتركة والنظرة الواحدة إلى الحلول المطلوبة لإنقاذ لبنان من الحرب، واستعادة السيادة والقرار الحر، وإعادة بناء الدولة ومؤسساتها واللحمة والعيش معاً بين اللبنانيين ومعالجة همومهم. وهذا الأمر تجسّد في السعي المشترك لدى الرجلين لإقرار اتفاق الطائف وفق مفهمومها المشترك لمصالحة وطنية لا تستثني أحداً، ولتكريس عناوين السيادة والانسحاب السوري، حل كل الميليشيات من دون استثناء وبسط سلطة الدولة بقواها الذاتية على كامل مساحة الوطن، وتكريس الشراكة الحقيقية والمتوازنة في بناء الدولة والسلطة بعيداً عن أي تدخل خارجي.

 

اغتالوا رينه معوض فسقط “الطائف”، لكن البطريرك صفير لم يستسلم، فكان أن أطلق نداء مجلس المطارنة الموارنة التاريخي في أيلول الـ2000. ولم يكن أمامنا غير الالتفاف حول البطريرك صفير والكنيسة المارونية، فشاركت مع الوزيرة نايلة معوض ونخبة من الشخصيات السيادية في تأسيس “لقاء قرنة شهوان” برعاية مباشرة من بكركي وغبطة البطريرك، وكنت يومها مع الوزير الشهيد بيار الجميل أصغر أعضائها، فأصرّ سيدنا البطريرك على أن يكون حاضناً لي كأب بعدما خسرت والدي الشهيد.

 

وخضنا بقيادة غبطة البطريرك معركة استعادة السيادة والشراكة، بدءًا من مصالحة الجبل مروراً بالبريستول وصولاً إلى 14 آذار، وإلى تحقيق حلم اللبنانيين في 26 نيسان الـ2005.

 

كان همّ البطريرك صفير يرتكز على 3 محاور مترابطة وغير قابلة لأي مساومة: الحرية التي تعلو ولا يُعلى عليها، وهو ابن كنيسة فقيرة مقاومة ناضلت وعاشت في المغاور والوديان دفاعا عن هذه الحرية، العيش المشترك بين اللبنانيين على أسس التعددية والتوازن، لأن لا لبنان من دونه، وليست مصادفة أن يكون البطريرك صفير وُلد مع ولادة لبنان الكبير في العام ١٩٢٠، وثالثاً الدولة القوية كأساس لا غنى عنه، الدولة التي تحمي الحريات وتحصّن العيش المشترك، الدولة السيدة والحرة والمستقلة التي لا تقبل أي شريك لها، والتي بالنسبة إليه هي رديف للكيان والهوية اللبنانية.

 

في كل لقاء كنا نعقده معه كان يحاول بثّ كل المعنويات، ولطالما كان يدعو إلى عدم اليأس أياً تكن الظروف “لأن دوام الحال من المحال” كما كان يقول دائماً. ظنّ البعض أن نداء أيلول الـ2000 كان بمثابة انتحار سياسي، نظرا الى الظروف الداخلية والخارجية آنذاك، لكننا آمنّا كما آمنت أكثرية اللبنانيين بأننا قادرون بقيادة البطريرك صفير على تحقيق المعجزة، وهكذا كان. ختيار بكركي ببساطته المعهودة كان العين الساهرة التي قاومت المخرز. قال ما قاله وأمّن عبر مقاومته والمصالحات الوطنية مواجهة سياسية للاحتلال التي قامت على قاعدة “فرّق تسد”، فأرسى الثقة بين الشركاء في الوطن، وأمّن الأرضية الخصبة التي حولت اغتيال الرئيس الحريري الى لحظة توافق وانتفاضة وسيادة وثورة أرز في سبيل لبنان بعيداً عن أي حسابات فئوية.

 

رحم الله بطريرك الاستقلال الثاني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، وحمى الله لبنان كما أراده عظيمنا الراحل.

 

¶ نائب ورئيس “حركة الاستقلال”.

 

بطريرك المصالحة الكبير

علي حمادة

كثيرون سيكتبون ولمدة طويلة عن مزايا البطريرك الكبير مار نصرالله بطرس صفير، وهي عديدة في الدين، والاخلاق، والمناقبية، والوطنية، والصلابة، والعلم. وكثيرون سيرثونه كرجل المحبة والسلام، ورجل الوطنية والاستقلال، واكثر من ذلك كثيرون سينشدون في البطريرك الراحل عن عمر يناهز القرن رجلا طبع البلاد والعباد، ومهر مرحلة من تاريخ لبنان العصيب بطابعه وبكلامه ومواقفه. ومهما قيل في الراحل من مديح لشخصه ولاعماله لن تفيه حقه كبطريرك تاريخي، يقف اليوم في صفوف البطاركة العظام للموارنة. لكن ما يميز البطريرك مار نصرالله بطرس صفير عن اسلافه ان من يبكونه اليوم من المسلمين والدروز لا يقلون عددا عن المسيحيين، ولا حزنا عن اتباع كنيسته. من هنا ميزة الراحل الذي تكمن حقيقة في انه يعبر فوق الانقسامات الطائفية، ويطوي صفحات سوداء من الحرب اللبنانية بعقل القائد الروحي الرؤيوي.

 

لقد اصطلح على تسمية البطريرك صفير ببطريرك المصالحة نسبة الى المصالحة التاريخية في الجبل التي ارسى دعائمها مع الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، وكانت من دون ادنى شك احدى الشرارات الاساسية لمعركة الاستقلال الثاني التي جمعت في ابهى لحظاتها المشرقة الثلاثي صفير – الحريري – جنبلاط، وانتهت باخراج الوصاية الاحتلالية من لبنان، وان على دماء رفيق الحريري.

 

لقد استطاع البطريرك صفير منذ نداء بكركي سنة 2000، وملاقاة وليد جنبلاط النداء بموقفه في مجلس النواب بدعوته الى اعادة تموضع الجيش السوري، وما تبع ذلك من احتضان لمنابر استقلالية مثل “لقاء قرنة شهوان”، و”المنبر الديموقراطي ” اللذين شكلا مع غيرهما من المنابر اوسع مروحة وطنية شاركت بفاعلية في صوغ مشروع الاستقلال.

 

واذا كان من محطة تاريخية ساهمت بشكل كبير وعملي في منع انزلاق البلاد نحو عصر احتلال سوري كامل، فهي المصالحة الكبرى في الجبل التي رعاها صفير مع شريكه في الجانب الدرزي وليد جنبلاط، وشكلت عصبا مركزيا للمرحلة التي تلتها، مع انضمام شريكهما الثالث رفيق الحريري، الذي كان يشكل احد المحركات غير المنظورة لقاطرة الاستقلال.

 

كبير يطوي صفحة من تاريخ لبنان

شكيب قرطباوي

يوم تعرّفت إلى الأب نصرالله صفير، كنت تلميذاً في مدرسة الأخوة المريميّين في جونيه، وكان يعلّمنا دروس الترجمة بين اللّغتين العربيّة والفرنسيّة، كما كان يُلعّم صفوفا أخرى دروس الأدب العربي. ولم يخطر ببالي أنّني تعرّفت إلى إنسان سيكون له دور أساسي في تاريخ الكنيسة المارونيّة وفي تاريخ لبنان.

 

لقد كان “الأبونا” صفير قمّة في التواضع والتقشّف. وكنت عندما ألتقيه مطراناً ثم بطريركاً وكاردينالاً أُلاحظ علامات التواضع والتقشّف نفسها، إذ لم تتغيّر طريقة تعامله معي ومع سواي رغم كل المراكز الحسّاسة التي تولّاها، وهو من بين قلائل يقرنون القول بالفعل.

 

قاد البطريرك صفير حملة تحديث كبيرة على مستوى الطائفة المارونيّة وطقوسها وأبرشيّاتها، إلّا أنّ العلاقة التي بناها مع الشعب اللبناني، والمسيحيّين منهم بصورة خاصة، تجلّت بالصورة البهيّة التي اكتسبها من خلال دفاعه عن استقلال لبنان وحريّته وسيادته وكرامة شعبه، حتّى انّه استحقّ ويستحقّ عن جدارة لقب بطريرك الاستقلال الثاني.

 

فالمغفور له البطريرك صفير تبنّى موقفاً مُتشدّداً إلى أقصى الحدود في الدفاع عن استقلال لبنان بوجه سلطة الوصاية السوريّة، يوم كان الكثيرون قد جعلوا من عنجر مقرّاً لهم يتباهون به. وهو لم يترك مناسبة إلّا دافع بشدّة عن العيش معاً، مسيحيّين ومُسلمين، معتبراً أنها الطريق الوحيد لاستعادة سيادة الوطن، على أن تكون العلاقة مع سوريا على أفضل حال يوم يُغادر الجيش السوري لبنان. وإلى جانب رعايته “لقاء قرنة شهوان” من خلال المطران يوسف بشاره في أصعب الأوقات، عمل غبطته دوماً على خط جمع الشمل كي يستعيد لبنان سيادته وقوّته. وإنّني أكتفي بالتذكير بما جرى بينه وبيني عام 1996، وقد كنت نقيباً للمحامين حين حاولت السلطة السورية من خلال الأجهزة اللبنانيّة الإيقاع بالسيّد دوري شمعون، رئيس حزب الوطنيّين الأحرار. فقصدت بكركي وقلت لسيّدنا ان العميد ريمون إدّه اختار النفي الطوعي، وان العماد ميشال عون نُفي قسراً، وأُبعد الرئيس أمين الجميل وسُجن الدكتور سمير جعجع، ولم يبقَ على الساحة إلّا السيد دوري شمعون، وانه لا بُدّ من اتخاذ تدبير ما يمنع توقيفه. واقترحت عليه أن يُعلن أن بكركي لن تستقبل المهنّئين بعيد الميلاد الذي كان يحل بعد أيّام. وهكذا كان، وأقفلت بكركي أبوابها أمام الرسميّين وأفراد الشعب، وقد تسبّب ذلك بصدمة للسلطة أصرّ عليها البطريرك، فتراجعت الأجهزة عمّا كانت تُحضّر له.

 

نفتقد بغياب البطريرك صفير رجلاً رجلاً، متواضعاً مشى على درب المسيح وتحلّى بالشجاعة والاباء، وكان جزءاً من حياتنا اليومية لسنوات طوال، وها هو اليوم يُغادرنا إلى دنيا الحقّ وعينه علينا، وقلبه معنا، وقد دخل تاريخ بلادنا من الباب العريض. رجل قديس متقشّف، قال كلمة الحقّ دون أن يحسب حساباً لأحد من أباطرة الدنيا، مُتعبّداً لله عزّ وجلّ، وقد كرّس حياته لكهنوته.

 

وداعاً، سيّدنا البطريرك، ورجاء أن تبقى صلاتك معنا من عليائك، وسنبقى دوماً في حاجة إليها.

 

¶ وزير سابق.

 

 

ورقات من إنجيل ومن تاريخ

هدى شديد

لن يقرأ أحد اليوم إلا في كتاب مار نصرالله بطرس صفير. بطريرك الموارنة وسائر المشرق لربع قرن طوى مع آخر صفحات عامه التاسع والتسعين كتاب حياة ستبقى الأجيال المقبلة تقرأ فيه مجد لبنان في أعقد وأصعب حقبة عرفها اللبنانيون عموماً والمسيحيون خصوصاً.

 

فعلاً مجد لبنان أُعطي لمن ولد مع ولادة لبنان الكبير عام 1920 ولمن عايش ازدهاره وحروبه والاحتلال والوصاية، وصولاً الى انتفاضة الاستقلال الذي يسجل له انه هو من اطلق شرارتها في بيان مجلس المطارنة الموارنة في العام 2000.

 

رحل البطريرك صفير في آخر ثلاثة ايّام من عامه التاسع والتسعين، والرمزية في حياته تبدو منطلقة من عالم الارقام التي اذا ما تعمّقنا فيها نجد انها احاطت حياته بحلف وثيق ولكل منها روايتها: نصف قرن من الخدمة الأسقفية وربعها بطريركاً، وحياة لا تنتهي من الحكمة والعبر.

 

من بداية مشواره الكهنوتي امين سر في مطرانية الموارنة في دمشق وصولاً الى انكفائه ناسكاً بطريركياً في بكركي، سار الحياة خطوة خطوة ونسج خطابه كلمة كلمة، بقي لكل منها وقعها على قلّتها، على كل حقبة عايشها وانطبع فيها.

 

أتعب الكبار ممن خاصموه، ولم يلحق يوماً بمن حالفوه. كان يقول كلمته ويمشي، وكان الآخرون يستدركون ولو متأخرين ويلحقون به. استطاع ان يكرّس دوره ودور بكركي بوصلة في رسم اتجاهات الأحداث، والمفارقة ان كل التداعيات التي يعيشها لبنان في المرحلة الاخيرة فرض عليه الزمن ان يكون شاهداً صامتاً عليها.

 

فخر لنا اننا عايشناه في احلك الظروف وكان لنا منارة سلام وامان وامل. كم عجزنا عن ان نحصل منه على موقف او تصريح لحدث سياسي آني، وكانت إجاباته تأتي دائماً مستهلّة بعبارته الشهيرة “قولكم هيك؟”، في محاولة لكسب بعض الثواني وإعداد جواب مبكّل ومدروس. وكلنا يتذكر عبارته الاخرى “لقد قلنا ما قلناه”، مقتبساً من تعاليم إنجيل سيده المسيح “ليكن كلامكم نعم نعم ولا لا”.

 

ولم أنسَ يوماً عندما قلت له مرة، لماذا تشعرنا دائماً بأن علينا انتزاع الكلمة منك انتزاعاً، ولماذا تبخل علينا بأكثر من جملة جواباً عن سؤال مهما طال؟ ضحك ثم قال: “من يتكلم كثيراً يخطئ كثيراً والأيام تعلِّمنا حكمة الصمت”.

 

البطريرك الذي ولد حاملاً اسم نصرالله وعاش حياته مقلاً في الكلام وبالغاً في الأفعال، رحل بصمت يشبهه تاركاً وراءه مآثر حياة لن تنتهي برحيله الجسدي لأنه صنع من لبنان قضية وروحاً. ومع كل ذكر لاسمه سيبقى يتمجّد اسم لبنان.

 

الفراغ من بعده كبير وعميق

غسان حجار

ليس صحيحا ان زمن الكبار ولّى. فلكل زمان رجاله. ولكل مرحلة نوع من القيادة. لكن هذا التبسيط لا يعني الا يعطى الرجل حقه الكبير ككبير من بلادي، بل في العالم، اذ ان الخامة التي تمتع بها البطريرك مار نصرالله بطرس صفير باتت قليلة. بل لنقل عملة نادرة. فقد عاش في هذا العالم وهو ليس منه. عاش ازمنة الحروب والوصايات والاحتلالات، العسكرية والسياسية والمالية، ولم يلوث عباءته. شاهد مباهج الدنيا ولم تبهجه. عاش وحيدا في عالمه، برفقة المصلوب، يناجيه، ينظر الى فقره وتواضعه ويتمثل بهما. عاش آلام الفادي بصمت، تعرض لأبشع انواع الاعتداءات والاهانات ممن يدعون حماية المسيحيين ويزايدون على بعضهم البعض، ولم يأبه، ولم يحقد. وسموه بالحقد، وهو كان غاضبا فقط. الغضب حق، بل واجب، كغضب المسيح في الهيكل. “الويل لكم…”.

 

اليوم يغادرنا هذا الكبير، بعد كبار في مجالات مختلفة. كل ترك بصمة في الحقل الذي ابدع فيه، او ربما في اكثر من شأن. مثل غسان تويني الذي ابدع وانجز في غير حقل ومكان. من الصحافة الى الديبلوماسية، والسياسة، والفنون والاآثار، والكتابة والنشر بلغات العالم… او مثل الرئيس فؤاد شهاب الذي حصن الدولة اللبنانية الفتية بمؤسسات تصون استمرارها وتقدمها، من بعد رجالات الاستقلال ومنهم الرئيس بشارة الخوري، والرئيس رياض الصلح، واسماء كثيرة لمعت في مجالات عدة وتركت لها بصمة لا تزول بزوال الجسد الفاني.

 

الموت حق، ولا يمكن التصدي له، او رفضه. لكن الخسارة التي تصيبنا بالموت تجعلنا يتامى في زمن قل فيه الرجال الرجال. ومن بقي فضل الظل والخفاء، لئلا يتهم بالتلوث الذي اصاب معظم الطبقة السياسية، والاكاديمية، والقضائية، وحتى الدينية.

 

لا اجرؤ على القول ان زمن الكبار ولى، لان التاريخ يصنعه ابناؤه بقرار شجاع، قرار غير مستحيل، قرار ممكن في كل حين. شرط ان يجرؤ اصحابه عليه، ويتعالوا على الحضيض الذي يشدهم يوما بعد آخر، ويسقطون في فخاخه.

 

البطريرك صفير يترك فراغا كبيرا، وهو فراغ معنوي، لانه لم يكن في السلطة منذ اعوام، ولم يكن يشارك في القرار. لكننا رغم كل هذا نشعر بخسارة كبيرة وبيتم وطني ومسيحي، عسى ان يملأه بالقدر الكافي من يتابعون المسير. الفراغ المعنوي كبير ويحتاج ملؤه الى جهد كبير، وارادة وطنية، وايمان عميق، وفكر راجح. يحتاج الى صلابة الصخر، وتشبث الارز، ونقاء الثلج، وهي امور قلما تتوافر مجتمعة في كل حين.

 

 

صفير صخرةُ لبنان لن يموت

الدكتور توفيق هندي

صحيح أن المجد أُعطي له. والبطريرك مار نصرالله بطرس صفير إستحق هذا المجد بامتياز، فالظروف لا تكفي لخلق الرجل التاريخي.

 

انتُخب صفير بطريركاً في 19 نيسان 1986، أي بعد 94 يوماً على انتفاضة 15 كانون الثاني 1986 التي أطاحت الإتفاق الثلاثي. كان الظرف صعبا وسوف تظل الظروف صعبة طوال حبريته التي امتدت زهاء 25 سنة.

 

غير أن ما جعل منه بطريركا تاريخيا هو طينته، معدنه، أي الصفات التي تميز بها. فهو يشعّ بالقوة الهادئة، وهي أفعل أنواع القوة.

 

كان لصفير إدراك عميق لدور البطريركية المارونية في الحفاظ على الكيان اللبناني، لبنان الرسالة، المميز في محيطه العربي ولكن ليس عنه، لبنان المساحة الحضارية وليس فقط المساحة الجغرافية، حيث تتفاعل إيجابيا الثقافات والأديان والطوائف، أو هكذا يجب أن يكون.

 

كان يدرك تماما أن لبنان والحرية صنوان، وأن لبنان من دون الحرية يفقد علّة وجوده. والحرية تعني حرية الإنسان وحقوقه في حرية المعتقد والتفكير والتعبير والكتابة، وتعني الحريات الجماعية، من حرية الصحافة وحق التجمع والعمل والحرية الإقتصادية والحرية السياسية، حرية مسؤولة منتظمة في إطار نظام ديموقراطي.

 

كان متمسكا أيضا بحرية الوطن والشعب، وكان هذا الأمر يتجسد بالتمسك بالدولة وتنفيذ الدستور والقوانين والحفاظ على انتظام الحياة السياسية في مؤسسات الدولة وسيادة الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية على كل الأراضي اللبنانية وحصرية امتلاك السلاح وتحريكه في يد السلطات الشرعية اللبنانية، واستقلال لبنان الناجز ورفض الوصايات الخارجية والإحتلالات أكانت إسرائيلية أم سورية أم إيرانية، وعدم الدخول في لعبة المحاور الإقليمية القاتلة ورفض علاقات أي دولة بأي طرف لبناني، على أن تكون علاقات لبنان بأي بلد من دولة إلى دولة.

 

كان يتمسك بالعيش المشترك، ولكن في الوقت عينه بالحضور المسيحي الفاعل من منطلق الحفاظ على الكيان اللبناني الذي أراده وسعى إليه البطريرك الحويك، وكان يعتبر أن البطريركية المارونية أوكلت إليها حراسة هذا الكيان المميز وأن دور لبنان في العالم العربي هو رفده بهذه التجربة الفريدة في التفاعل بين الأديان والثقافات.

 

أسمح لنفسي بأن أتحدث عن رؤيته هذه لأني كنت لصيقا به طوال حبريته وفاعلا إلى جانبه.

 

وقد قاد الحركة السيادية بحكمة وصلابة ولكن بدون تهوّر. وكان الغطاء المسيحي والوطني لاتفاق الطائف وإلى جانبه شكلت “القوات اللبنانية” الغطاء السياسي المسيحي لهذا الإتفاق. لكن الظروف الدولية والإقليمية وضعت أمر تنفيذه في يد سوريا – الأسد. فلم ينفذ الوصيّ منه إلا ما هو في مصلحة تسلطه على لبنان.

 

وفي أيلول 2000 كان نداء بكركي الشهير لخروج الجيش السوري من لبنان، وقبل هذا التاريخ “لقاء قرنة شهوان” غير المعلن وتحوله في 30 نيسان 2001 إلى صيغته العلنية الموسعة.

 

وعند عودته من أميركا في شباط 2001، توافدت الحشود (أكثر من 250000) إلى بكركي لاستقباله ومبايعته قائدا للحركة السيادية، فكان لهذه الحركة في لبنان قائد وشعب وساعد سياسي، أعني “لقاء قرنة شهوان”.

 

أختم بالقول إننا سوف نكون أوفياء لتعاليمه لنخرج لبنان من تحت الوصاية البديلة والطبقة السياسية الملحقة بها، والتي تعبث بالكيان والدولة والحرية والسيادة والإستقلال.

 

 

بطريرك “لبنان الحرية والإيمان”… نصرالله صفير الصخرة المقاومة من أرض الموارنة

هالة حمصي

صخرة هو، نصرالله، فلذة من كبد لبنان، تاريخ وطن وأمة وكنيسة. بطريرك مستحق مستحق مستحق. كبير، جبلة من تراب وادي القديسين، ارض الموارنة. اي كلام على البطريرك مار نصرالله بطرس صفير لا يتسع له القرن كله الذي عاشه وكتب بمواقفه فصولا من التاريخ. كان الامين على العهد، على لبنان، القوي، الغيور، الصبور، الواسع كالبحر الذي تمدد تحت كتف بكركي.

 

مئة سنة في صدره، تغلي فيه، تركض كنهر هادئ، على مهل، وتحفر وراءها تاريخا ليس هيّنا. البطريرك صفير (مواليد 15 ايار 1920)

 

يغمض عينيه، بعدما تعب صدره وثقلت رئتاه، تلك الرئتان اللتان حمل فيهما لبنان وهمومه وهموم الكنيسة والموارنة عقودا. الراهب المتواضع، الماهر، قاوم حتى النهاية. وكان يصلي. صلّى، كما اعتاد فعله طوال اعوامه المئة سنة الا سنة، معتصما بالله.

 

الذاكرة

الله… قلب نصرالله هتف له باكرا، وقادته الطريق الى الدير. ابن ريفون الذي ترقى بخطى ثابتة في المناصب الكهنوتية، أصبح البطريرك الماروني السادس والسبعين في 19 نيسان 1986، خلفًا للبطريرك انطون بطرس خريش. عارفوه من المطارنة يتكلمون على راهب هادئ، رزين. صاحب شخصية ثابتة ومتحفظة. متواضع، مثقف، معلِّم الاجيال، محب للكلمة والعلم، مفكر، متكلم فصيح، مدون للتاريخ والاحداث، ذاكرة بكركي الغنية.

 

وفوق كل هذا، كان لاهوتيا عميقا، عكست عظاته ايمانا مسيحيا صلبا، متجذرا في الصميم. الصوت محبب ايضا، مهذب. لا يستفز، ولا يتعالى، ولا يتباهى. كأنه آت من ظل دافئ. الوجه مبتسم عند استقبال الناس. كان نصرالله يحسن الاستماع، ويتمهل في اختيار الكلمات.

 

هواجس كثيرة، وشكاوى أكثر. كانت ايام حرب ودمار ورعب عندما جلس على كرسي انطاكية وسائر المشرق للموارنة. “ناسك في ديره”، مصلٍّ. طوال ربع قرن، قاد الكنيسة المارونية بجرأة وحزم، في السراء والضراء. في حقيقة الامر، كشف هذا الراهب الوقور معدنه في احلك الظروف. ومعدنه كان ذهبا نقيا.

 

المقاوم، النبيل

 

كان “وطنيا بامتياز، رجل الكرامة والحق”، على ما يكتب عنه عارفوه، ولم يحد عن اقتناعاته، رغم كل الضغوط والتهديدات. الشهادات فيه ترسم رجلا صاحب رؤيا و”نظرة ثاقبة وكلمات قليلة وظرف حاضر”. “كان يعرف ما يريد، ويعمل بصمت ليصل الى الهدف الذي وضعه نصب عينيه”. صخرة عنيدة جلست على كرسي بكركي، وأخافت اعداء لبنان.

 

“سيدنا” ابى الوقوف على الحياد، لان الوضع كان يستحق مواقف صريحة، جريئة، لا لبس فيها. البطريرك “المقاوم”، “بطريرك الحرية”، على ما يصفه بعضهم. ابواب بكركي انفتحت امام كل من كان لديه مطلب أو شكوى، ايا تكن الطائفة او الانتماء. هذا ما اراده غبطته، ان “يبقى الكرسي البطريركي بيت الموارنة وجميع اللبنانيين”.

 

ضمير لبنان حكى. طوال عهد الوصاية السورية، بقيت عظاته تنذر، تطالب باستقلال لبنان وحريته وسيادته وتلح عليها. ولم يلن، ورفض ان يذعن لفكرة او اقتراح من شأنهما ان يغيرا موقفه في ذلك الزمن الخطير. عنيد هو. واذا صمت، ففي صمته موقف يحسب له حساب.

 

عندما احتاج لبنان المنقسم الى مبادرات انقاذية ملحة، دعا الافرقاء المتخاصمين الى بكركي (شباط- نيسان 1989)، وجمعهم وحضهم، مذكرا بالثوابت اللبنانية، متمسكا بها. من الذكريات المخزية في تلك المرحلة، ما تعرض له يومذاك من اعتداء ومهانة على يد شباب من انصار الجنرال ميشال عون، بعدما اقتحموا باحات الصرح البطريركي، وحطموا وكسّروا واهانوا.

 

يومذاك فضّل المغادرة الى الديمان. “كان حزينا ومجروحا في العمق”، على ما يروي احد عارفيه المقربين. قال له: “مؤلم ان تأتيك الطعنة من ابنائك وممن تحب… هو جرح لن يطول الوقت قبل ان يندمل… وانا اسامح واغفر باسم ابي الذي في السماوات. غير ان الحزن حفر عميقا فيّ وسيطول”.

 

سيدنا سامح. كان الراعي الطيب، الهامة الوطنية التي لم تتغير مع تغير الزمن. عندما حان وقت السلم، مد يده للمصافحة والتقارب، وفتح صفحات جديدة: دعم اتفاق الطائف عام 1989، باعتباره وثيقة الوفاق الوطني التي اجمع عليها اللبنانيون. شارك في تأسيس اللجنة الوطنية الاسلامية المسيحية للحوار عام 1993. طالب باطلاق “ولدنا” الدكتور سمير جعجع، قائد القوات اللبنانية، وساند قضيته، وقضايا ابناء آخرين مظلومين.

كذلك، مهدت مواقفه الداعمة للحريات وسيادة الوطن لنداء المطارنة الموارنة الشهير في ايلول 2000. رعى لقاء قرنة شهوان يومذاك، وبارك ضمنا لقاء بريستول الذي ضم شخصيات سياسية وحزبية من طوائف مختلفة. وفي آب 2001، اجرى مصالحة الجبل التاريخية. محطة لامعة، وصافح بطريرك “الاستقلال” زعيم الجبل وليد جنبلاط “الشجاع”.

 

من بكركي الى العالم

 

من تلال بكركي، تعالى الصوت الهادىء، منبها، مرشدا، موجها، مطالبا طوال 25 سنة. “لو يلتزم جميع اللبنانيين خط الوطن، ويضحّون حتى بالنفس في سبيل عزته وكرامته”. توصية البطريرك هي هي، الامس واليوم وغدا (عظة الاحد، “النهار”، 1/9/1997). كل احد، انتظره لبنان، كله. “ادعوكم الى حمل قضية الوطن، وهي لا تقل اهمية عن سواها من القضايا العادلة التي تستأهل تحمل المشقات والتضحيات لاعلاء شأنها، واتخاذ كل الوسائل الممكنة والمشروعة لربحه. ولن يربحها الا العاملون في سبيلها والمضحون لأجلها”.

 

في الزمن الصعب، كانت توجيهات سيد بكركي تدل على الطريق، تحسم الخيارات. “لا تضعوا نصب عيونكم الا مستقبلكم في وطنكم، ولا تصغوا الا لداعي الضمير المستقيم دونما نظر الى ما يقوله هؤلاء واؤلئك من داخل لبنان وخارجه من كلام معسول ووعود خلابة” (بكركي، 31 ايار 2009، الاستحقاق الانتخابي).

 

شهادة اخرى للتاريخ من تلك الحقبة. “اننا اليوم امام تهديد للكيان اللبناني ولهويتنا العربية. وهذا خطر يجب التنبه اليه. ولهذا فإن الواجب يقضي علينا ان نكون واعين لما يدبر لنا من مكائد، ونحبط المساعي الحثيثة التي ستغيّر، اذا نجحت، وجه بلدنا” (6 حزيران 2009).

 

غيض من فيض المواقف الوطنية لسيدنا.

 

نعم، من وطنية جريئة، مقتنعة، مصرّة، من ايمان واضح وقوي، مدّ البلد بالهواء والامل وروح النضال. وراء اسوار بكركي، كان نصرالله الحلقة الأقوى في الكيان اللبناني، والتي لم يستطع شيء او احد ان يكسرها او يخرقها او يغيّرها او يحولها. النفس أصيل، مجبول ببسالة نساك وادي قنوبين.

 

لعارفيه، هناك كان يحلو له ان يمشي ساعات، مصغيا الى همس الصوامع والايقونات، مشتاقا الى آباء موارنة سكنوا الوديان، الى مطارحهم. وكل مرة، كان يعود من رحلاته بوجنتين تألقتا بالنور. “سيدنا” عرف السر وحفظه في قلبه. والجبين حمل البشرى. تلك الارض التي أحب، من وحيها استلهم، وتكلم، ووعظ، وكتب.

 

البطريرك صفير كتب كثيرا. هذا “الرياضي” صاحب “الروح الرياضة”، “العفوي”، والذي احب ان يمشي ايضا في احراج بكركي، واظب على تدوين الاحداث وتفاصيل اللقاءات والوجوه كل يوم. مدوناته امتلأت بصفحات تشهد للاجيال المقبلة، وتخبر التاريخ. عند سيدنا الخبر اليقين. حافظ الاسرار كان. والصمت حليفه، وكم ارتاح اليه. كل عمره، عاش بصمت الرهبنة وزهد النساك. ولم يملّ.

 

كان في الحادية والتسعين، عندما اختار ان ينسحب بداعي التقدم بالعمر. في 25 آذار 2011، سلّم الامانة الى البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، بعدما تقدم باستقالته. وانصرف بهدوئه المعهود، بصمت ومهابة، إلى التأمّل والصلاة، الى قراءة مزيد من كتب القديسين. وبقي المحبوب، العزيز على القلب، المحترم.

 

99 عاما، وعَبر الى المئة. قرن في رجل كان له ﻣجد ﻟﺒﻨﺎﻥ، واستحقه. “كبير الموارنة وعميد أحبارهم وعنوان فخرهم ورمزهم الوطني” يستريح بعد جهاد طويل. تلة بكركي العزيزة تبكيه، تفتقده. ولبنان يحزن لغياب كبير من كباره.

 

“لقد جاد علي الله بأن اقضي في السدة البطريركية خمساً وعشرين سنة، بذلت خلالها ما باستطاعتي لأقوم بالمهمة التي القيت على عاتقي. وهي مهمة ليست باليسيرة في ايام صعبة مر فيها وطننا لبنان بمراحل عسيرة، فأضفت من البناء ما اضفت. ولا حاجة الى العودة اليه وتعداده، وهو ظاهر للعيان، وكان التعاون بين اهل الحكم وعلى رأسهم فخامة رئيس الجمهورية، وبيننا ما كان يجب ان يكون” (بكركي، 6 آذار 2012).

 

الجبل الكبير يصمت، يغرق في سكونه. غبطة البطريرك، تحية اجلال لك.

 

شهادة أرسلها

منصور البون

قد يكتب الكثيرون عنه، عن مثلث رحمة بارك هذه الارض، عن روح سكنت السماء بعدما أودعتنا استقلالاً ونعمة سيادية، وقد ينقّب البعض الآخر في خوابي أيامه عن صورة تمجّد اللقاء وترسم على حفافي المشهد ما علِق من ذكريات. ولأن مَن غاب عنا حافل بالأيقونات الدينية والسياسية، فلن نشعر بنقص في وصف رجل ثبت على “قلنا ما قلناه” ولم يحذف مما قاله حرفا واحدا. كل هذا متوافر في يوم أحد حزين، في عظات مودّعين ذرفوا على سيدنا دموعاً من حبر.

 

هو قال ما قاله عن أزمان صعبة، لكن صوته لا يزال ضاربا في الكثير من زوايا ضيعتي وبيتي وعلى امتداد جبال كسروان ومنها الى كل لبنان. لن نقول عرفناه… فهو من عرفنا ذات لحظات تاريخية، هو من آمن بأرض وثورة شعب وشقت عصاه بحر التطويق والتخويف وغربة الأوطان.

 

لقد كان رجلا استثنائيا في كل المراحل. صمد كجبل وتواضع كوادي قنوبين. له في الوطن وجود زُرِع في وجدان أبنائه. وروحه العابرة للازمات وحكمته في إدارة الخصومة.

 

رسم دروبا مستقيمة وأقام “زياّح الوطنية” التي لا تلتقي مع المساومات.

 

وداعا سيدي وسيدنا وسيد المشرق. لن نرثيك لأن حقك أن ترثينا من بعدك وأن تعلن من سمائك الحداد علينا لان بعضنا لم يرق الى سمّو عطاياك لنا. بعضنا يحيا اليوم على مجد صنعته عظاتك وصلواتك ومواقفك التي سكنت التاريخ.

 

في حياتك أحييت من أحببت، وفي رحيلك نتقدم بالعزاء من أنفسنا وبعض الطيبين.

 

¶ نائب سابق.

 

في البطريرك صفير

ابرهيم شمس الدين

في البطريرك صفير نقولُ قليلاً ونحفظُ كثيراً، لا لقلّة ما يمكنُ أن يُقال، إِذْ كُتِبتْ في ذلك كتبٌ، إنّما نتأدّبُ بأدبِ هذا الرّجل، هذا اللبناني، هذا المدرسةِ وهذا الكنيسة. وهو كان يُقِلُّ من الكلامِ ويحفظُ الكثيرَ مما يُقالُ في مَحضرِه، ويحفظُ الكثيرَ من الناسِ أيضاً، ليس حفظ الذاكرةِ فقط لكن حفظ المرءِ أيضاً حتّى من نفسِهِ. فعلى مدارِ ربعِ قرنٍ في سُدّةِ البطريركيّةِ، مرّ عليه رجالٌ كثيرون، لا بل مرَّ عنده رجالٌ كثيرون، ومرّوا عنده بأحوالٍ كثيرةٍ ومتعدّدةٍ، رآهم في أَحوالٍ مزهوّةٍ ومُشرِقة كما رآهم في أَحوالٍ كَلْمى وكَليلة، رآهم في انتصارٍ وإقبال، ورآهم في انكسارٍ وإدبار، رآهم في وجهٍ وبَصِرَهم في أَوْجُه، رآهم بلسانٍ وسمعَهُم على ألْسِنة.

 

ويبقى البطريركُ رجلاً في التاريخ وليس رجلاً من التاريخ. لم يكن البطريرك رجلاً قديماً ولا عتيقاً في فكرِه، وأحداثُ السنواتِ الأخيرةِ والتغيّراتِ السياسيّة دلّتْ على صحّةِ موقفِهِ القديم. ليست اللبنانيّةُ تهمةً، ولبنانُ ليس تهمةً في التاريخ؛ لبنانُ وطنٌ حقيقيٌّ ووطنٌ نهائيٌّ لا يُضَمُّ ولا يُجَرُّ، وهو ليس مِلْكُ يمينِ أحد، ولا جاريةَ أحدٍ ولا حريمَ أحد. هو ملكُ أبنائِهِ اللبنانيين، وهم أسيادُه، ودولتُه دولةُ لبنانيةٌ وطنيةٌ مدنيّةٌ لا تملُكُها الأحزابُ وان استقوتْ عليها، ولن تهشّمَها الحزبياتُ وإن أوغلتْ فيها لضعفٍ أصابَ بعضَ رجالِها قديماً وحديثاً، ممن مرّ على البطريرك وممن لم يمرَّ عليه، لكن تمرُّ السنونُ ويبقى لبنانُ وطناً حقيقيّاً وليسَ حديقةً أماميّةً لأحدٍ ولا فُتوحاً لأحد.

 

إنّ متانةَ الموقِفِ ووضوحَ الرؤيةِ وتحمُّلَ الصعوباتِ والصبرّ عليها من ميزِ الرجالِ الكبار، والبطريركُ صفير كان مِن هذا الصَّنْفِ من الرجالِ الكبار.

 

ثبتَ في موقفٍ هو اختارَه، ولكنَّهُ موقفٌ لكلِّ لبنان؛ تحمّلَ المتغيّراتِ ولسعتْهُ الأَلْسُنُ واتّهمتْهُ الرؤوسُ الحاميةُ والمتسرّعةُ التي لم تكنْ ترى إلاّ نفسَها.

 

هو والراحلُ الكبيرُ الشيخ محمد مهدي شمس الدين ثبتا في علاقةٍ وطنيةٍ صحيحةٍ يتحمّلان، كلٌ في موقِعِه، وطأةَ ما انهارت أمامَهُ رجالٌ، وكلٌّ منهما بقيَ عَلَماً دليلاً لمن يريدُ أنْ يهتدي و لمن لا يريد أنْ يفقدَ الأمل. كلاهما أنقذَ اتفاقَ الطائفِ الذي أخرج لبنانَ من حربٍ واللبنانيينَ من مهالِك، وكلاهُما وثقَ بالطاقمِ السياسي للإبحارِ بالطائِفِ إلى حيثُ كان ينبغي أن يَصِلَ وأن يُوصل. ولكن بوصلةَ الطبقةِ الحاكمةِ خانت الطريقَ وثقبت مركبَ الطائِفِ وتَعْتَعَتْ باللبنانيين وجعلتْهُم سكانَ حُجُراتٍ مُظلمةٍ بالفَقر ومُتباعدة بالمذهبية، تُفْضي إلى فناءاتٍ مختلفةٍ ومتفرّقةٍ وليسَ إلى فناءٍ واحد وإلى بيت وطنيٍ واحِد.

 

البطريرك صفير الذي بقيَ – رغمَ كلِّ شيء – ورغمَ التخويفِ الكثيرِ ورغم ذُعرِ البعض، بقيَ حريصاً ومتمسِّكاً ومؤمناً، وهو كان رجلَ إيمان، بالعلاقةِ الصحيحةِ والشّراكةِ الوطنيةِ المُعافاةِ مع المسلمين اللبنانيين.

 

لم يكنِ البطريركُ يخافُ أو يُخوَّف، ولكنّه ككلِّ رجلٍ عاقل كان يتهيّبُ الأمورَ عندَ اتّخاذِ القرارات الكبرى، و كان بالتالي يأخذُ القرارَ ويثبتُ عليه، ويَصبرُ على ما يصير. وفيما أرى ورأيت في السنوات الماضية، كان ثباتُه صحيحاً.

 

البطريرك مار نصر الله بطرس صفير كان رجلاً واحداً، صحيحٌ.. ولكنّه كان صيغةً متكاملة وأطروحةً متماسكة.

 

هو الشيخُ البطريرك.. شيخٌ في الشراكة الوطنيّةِ وبطريركٌ في اللبنانية.

 

¶ وزير سابق.

 

عند الامتحان يكرم المرء أو يهان

دوري شمعون

الأيام العصيبة التي مررنا بها كانت بمثابة امتحان كبير للجميع، ولكن أكثر من كان ناجحاً في الامتحان هو البطريرك مار نصرالله بطرس صفير الذي استطاع أن يجمع الناس ويضع الخلافات جانباً، بل عملنا جميعا بقلب واحد ويد واحدة حتى استطعنا أن نخلص البلاد كما خلصناها. ولولا وجود شخص مثل البطريرك صفير القادر على جمع الجميع تحت سقف واحد، لم يكن أحد لينجح. هكذا كنا عند الاستعانة به يتواجد للمساهمة في جمع الشمل وتذليل الخلافات.

 

علمنا اخيرا أن صحة البطريرك صفير تتراجع وكنا نعلم أن العملية هي مسألة أيام ليس أكثر. لا أحد يستطيع أن يفعل عجائب. جلّ ما تمنيناه ألا يتعذب. لا بد أننا سنشتاقه كثيراً، فلبنان يحتاج إلى أشخاص على مثاله ونهجه الراسخ في حفظ الهوية والتاريخ والوطنية والحرية والديموقراطية.

 

هو موجود بيننا طالما أننا تمكنّا من حفظ إرثه.

 

 

غبطة الزاهد…

زياد بارود

في حضرة غيابه، وذكره مؤبّد، سيقال من الكلام عن الهامة الجليلة ما قد لا يكفي لإنصاف الرجل، وهو مستحق. لذلك، أودّ أن أتوقّف فقط عند صفةٍ واحدةٍ شديدة التعبير عن شخصيةٍ إستثنائية بصلابتها، وقد التصقت به منذ تولّى خدمته البطريركية، بل ربما قبل ذلك أيضا: زهده عن كل شيء. وفي ذلك، يذكّر بكلامٍ محبّب لدولة الرئيس سليم الحص يقول: “يبقى المسؤول قويا إلى أن يطلب أمرا لنفسه”…

 

تقرأ أنطوان سعد في “السادس والسبعون” فلا تجد الخوري نصرالله صفير باحثا عن موقع أو شرفيّة. تقرأ عن المطران نصرالله صفير، فلا تراه “مستبطركا”. وتقرأ عن مار نصرالله بطرس وتعايشه، فتراه هو هو، الريفوني الأصيل وفي حلّته البطريركية شيء من كسروان العاصية، إنما في تواضع الكبير وثقة المؤمن، وخصوصا: في زهدٍ لا تعرفه الحياة عموما إلاّ في النادر. زهدٌ في الموقع، أينما حلّ، ولو على رأس كنيسةٍ ضاربةٍ في عراقة الأودية المقدّسة ومغاور الصلاة ومواجهة الاضطهاد. زهدٌ في الإطراء والثناء، حيث “ما قلناه، فقد قلناه”. زهدٌ في الحصول على المقابل، أي مقابل، وهو يعرف تماما أن المواقف الوطنية الصلبة لا مردود لها إلاّ في القناعات وعند الناس الطيّبين الذين يفتقدونه اليوم. زهدُ البطريرك صفير وهو في صومعته يصلّي من أجل لبنان ويعمل من أجله، يدقّ ناقوس خطر داهمٍ هنا ويحدّد مسارا وطنيا هناك، غير آبهٍ بظرفية الأمور، متطلعا نحو الأفضل للبنان المجد الذي أعطي له. وزهدُه الزهد هو عندما اختار أن يسلّم الأمانة ويمضي، كبيرا، مترفعا… يخرج من عباءة البطريركية – الرئاسة ليدخل إلى التاريخ بعباءة البطريركية-الرمز. كم قلّة هي حفنة الناس الذين يخرجون من تحت الأضواء إلى صومعة الزهد والصلاة. كم محترمٌ أنت يا بطريركنا وكم أنت أمثولة… وكم جميلةٌ المكانة التي حفظها لشخصك ولتاريخك ولموقعك، خلفك غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، إحتراما وخشوعا أمام ما أنت…

 

حسبُ البطريرك-الرمز أنه عاش متصالحا مع مبادئه غير مساومٍ عليها. حسبُه أنه عاش كما يفكّر ولم يفكّر كما أريد لنا أن نعيش. حسبُه أنه سيبقى معلّما لمن أراد أن يتتلمذ على يدِ عناده في الحق وقيمه التي لا مساومة فيها وقوته في قول “لا” حيث تدعو الحاجة… حسبُه أنه حاز من الاحترام جلّه، وهو مستحق مستحق…

 

¶ وزير الداخلية الأسبق.

 

 

البطريرك المقاوم بالكلمة

اميل خوري

كان البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير بطريرك الكلمة السيدة الحرة المستقلة التي انتصر بها في كل المعارك من أجل لبنان ليحافظ على المجد الذي أُعطي لبكركي بشهادة التاريخ.

 

لقد أعطى للكلمة قوتها ومعناها فجعل ما قلَّ منها يدلّ وما كثر منها يملّ منها له قيمة وما كثر منها بلا قيمة… زرته صباح أول يوم من أسبوع الانتخابات الرئاسية قبل الأخيرة لأقف على رأيه في أسماء المرشحين، فكان يعطي رأيه بكلمة واحدة لها معناها، أو بحركة من يديه لها معناها أيضاً. وها أنا أقول فيك ما قلَّ ودلّ…

 

فيا أيها البطريرك العظيم، قاوِم عنا وأنت في السماء لتحرر الأرض من الفساد والفاسدين الذين يعبدون المال ولا يعبدون الله… وكأنها لا يعملون أن كل ما على الأرض باطل، وأن لا مجد إلا في السماء.

 

الفراغ من بعده كبير وعميق

غسان حجار

ليس صحيحا ان زمن الكبار ولّى. فلكل زمان رجاله. ولكل مرحلة نوع من القيادة. لكن هذا التبسيط لا يعني الا يعطى الرجل حقه الكبير ككبير من بلادي، بل في العالم، اذ ان الخامة التي تمتع بها البطريرك مار نصرالله بطرس صفير باتت قليلة. بل لنقل عملة نادرة. فقد عاش في هذا العالم وهو ليس منه. عاش ازمنة الحروب والوصايات والاحتلالات، العسكرية والسياسية والمالية، ولم يلوث عباءته. شاهد مباهج الدنيا ولم تبهجه. عاش وحيدا في عالمه، برفقة المصلوب، يناجيه، ينظر الى فقره وتواضعه ويتمثل بهما. عاش آلام الفادي بصمت، تعرض لأبشع انواع الاعتداءات والاهانات ممن يدعون حماية المسيحيين ويزايدون على بعضهم البعض، ولم يأبه، ولم يحقد. وسموه بالحقد، وهو كان غاضبا فقط. الغضب حق، بل واجب، كغضب المسيح في الهيكل. “الويل لكم…”.

 

اليوم يغادرنا هذا الكبير، بعد كبار في مجالات مختلفة. كل ترك بصمة في الحقل الذي ابدع فيه، او ربما في اكثر من شأن. مثل غسان تويني الذي ابدع وانجز في غير حقل ومكان. من الصحافة الى الديبلوماسية، والسياسة، والفنون والاآثار، والكتابة والنشر بلغات العالم… او مثل الرئيس فؤاد شهاب الذي حصن الدولة اللبنانية الفتية بمؤسسات تصون استمرارها وتقدمها، من بعد رجالات الاستقلال ومنهم الرئيس بشارة الخوري، والرئيس رياض الصلح، واسماء كثيرة لمعت في مجالات عدة وتركت لها بصمة لا تزول بزوال الجسد الفاني.

 

الموت حق، ولا يمكن التصدي له، او رفضه. لكن الخسارة التي تصيبنا بالموت تجعلنا يتامى في زمن قل فيه الرجال الرجال. ومن بقي فضل الظل والخفاء، لئلا يتهم بالتلوث الذي اصاب معظم الطبقة السياسية، والاكاديمية، والقضائية، وحتى الدينية.

 

لا اجرؤ على القول ان زمن الكبار ولى، لان التاريخ يصنعه ابناؤه بقرار شجاع، قرار غير مستحيل، قرار ممكن في كل حين. شرط ان يجرؤ اصحابه عليه، ويتعالوا على الحضيض الذي يشدهم يوما بعد آخر، ويسقطون في فخاخه.

 

البطريرك صفير يترك فراغا كبيرا، وهو فراغ معنوي، لانه لم يكن في السلطة منذ اعوام، ولم يكن يشارك في القرار. لكننا رغم كل هذا نشعر بخسارة كبيرة وبيتم وطني ومسيحي، عسى ان يملأه بالقدر الكافي من يتابعون المسير. الفراغ المعنوي كبير ويحتاج ملؤه الى جهد كبير، وارادة وطنية، وايمان عميق، وفكر راجح. يحتاج الى صلابة الصخر، وتشبث الارز، ونقاء الثلج، وهي امور قلما تتوافر مجتمعة في كل حين.

 

 

 

البطريرك الذي لم ينتصر… ولم ينكسر

سياسة   نصري الصايغ

 

 

من معه؟ كثيرون.

من عليه؟ كثيرون أيضاً.

لذا، تصعب الموضوعية. البطريرك مار نصر الله بطرس صفير، ليس جملة كلامية، ولا هو نص محايد، ولا هو رأي أكيد.

لا أحد ينكر حضوره الوازن، في السياسة. عاصر قسماً من الحرب الأهلية، وكاد يكون ضحيتها. انقسم حوله وضده الموارنة المتحاربون. ظنوا أنه سيتغير. لم يُبدل. ظل متصلاً بالمشروع الماروني للبنان، بصيغته القديمة، مع تعديلات طفيفة، في صناعة القرار. لم تكن مساهمته ناجعة. ظلت الحرب أقوى من بكركي.

تعب المتحاربون جميعاً. الموارنة تخندقوا داخل الكانتون العسكري، وطالبوه بالحسم والحل. لا حلول ممكنة بواسطة السلاح وحده. فجلس ينتظر الحلول. لا بد لكل حل أن يحظى ببركته ومعموديته.

في ذلك الزمن المأزوم، لم تتوقف الأوراق السياسية بينه وبين مرجعيات دينية وسياسية غير متخندقة. كانت إرهاصات الطائف تجد منفذاً لها، بأوراق يجري تداولها، لرسم صورة لبنان ما بعد الحرب. لاقاه من الجانب الآخر، الشيخ محمد مهدي شمس الدين. اقتربت وجهات النظر، لكن البطريرك ظل مصراً على الامتيازات المارونية في السلطة. آخر معاقلها، رئاسة للجمهورية بلا أظفار.

وتغير لبنان. خسر الموارنة الحرب ومكاسبها في زمن الطائف. «الجنرال» في المنفى، «الحكيم» في السجن، الرئيس الأسبق مطرود إلى فرنسا. فرغت الساحة من القادة. بات البطريرك هو المرجع الديني والسياسي الوحيد. يعيش في شبه عزلة. إلا أنه، كما قال فيه أعوانه، الصخرة. اشتكوا منه. قالوا فيه: إنه لا يتقدم خطوة إلى الأمام. قال آخرون: «صح. إنه لا يتقدم، ولكنه لا يتراجع ولا يتزحزح». ولقد كان ذلك صحيحاً جداً. العناد والصمت والثبات، من صفاته الناطقة.

عايش الحقبة السورية على مضض يومي. كانت الخطوات باتجاهه، بروتوكولية. السياسة لا تزوره. لا يطلب رأيه في أمر هامّ، أو لا يؤخذ برأيه إن بادر. هو خائف على صورة لبنان. لبنان باقٍ، ولكن ما هي سحنته. كانت الصفة اللبنانية النقية تعوزه. لبنان، ذلك الزمن، لم يكن لبنانه. إنه كيان مطيع للأوامر الصادرة من دمشق. لذا، لم يقم بزيارة دمشق، ولا فكّر في ذلك. صبر وانتظر، فيما كان لبنان يشهد صعود السُّنية السياسية القوية، وصعود المقاومة الإسلامية الشيعية «السوبر قوية»، فيما بنادق الموارنة غابت، وما عادت اللغة السياسية تلحظ معلماً من معالم المارونية الأصلية. النسخ السياسية للمارونية في الزمن السوري، كانت باهتة، لا لون لها. تتلون بلون الوعاء الذي أُعدّ لها. موارنة بلا قدرة ولا قوة تأثير. كادوا أن يصبحوا أقلية بين الأقليات. ولقد كانت بكركي تعضّ على الجرح ولا تلين، بانتظار غودو. لكن غودو جاء بعد مقتل الحريري.

قبل ذلك بسنوات، كانت المقاومة قد أنجزت تحريراً للجنوب والبقاع، كان إنجازاً إعجازياً طبع لبنان بميزة لا تحوزه أية دولة عربية. خروج «إسرائيل» بلا قيد ولا شرط. صارت بيروت عاصمة المقاومة والجنوب ميدانها…

استقبلت المارونية السياسية هذا الحدث بالقول: شكراً أيتها المقاومة. استريحي بعد الآن. هاتي سلاحك. إنها الفرصة الذهبية للضغط على المقاومة ومن معها، بهدف تعديل موازين القوى في الداخل. هكذا ولد البيان الأول بعد التحرير، ثم ولدت قيادة في قرنة شهوان، الصوت الصارخ المسيحي المُطالب بسحب السلاح واستقلال لبنان عن سوريا.

 

تصعب الموضوعية. البطريرك مار نصر الله بطرس صفير ليس جملة كلامية، ولا هو نص محايد، ولا هو رأي أكيد

 

حقق البطريرك صفير إنجازاً كبيراً في حياته. لقد شهد بعد اغتيال الحريري، انسحاب الجيش السوري، وسط موجة غضب عارم، واجهتها موجة «شكراً سوريا». وكان ما كان: تيار الثامن من آذار في مواجهة تيار الرابع عشر من آذار. اهتزّ الكيان. تبدلت التحالفات. بدا وكأن لبنان الجديد آتٍ هذه المرة، بصيغة استقلالية حاسمة، لا جدال في انتمائه إلى ذاته، وليس لأي قوة خارجية. ولقد كان ذلك وهماً من الأوهام المارونية. فقوة المقاومة كان لها القول الفصل في إثبات صيغة لبنان المقاوم أولاً.

لم تنفع البطريرك صفير المصالحة المارونية – الدرزية في الجبل. تعرضت لاضطهاد كبير. الأجهزة الأمنية أفلتت قواتها على جيل من الشباب سيتحدى السلطة. السلطة البوليسية تراجعت. لم يعد ممكناً أن يُحكم لبنان كما كان، ولا كما سيكون، لأن المستقبل مجهول.

وتطول الحكاية، والبطريرك لا يتزحزح أبداً. وقف إلى جانب الرابع عشر من آذار. صار محجة إلزامية لإنتاج المواقف التي تتفق مع هجمة القرارات الدولية على لبنان، بهدف إضعاف المقاومة ومحاصرتها. وكان للبطريرك حكمة الصمود في الخطوط الخلفية، ليُتيح للسياسيين الموارنة أن يتقدموا لتسلّم زمام المبادرة.

خاب ظنّ البطريرك. انتقلت المشكلة اللبنانية إلى الدوحة. سقط لبنان في اللاجدوى. لا قوة أقوى من الثانية. كل فريق بحاجة إلى الفريق المنافس. تلك هي صيغة لبنان.

لا شك في أن دور البطريرك صفير كان مميزاً في هذه المعارك. لم ينكسر ولم ينتصر. ظل كما كان. ثابتاً في موقعه، حتى قيل عنه، إنه الصخرة.

ترك البطريرك الكرسي، وترك لبنان في أسوأ حال. يدلّ على ذلك ما وصل إليه الكيان من إفلاس وحطام وانعدام. لبنان البطريرك صفير لم يرَ النور.

 

من ملف : رحيل أيقونة الموارنة: الخصم القوي الذي لم ينتصر… ولم ينكسر

 

 

غابت أيقونة الطائفة المارونية

سياسة   هيام القصيفي

 

غابت أيقونة الطائفة المارونية. خسرنا بطريركنا. وخسر لبنان ابناً باراً به.

حين تناول قربانته المقدسة ومسحة المرضى الأخيرة، عاد الأبونا والبطريرك مار نصر الله بطرس صفير إلى حضن ابيه، مودّعاً حياة عمرها من عمر لبنان الكبير الذي أحب وخدم حتى الرمق الأخير، كما أحب كنيسته و«خاصته»، عملاً بما نص عليه كتابه الإنجيلي، زاده اليومي والأحب إلى قلبه. عاد إلى كنف والديه ومن سبقه من عائلته، مغادراً أحبة وجماعة انتمت إلى خطه الكنسي والوطني، وانطبعت في ذاكرتها صورته الأبوية. ترك كنيسة خدمها أكثر من سبعين عاماً، ووطناً دافع عنه بحب وعناد قلّما شهدنا مثلهم لدى قادة روحيين وسياسيين. لم يرتضِ تسلط طرف على آخر، ولا طائفة على أخرى، آمن بلبنان بلد الطوائف والمجموعات تعيش فيه بسلام حقيقي وعيش مشترك فعلي، ولم يساوم في الحفاظ على حقوق المواطنين أياً كان انتماؤهم الطائفي والسياسي. ولد في الشهر المريمي ورحل في شهر من تعبّد لها. عاش بسلام داخلي ورحل بصفاء، رغم أن بعضاً من بني قومه آثر ألّا يتركه يذهب إلى سيده بسلام.

صاحب الضحكة الدافئة والذكاء الحاد والإخلاص لسرّ كهنوته واحترامه الاستثنائي لموقعه، كان مثالاً على اقتدار فرد في التأثير بمجريات التاريخ. فأهميته أنه كان الشخص المناسب الذي قام بمهمات هائلة في الوقت المناسب تماماً. أُعطي ألقاباً كثيرة ونعوتاً سامية وسيئة، وبقي «أبانا البطريرك».

إنه سيد أنطاكيا وسائر المشرق لخمس وعشرين سنة. مهما اختلفت الآراء في مواقفه، يشهد له حتى أعداؤه، أنه ظلّ ثابتاً عليها. لم تغرّه مظاهر، ولا خدعته إغراءات سياسية، محلية أو خارجية. وقف في وجه ضغوط كثيرة، أُهين كما سيده، هوجم بالكلام لسنوات طويلة و«عومل بقسوة فتواضع ولم يفتح فاه، كحمل سيق إلى الذبح» (أشعيا 53)، واعتُدي عليه جسدياً، وظل صامتاً، غافراً لمن اعتدوا عليه وهجّروه من كرسيه البطريركي، ولاحقوه بالأذية بطريركاً وناسكاً ومريضاً. صمد في وجه عواصف محلية وإقليمية ودولية، لكنها لم تكسره، ولم ينبت العشب على أدراج بكركي. هو البطريرك الذي لم ينحنِ لأحد ولم يتزلف لأحد، ولم يتورع عن قول كلمة الحق والوقوف حتى في وجه أصدقاء له إن أخطأوا، أو يعترف بعمل حق حتى لو عاداه كثيرون من أصدقائه.

الخجول بطبعه والجريء بطبيعته، الرصين والساخر، كان يقول لمحبيه إن هدوءه وسلامه الداخلي نابعان من «خوفه المسيحي العميق» وانتمائه إلى الإنجيل، لأنه فهم الكتاب المقدس بفطرية، وهو الذي تربى عليه طفلاً في عائلة تقية، وتعمق بسرّه كاهناً.

من الجيل الكهنوتي الذي لم يُعرف عنه إثم أو خطيئة، أو سُجِّلت عليه سوابق، أخلاقياً وكنسياً. الطوباوي الذي شهد تقديس رموز الطائفة المارونية من مار شربل، إلى رفقا والحرديني ويعقوب الكبوشي والأب أسطفان نعمة وأشرف على فتح دعاوى قديسين أبرزهم البطريرك أسطفان الدويهي. خمسة عشرون عاماً قضاها في خدمة الكنيسة بطريركا، وقبلها 36 سنة كاهناً ومطراناً، من دون أن تعرف عنه بهرجة في ملبس أو مأكل. في بكركي أو الديمان، صيفاً وشتاءً، هو نفسه بلباسه البسيط وببسمته الوديعة وحركات يديه الطريتين، ووجهه السموح والحاد في آن معاً. عباراته على مدى 25 عاماً صارت مرجعاً، تحفظ له في الدين والسياسة وأجوبته اللاذعة باتت مضرب مثل، كحنكته في إدارة الحوارات واطلاعه الدقيق على أي ملف سياسي أو اقتصادي طُرح على طاولته، وذاكرته التي لا تنضب. أصدقاؤه المقربون معروفون، وثق بقلة وفتح قلبه لكل من دقّ بابه. في ظروف مختلفة، أحبّ من كان مخلصاً ودافع عنه وقرّبه إلى قلبه، وشهد على انقلاب محيطين به أكليروساً وعلمانيين. لا يطلب شيئاً لنفسه، منصرفاً إلى الصلاة والقراءة والترجمة والمشي، في بكركي والديمان، معتمراً قبعته البسيطة، متكئاً على عصاه يمشي في دروب قنوبين العتيقة ممتلئاً من قداستها وسحر كنيستها. المثقف والقارئ النهم، كتباً وصحفاً ودراسات، المحلل السياسي والعالم الكهنوتي، أحد أبرز رجال الدين بإتقانه للغة العربية، كتب عظاته بلغة فصيحة، فصارت مرجعاً أسبوعياً في اللاهوت وفي المواقف السياسية. مواكب لعصره، وهو المولود قبل مئة عام، كتب بقلمه يومياته وأسراره الكثيرة، واحتفظ بالكثير أيضاً، وترجم ودرّس وطوّر ثقافته في مجال الكومبيوتر، فلم يرتهب أمام تكنولوجيا عصرية وهو يتقدم في السن. لغاته الغربية كانت له جسر عبور تلميذاً وكاهناً ومطراناً وبطريركاً إلى عالم غربي بثقافته الواسعة. عمل لكنيسته وأنشأ مؤسسات رغم الظروف السيئة التي عرفها لبنان، ويشهد له قيامه بالمجمع الماروني عام 2003 الأول بعد المجمع الماروني عام 1736.

 

قال لا للبابا يوحنا بولس الثاني حين طلب منه مرافقته إلى دمشق فيما كان يخوض حينها أشرس معركة في وجهها

 

حين عاد البابا بنديكتوس السادس عشر من لبنان إلى روما، كانت صورة صفير في ذهنه حين اختار الاستقالة والعزلة للصلاة والتأمل. هما الأسقفان الأعلى رتبة اللذان يقدمان استقالتيهما الطوعية من رأس كنيستيهما، يعتزلان ويعودان كما باشرا حياتهما كاهنين «أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق» (مار بولس). خلال حبريته، زار البابا يوحنا بولس الثاني لبنان الذي خصّه بمجمع وبإرشاد رسولي، بسعي من صفير. فتحولت الزيارة مناسبة كي يفجّر فيها المسيحيون معارضتهم للنظام السوري وللسلطة القائمة حينها، حين احتفلوا مع البابا والبطريرك إلى جانبه على طرق بكركي وحريصا وبيروت.

قال لا لروما والبابا يوحنا بولس الثاني الذي احترمه وأحبه واعتبره أنه مثل كاردينال بولونيا الذي وقف في وجه الاحتلال الروسي، حين طلب منه مرافقته إلى دمشق فيما كان يخوض حينها أشرس معركة في وجهها. وقال لا لواشنطن حين وقفت ضد سيادة لبنان، فعارضته ورفضت استقباله، إلى أن تبدل موقفها ولم يبدل حرفاً في قناعاته. قال نعم للطائف كمخرج من الحرب الأهلية، وظل حريصاً على الدفاع عنه. وقال لا للوجود السوري طوال سنوات، وجهر بلا آلاف المرات للسلطة التي أنتجتها سوريا بعد الطائف، وللرئيس رفيق الحريري ومشروعه الاقتصادي في مذكرة شهيرة ضمت هواجس بكركي ومآخذها على استبعاد المسيحيين عن الإدارة وسوء تطبيق الطائف وعدم احترام الدستور. قال لا مرات عدة للرئيسين الياس الهراوي وإميل لحود، لكنه احترم موقع الرئاسة، وعارض التمديد لكليهما بحدة لم يصل إليها خصومهما، إلا أنه أيضاً رفض فكرة إجبار لحود على الاستقالة كيلا تسجل سابقة رئاسية.

من الظلم أن تختصر حياة صفير بمرحلة عام 2005، رغم أنه المحرك الأساسي لها. ومن الظلم له أيضاً أن يستغل بعض الطفيليين سياسياً وإعلامياً حياته، كما وفاته، لتصفية حسابات سياسية. هو الذي انتخب بطريركاً في آب عام 1986، في مرحلة شرسة من عمر لبنان. خلف البطريرك الكاردينال مار أنطونيوس بطرس خريش. ورغم أنه أتى في ظروف تسوية حملته إلى السدة البطريركية، عاكس كل التكهنات التي كانت لا ترى فيه إلا كاهناً ومطراناً يكتب الرثاء والرقيم البطريركي. لكنه تغلب على أسلافه بحكمة وبصلابة، وتحوّل زعيماً كنسياً ووطنياً بلا منازع، وحوّل الصرح البطريركي في بكركي قِبلة، حتى فاق عزه عز أسلافه البطاركة. ولم يأتِ موفد إلى لبنان إلا وزاره واستمع إليه، فكان سفيراً فوق العادة لبلد يتخبط بالحروب.

المعمودية السياسية الأولى لصفير، كانت في مواجهته لحظة استحقاق أساسية مع اقتراب انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميّل عام 1988. لم يجد السياسيون سوى بكركي لجسّ النبض والاتفاق على تأمين انتخاب رئيس جديد للجمهورية. كانت البلاد قد بدأت تشهد الانقسام المسيحي بعد سقوط الاتفاق الثلاثي.

حاول صفير تهدئة الساحة المسيحية وتأمين انتقال هادئ للسلطة. قد يكون، كما النواب الموارنة الذين كانوا يجتمعون لديه، صدّقوا أن الجميّل أعدّ لمرحلة ما بعده ولحكومة جديدة بعدما تعذر انتخاب رئيس جديد، إثر تهديدات الموفد الأميركي ريتشارد مورفي. لم يقبل الموارنة بأن يكون أمامهم خيار الفوضى مقابل انتخاب مخايل ضاهر، وكانوا على ثقة بأن الجميّل لن ينقلب عليهم، لكن الأخير زار دمشق وعاد منها وسلّم قائد الجيش العماد ميشال عون رئاسة الحكومة الانتقالية. تلك المرحلة الصعبة أدخلت لبنان وبكركي في مخاض جديد. وبدأ البطريرك يكتشف ألاعيب السياسة ودهاليزها وخداع السياسيين ومكرهم.

بدأت حرب التحرير ثم حرب الإلغاء وما رافقهما من التحضير لاتفاق الطائف. مواقف صفير لم تنل إجماع القوى السياسية، وفي مقدمها عون الذي غضب عليه لموافقته على «الطائف». البطريرك الذي أجبره مناصرو «الجنرال» الذين اقتحموا بكركي في تشرين الثاني عام 1989 على تقبيل صورة عون، متهمين إياه بمناصرة القوات اللبنانية والدكتور سمير جعجع والدفاع عن «الطائف»، ودفعوه إلى مغادرة بكركي إلى الديمان، هو نفسه الذي دافع عن حقوق العونيين حين نُفي قائدهم إلى باريس، كما دافع عنهم بشراسة في آب 2011، ودعاهم إلى قرنة شهوان فانسحبوا منها، لكنه ظلّ أميناً على استقبالهم ومراعاته لهم، قبل أن يعترف بزعامة عون بعد الانتخابات النيابية عام 2005. ومع ذلك، بقوا -مع آخرين غيرهم – على عداء له، حتى في استقالته ومرضه.

عاش الموارنة أسوأ كوابيسهم في ظل حرب الإلغاء والشرخ الذي أحدثته في المجتمع المسيحي، فيما كان الأب الروحي يرى أبناءه يقتتلون، ولا قدرة لديه على ردعهم رغم محاولاته الحثيثة، ليشهد بعد ذلك دخول الجيش السوري إلى بعبدا، وخروج عون إلى السفارة الفرنسية وإبعاده من ثم إلى باريس. إذا كان صفير قد أيد الطائف وانتخاب رئيس جديد للجمهورية، إلا أنه لم يكن مؤيداً للمسار الذي أدى إلى مرحلة أقسى من حروب الاقتتال الداخلية، بعدما شهد فصول انهيار الطائف على أيدي منفذيه. بعد إبعاد عون، جاء تفجير كنيسة سيدة النجاة وما نجم عنها من محاكمة جعجع وسجنه. لم يصمت صفير عمّا تعرض له المسيحيون، والموارنة تحديداً، بعد سجن زعمائهم ونفيهم، وإبعادهم عن الحياة السياسية، في مقابل إطلاق يد حلفاء سوريا. ظلّ يردد في عظاته كلاماً قاسياً، وارتفعت لهجته تدريجاً إلى أن طالب بمقاطعة الانتخابات النيابية عام 1992. كل خطبه اتسمت بقساوة في المضمون، لكنه حافظ على أخلاقيات رفيعة في الممارسة السياسية كما في حواراته مع القيادات على تنوعها. أبقى أبواب بكركي والديمان مفتوحة، فلم يقفلها أمام أي شخصية موالية أو معارضة له، مهما كانت شراستها التي تعبّر عنها عند أدراج الصرح نفسه. في زمن حبريته، لم تبق شخصية إلا وزارته، يكاد الذين لم يقابلوه مِن السياسيين يعدون على الأصابع. عرف رؤساء جمهورية ورؤساء حكومات ورؤساء مجالس نيابية، وصاغ علاقات جيدة على مستوى راقٍ من التعامل المسؤول. خبرته علّمته أن يكون صريحاً ومتشبثا بمواقفه التي دافع عنها بصلابة بين 1990 و2005. تلك المرحلة التي عاشها بكل تلاوينها، من الانتخابات التي قاطعها المسيحيون نزولاً عند رغبته، إلى الانتخابات اللاحقة التي انتقدها لأنها لم تكن عادلة بسبب قوانينها المركبة والمفصّلة على قياس أصدقاء سوريا.

بين المرحلتين وقف صفير في وجه مرسوم التجنيس والتلاعب بمصير لبنان الديموغرافي، وسلطة الترويكا، ورفض الفراغ الرئاسي، واضطر مكرهاً تحت إلحاح فرنسا ودول حليفة على تسمية مرشحين رئاسييين لم يؤخذ بهم. ولم يكن ليتردد في الجهر بها، مطالباً بخروج الجيش السوري. ولم يكفّ عن ذلك إلى أن توج مسيرته تلك بنداء المطارنة الأول.

هي المعمودية الثانية لبطريرك تحول زعيماً سياسياً لطائفته في غياب زعمائها. بين النداء الأول وعام 2005، عرف صفير كيف يحوّل كلمات قليلة انقلاباً تاماً على مرحلة الاستكانة القائمة. مع قرنة شهوان، والمطران يوسف بشارة، وشخصياتها التي شهدت على مرحلة استثنائية، تحولت بكركي مقصداً لكل من عارض الوجود السوري، وأيضاً لكل من جاءها منتقداً لمواقف صفير المطالب عودة المنفيين وخروج المسجونين.

فعل النداء الأول فعله. لامس وليد جنبلاط، فعقد معه مصالحة الجبل التاريخية عام 2001، وأعاد لحمة الجبل بعدما تهجّر مسيحيوه بفعل حرب 1983. كان صفير بذلك يؤسس لعودة المسيحيين، ويعيد وصل ما انقطع بينهم والدروز، وهو ما أثار امتعاضات لبنانية وسورية. لكن النداء لم يتوقف هنا، بل تسلل إلى طبقات سياسية بدأت تعي معنى إعادة الاعتبار للسيادة اللبنانية. في هذه المرحلة لم ينقطع حوار بكركي مع كل القوى من دون استثناء: الرئيس نبيه بري وحزب الله والحريري. لكن الاندفاعة قوبلت بحملة 7 آب 2001، والتوقيفات التي نفذتها الأجهزة العسكرية في حق مناصري القوات والتيار الوطني الحر. تحركت السلطة لمواجهة زلزال التظاهرات، وانطلق مسلسل جديد من القمع، لم يسكت عنه صفير، بل صعّد لهجته في النداء الثاني وفي العظات.

انطلق البطريرك بحملات داخلية وخارجية للمطالبة برحيل الجيش السوري وتطبيق الطائف، وبقانون انتخابي يؤمن صحة التمثيل، فأيد العودة إلى قانون 1960، إلى أن جاء اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005 ومرحلة الاغتيالات اللاحقة، وما شهده لبنان من تظاهرات وانقسام اللبنانيين بين 8 و14 آذار. رغم أن تظاهرات 14 آذار اعتُبرت امتداداً لنداءات بكركي، إلا أن صفير ظل حذراً من المرحلة المقبلة. زار قريطم معزياً، في لحظة تخوّف على مستقبل لبنان، ووقف إلى جانب المطالبين بالحرية والسيادة، لكن لم يرقه أن تستعد القوى السياسية للانتخابات وفق قانون قديم أثبت عقمه، ولم يرضَ عن ترشح شخصيات مقربة منه للانتخابات.

بعد الانسحابين الإسرائيلي والسوري، لم يدم فرح صفير طويلاً. فالأحداث التي تلت عام 2005 زادته ألماً، بقي على تفاؤله وخشيته معاً، في أن يفقد لبنان هويته ويصادر قراره مجدداً. كان لبنان يعيش على وقع تطورات خطرة، وكان البطريرك يعيش على وقع تقدمه في السن ورؤيته لكنيسة تحتاج إلى تغيير وتستثمر ما حققه فيها، وما عجز عن استكماله بفعل الأحداث وانغماسه في الشأن الوطني. استقال صفير من البطريركية المارونية عام 2011، وهو في الحادية والتسعين من عمره. لكنه بقي هو نفسه، صلباً محباً تقياً، لا يتعب ولا يملّ، وفي كل سنة في مثل هذا الموعد يتجدد عمره سنة جديدة يحتفل بها مع حلقة ضيقة، وكثر كثر يتمنون له عمراً مديداً، وهو الآتي من عائلة معمّرة. شهد على رحيل كثيرين وأحب كثيرين وأبغضه كثر، عرف أسراراً كثيرة وخبر نفوس شخصيات كثيرة وانقلابها أو ثباتها. كان وفياً لإيمانه ومبادئه، كما بقي كثيرون أوفياء له. رحل ومعه زوادة كبيرة من المحبة، آخذاً معه الكثير من هيبة الكنيسة وقداستها. صوته لا يزال هادراً، وضحكته لا تزال على طفوليتها، وصورته واعظاً أو خاطباً بنبرة واضحة وحقيقية، هي الأسمى، هي الباقية، لا صورته المسربة من المستشفى في أكثر اللحظات الإنسانية مرارة، بما تحمل من انتهاك صارخ وسخيف من روحيين ومقربين منه لخصوصيته وسنّه ومرضه، الذين حاولوا في أيامه الثلاثة الأخيرة تطعيم وفاته بما يشبه الإذلال. لكن أيامه الثلاثة كأيام سيده الأخيرة، هي أيضاً قيامته. هو الماروني ابن الكنيسة الأنطاكية عن حق، المتواضع والبسيط، الذي لم يعرف في حياته إلا حباً صافياً لمسيحه ووطنه، وهو الذي شهد قيام لبنان والكنيسة معاً، فلم يفصل بينهما ولم ينفصل عنهما. إنه البطريرك صفير الذي غاب عنا، فغاب معه المجد الذي أُعطي له.

 

من ملف : رحيل أيقونة الموارنة: الخصم القوي الذي لم ينتصر… ولم ينكسر

 

الخصم القوي

سياسة   ابراهيم الأمين

 

لم يكن البطريرك الماروني الراحل نصر الله صفير شخصية عادية، أو من طبقة رجال الدين الذين يعبرون من دون ترك آثار كبيرة. تطوّره داخل السلك الكنسي كان أساسه شخصيته المرتبطة بالقيم التي تميز رجال الدين المسيحيين بعضهم عن البعض الآخر. لكن اجتهاده في الإدارة العامة لشؤون الرعية، أتاح له بناء موقعية قوية مكنته في لحظات تاريخية من احتلال موقع القائد. ورغم حرصه الدائم على عدم قول كل ما يريد أو كل ما يؤمن به، الا أنه ظل على الدوام في موقع القادر على جذب الانتباه، انتباه الخصوم والمؤيدين وحتى الضائعين، خصوصاً أنه بعد انتهاء الحرب الأهلية في لبنان، وإقصاء القيادات السياسية للاحزاب المسيحية، قبِل بدور القيادة الفعلية، وصار هو المرجعية التي تبت الأمور من دون قدرة الآخرين على تجاهل ما يقوم به.

لكن البطريرك صفير لم يكن محايداً كما يحلو للبعض القول، ولم يكن شخصية عامة تهتم لأحوال جميع اللبنانيين، أو حتى جميع أبناء الرعية بحسب القانون الكنسي. كان صفير صاحب موقف، ومنحازاً الى وجهة عامة تخص حال المسيحيين في المنطقة، وعلاقتهم بالعرب. وكان له موقفه من الصراع العربي ـــ الاسرائيلي، وكانت له رؤيته لآلية الحكم في لبنان. حتى عندما قبِل باتفاق الطائف، لم يكن يرى فيه ما يناسب مصلحة المسيحيين عموماً. لكنه قبِل وقال إن الاتفاق هو حصيلة سياسات الزعامات المسيحية التي لم تعرف إدارة الامور كما يجب.

كان صفير خصماً قوياً للتيار الذي يقول باندماج كلّي للبنان في واقعه العربي. وكان رافضاً لاستراتيجية انخراط لبنان في المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الاسرائيلي. ولم يكن يوماً مقتنعاً بأن لبنان مضطر إلى بناء علاقات مميزة وخاصة مع سوريا. صحيح أنه لم يكن يفرق بين عرب المشرق والمغرب ولا عرب الجزيرة، لكنه اختار طريقة السياسيين في بناء تحالفات، جعلته أقرب الى المحور الذي ترعاه الولايات المتحدة وفرنسا ومعهما حلفاؤهما العرب واللبنانيون. لم يكن صفير معجباً بشخصية رفيق الحريري الآتي ليحل محل الدور الريادي لرجال الاعمال المسيحيين، لكنه وجد فيه حليفاً ضد الفريق المتحالف مع سوريا. صحيح أنه لم يكن يوماً معجباً بالزعامة الجنبلاطية، لا مع كمال ولا مع وليد، لكنه وجد أن مصالحة أبناء لبنان الصغير ضرورية في مواجهة تمدد أبناء الاطراف الى المركز.

كان صفير لا يمنح الشرعية الدينية لمعركة التحرير في وجه إسرائيل. وفي المقابل، كان يبرر تعامل فئة من اللبنانيين مع إسرائيل. كان يعتقد بأن ميليشيا العملاء في الشريط الحدودي، إنما هي جزء متبقّ من الحرب الاهلية. ولذلك كان ينظر الى سلاح المقاومة على أنه جزء متبقّ من سلاح قوى الحرب الاهلية. موقفه المبدئي لم يحل دون مد جسور الحوار والتواصل، لكنه لم يحد لحظة عن استراتيجية قامت على ثلاثة أعمدة:

– فك الارتباط القائم مع سوريا، وسلام مع إسرائيل ينهي النزاع ويُخرج اللاجئين الفلسطينيين من لبنان.

– إعادة تنظيم القيادة السياسية للمسيحيين، من خلال الإقرار بواقع قواهم كما هي، رغم أنه كان أقرب الى «فقراء الكنيسة»، ويقصد بهم «القوات اللبنانية» قبل الآخرين.

– إقامة لامركزية إدارية موسعة تسمح بحفظ الاختلافات بين «الجماعات اللبنانية»، من دون إلغاء مبدأ التعاون والتحالف مع الآخرين.

كان البطريرك صفير خصماً حقيقياً. مبدئيته جعلته الاكثر حضوراً بين القيادات المسيحية منذ صيغة الـ1943. كان رافضاَ، بالعمق، لكل فكرة تقوم على اندماج كامل للمسيحيين باعتبارهم مواطنين عرباً… رحل، وسيكون من الصعب توقّع وريث بصلابته!

 

من ملف : رحيل أيقونة الموارنة: الخصم القوي الذي لم ينتصر… ولم ينكسر

 

 

 

عاد من حيث أتى

سجعان قزي

 

عادَ من حيثُ أتى. اليومَ أُنزِل عن الصليب. رجَع عشيّةَ مئويّتِه وقُبيلَ مئويّةِ لبنانَ الكبير. رحَل وهو يُعاين بألمٍ تَرنُّحَ هذه التجربةِ العظيمةِ التي لم يُقدِّر اللبنانيّون قيمتَها التاريخيّةَ، فتعامَلوا مع لبنانَ كأنّه عَقارٌ يَتوزّعونَه ويُوزِّعونه لا كيانٌ يَجتمعون فيه ويُعمِّمون رسالتَه على الشرقِ الأوسط.

 

بُعيدَ استقالةِ البطريرك صفير كَتبتُ في مجلة «المسيرة» (05 آذار 2011): «قليلون هم الذين يَلِجون الأزليّةَ أَحْياء. إنها أعجوبتُه الأولى. البطريركُ مار نصرالله بطرس صفير خَرجَ من البطريركيّةِ ليدخُلَ الطوباويَّـة. لم يَستقِل، ترقَّى. صَعِد إلى السماءِ وهو لم يَزل في بكركي. وبكركي، رغمَ التصاقِها بالأرضِ، ليست بعيدةً عن السماء. ومَن يَستكثِرُ على البطريركيّةِ المارونيّةِ مجدَ لبنان، فمجدُ السماءِ يَكفيها. والباقي تحصيلُ حاصِل».

 

كان لا بدَّ للبطريركِ صفير من أن يرتاحَ بعدَ عناءِ النضالِ والمقاومةِ، لا من ثِقلِ السنواتِ التسعِ والتسعين فقط. كانت سنواتُ عهدِه عصيبةً وعصبيّةً، مُضطَرِبةً ودمويّةً، قاهرةً ومُنهِكة. شَهِدَت عودةَ المماليك والـمَغُول. كان البطريركُ صفير بطريركاً وقائدَ مقاومةٍ وزعيماً وطنياً.

 

لم يَشأ، بدايةً، أن يَحجُبَ دورَ السياسيّين الموارنةِ، مع أنَّ البطريركيّةَ المارونيّةَ أُنشِئَت في أواخرِ القرنِ التاسعِ لتقودَ شعبَها وتَحميَه. لكن غيابَ القادةِ الموارنةِ الكبار والتغييبَ القسريَّ للقادةِ الجُدد وانقساماتِهم أَناطَت، منذ أوائلِ تسعيناتِ القرنِ الماضي، بسيّدِ بكركي مسؤوليّةَ القيادةِ الوطنيّةِ فتحمَّـلَها بحِرصٍ وشجاعة.

 

بآياتِ الإنجيل واجَه البطريركُ صفير ألويةَ الاحتلالِ والنظامَ الأمنيّ. بفِـقْرةٍ في قَـفْـلةِ عِظاتِه جَيَّش الشعبَ وأنَّـب الرؤساءَ والحكّامَ وسائرَ أدواتِ الوصاية.

 

بعِطرِ البَخورِ أَبعدَ دخانَ الفساد. بيدِه «المنزوعةِ السلاح» غَفَر للمتطاولين على شخصِه والصَّرحِ والمقام، وبمذكّراتِه الباكرةِ كَشفَ المستور.

 

بعد اعتلائِه سُدَّةَ البطريركيّةِ بسنواتٍ قليلة، سلَّمَت الدولُ الغربيّةُ، وعلى رأسِها الولاياتُ المتّحدةُ الأميركيّةُ، لبنانَ إلى أعدائِه وغَسَلت أياديها من مسيحيّي لبنان ومن لبنانَ كدولةٍ حرّةٍ ومستقِلّة. فاختارَ البطريركُ صفير المقاومةَ السلميّةَ، الصابرةَ، الثابِتةَ والعنيدة، وتَحـفَّـظ عن المقاومةِ العسكرية ورفضَ التسوياتِ السياسيّة.

 

اضطُرَّ البطريركُ إلى التكيّفِ مع وقائعَ مؤلمةٍ أحيانًا من دونِ التخلّي عن مشروع التحرير والأهدافِ السامية. لم يُرضِ أسلوبُه كلَّ الناس، لاسيّما حين تَـقـبَّـل «اتفاقَ الطائف»، وقد ماتَ قبلَ أن يَرى حُسنَ تطبيقِه.

 

أَحْببنا البطريركَ صفير وارتَحنا إليه، ووثِقنا به. لم يُجازِف بنا، لم يَضحك علينا، لم يَستغِل طيبَتنا، لم يُساوم على شهدائِنا، لم يقايِض على استقلالِنا، ولم يُعدِّل بالأولويّات. لم يَخضَع لقريبٍ أو بعيد، لقويٍّ أو مُتجَبِّر، لم تُلوِّثه السياسةُ ماديًّا ولم تُبعِدْه عن المسبَحَة. لم يَسْكَر بمجدِ الأرضِ وبهاءِ الانتصار، ولم يستوحِ مواقفَه سوى من مصلحةِ المسيحيّين وكل اللبنانيّين.

 

مَن يراجِع سِـيَـرَ البطاركةِ الموارِنةِ الستَّةِ والسبعين، يكتشفُ بسهولةٍ أنَّ البطريركَ صفير هو أحدُ أهمِّ مَن بَلغوا هذا المنصِبَ المميَّـزَ في بلادِ الشرقِ وأنطاكية. عدا الفضيلةِ والعِفّةِ والتقوى، تَرك هذا البطريركُ الكبير مواقِفَ وبصماتٍ وإنجازاتٍ أبرزُها:

 

• كَشَف السياسيّين وفَضَحَهم وحَدَّ من سيطرتِهم على الشعب.

 

• تَعرّض للاعتداءِ، فهَجر بكركي موَقّتًا لا هربًا من الأمويّين والعباسيّين والمماليك العُثمانيّين، بل احتجاجًا على هَوَسِ مجموعاتٍ مارونيّة.

 

• دعا إلى مقاطعةِ الانتخاباتِ النيابيّةِ سنةَ 1992 لمنعِ تهميشِ الدورِ المسيحيِّ وقد تضاعفَ مع «دستورِ الطائف» الاعتباطيِّ التطبيق.

 

• قال: «لا» لسوريا، ورَحل من دونِ أن يزورَها.

 

• استقبلَ البابا القديس يوحنا بولس الثاني سنةَ 1997، وأطلقا معًا «السينودوس من أجل لبنان».

 

• أصدرَ البلاغَ رقم واحد لتحرير لبنان في أيلول 2000 وقادَ المقاومةَ السلميّة.

 

• رعى مصالحةَ الجبل بين المسيحيّين والدروز سنةَ 2001.

 

• أعاد جمعَ القِوى المسيحيّةِ في «لقاءِ قرنة شهوان» وصانَ ثوابتَ «ثورةِ الأرز».

 

• عقدَ المجمعَ الكنسيَّ المارونيَّ في حزيران 2003 بعد مجمعِ سنةِ 1736.

 

• أَشركَ العَلمانيّين في تطويرِ الكنيسةِ المارونيّةِ في لبنان وبلادِ الانتشارِ وحَوّل البطريركيّةَ «صَرحَ الشعب».

 

• نظّم الأبرشياتِ وشَجّع المؤسساتِ الكنسيّةَ على الاهتمامِ بالشأنِ الاجتماعيّ والتربويّ.

 

لم يَفُت البطريركَ صفير أنْ يَحسِمَ خِيارَه ـــ وخيارنَا ـــ قبلَ الرحيل، فقال: «إذا كان علينا أن نَختارَ ما بين التعايشِ والحريّةِ نَختار الحريّة».

 

قبلَ لبنانَ الكبير كانت تضحياتُ المسيحيّين من أجلِ الحرية، بعدَه صارت تضحياتُهم من أجلِ التعايشِ أيضًا. حين كنا نناضِلُ في سبيلِ الحريّةِ كوفِئْنا، وها هو لبنان.

 

ولـمّـا قاومْنا في سبيلِ التعايشِ عوقِبْنا، وها هي اللُبْنانات. مع البطريرك صفير حَملنا صيغةَ التعايشِ ومَشينا نُبشِّرُ بها دينَ الشرقِ الجديد. وكلما أُصيبَت كنّا نُضمِّدُ جِراحاتِها ونَعُضُّ على جروحاتِنا حتّى صارت المسيرةُ جُلجلةً.

 

ورغمَ أنَّ التحولاتِ اللبنانيّةَ والمشرقيّةَ نالت من الصيغةِ مَقتلًا، جَدَّدنا الإيمانَ بها على رجاءِ قيامتِها. فأهلُ صيغةِ التعايش، وإن انحَسروا، ما زالوا يدافعون عنها كما كان قلبُ البطريركِ صفير يُدافع وهو في غرفةِ العنايةِ الفائقة. ولـمّـا أسلمَ الروحَ، صَرَخَتْ: «خُذني معَك»…

 

 

مار نصر الله بطرس صفير.. كرَّم الله وجهَك

د.مصطفى علوش

 

 

«دخلت على تاريخنا ذات ليلة      فرائحة التاريخ مسك وعنبر

وكنت فكانت في الحقول سنابل     وكانت عصافير وكان صنوبر

لمست أمانينا فصارت جداولا      وأمطرتنا حبا وما زلت تمطر»   (نزار قباني)

 

«في البدء كان الكلمة»، وفي النص اليوناني لإنجيل يوحنا يقول «في البدء كان اللوغوس» وهي لفظة يونانية قديمة عنى بها من أطلقها وهو الفيلسوف الكبير «هرقليطس» بأنه النار الأزلية التي تنير الضمائر وتدفع البشر النيام على جهلهم ليستفيقوا ويحكموا عقوله في شؤونهم. ليس هناك أكثر أهمية من الكلمة العاقلة المسنيرة باللوغوس في أحداث التغيير، فبالكلمة تبدأ الحكاية وبالكلمة تصنع الأفكار وبالأفكار تنسج الحرية والحرية تصنع العجائب.

 

كان والدي يحلم بيوم الحرية، وكان يقول إن مناه هو اليوم الذي يشهد فيه خروج آخر جندي سوري من لبنان. ووالدي لم يمكن يوماً إلا عروبياً يحلم بوحدة العرب، ولكنه كان يكره الاستبداد، وعانى كما عانى كل اللبنانيين ظلم أجهزة القمع ومواقع المخابرات المعروفة التي نصبتها سلطة الوصاية لمراقبة وخنق كل نفس حر كان يحلم به اللبنانيون.

 

والدي كان يواظب على الاستماع لموعظة غبطة البطريرك نصرالله بطرس صفير كل، أحد وكان يقول لي: «اسمع يا ابني، إذا أردنا أن نتحرر يوماً فما علينا إلا سماع كلمات «البطرك» فهو يرسم لنا طريق الحرية». لم يعش والدي ليرى وعد الحرية يتحقق على يد مئات الآلاف من اللبنانيين الذين مشوا على صدى كلمات البطريرك، فكان لهم ما أرادوا وتمنوا على مدى ثلاثين سنة يوم اجتمعوا مسلمين ومسيحيين يرددون مقاطع من عظات غبطته ملخصها: سيادة حرية استقلال حقيقة وعدالة.

 

خلال الانتداب الفرنسي على لبنان، وبمسعى من المثلث الرحمات البطريرك الياس الحويك، أعلنت دولة لبنان الكبير بعد ضم أقاليم الى ما كان يعرف بإمارة جبل لبنان. لا نعلم اليوم ما كان يجول بخاطر البطريرك وقتها فدفعه الى وضع مسيحيي الجبل، ومعظمهم من الموارنة، تحت رحمة التبدلات الديموغرافية غير المحسوبة، بدل البقاء في دويلة صافية مذهبياً، فضم أقاليم ذات أكثرية ساحقة من المسلمين (مع وجود فيها لمجموعات متفرقة من الموارنة).

 

قد يكون في سجلات الكنيسة المارونية مدونات عن مسوغات هذا القرار وقد لا يكون، ولكن، وبالنتيجة، فقد أصبح لبنان مشروعاً لمغامرة حضارية ونموذجاً لا مثيل له في العالم.

 

وقد يكون البطريرك هدف من وراء كل ذلك الى الإثبات بأن المحبة قادرة على تخطي الاختلاف، لأن الطبيعة البشرية قادرة على التسامح وتفهم الآخر متى أعطيناها الفرصة لمعرفة الآخر المختلف، هذا لأن التعصب والعدائية ضد الغير المختلف أساسها الجهل والإحجام عن معرفة الآخر.

 

وهذا هو بالذات جوهر الإرشاد الرسولي بخصوص لبنان الذي ساهم بوضع أسسه غبطة البطريرك صفير. لقد فهم غبطته منطق الوصاية المبني على فلسفة الاستعمار القديم الذي يقول «فرق تسد»، لذلك فقد استمرت التفرقة والفتنة سلاحاً في يد المحتلين لاستمرار وصايتهم على لبنان لدرجة أن بعض دعاتهم كانوا يروّجون بأن منطق تحالف الأقليات في الشرق هو السبيل للحماية من الأكثرية، وبأن حماية المسيحيين في لبنان بالذات مرهونة لاستمرار الوصاية السورية في ظل المنطق الأقلوي. لقد رفض البطريرك هذا المنطق جملة وتفصيلاً، مؤكداً على أن الحرية هي التي دفعت الموارنة للهجرة الى لبنان.

 

لذلك فإن الحرية وحدها هي السبيل للمحافظة على وجودهم في لبنان وفي المشرق بأجمعه. وعلم بأن السبيل الوحيد الى الحرية هو في قطع دابر الفتن المخطط لها بشكل دقيق لاستمرار الوصاية.

 

لذلك، فقد دعا مبكراً الى الالتزام بمبادئ المواطنية والتفاهم مع المسلمين، ولم ترهبه مظاهرات حاملي السواطير من أتباع أجهزة المخابرات الذين حاولوا إشهار سلاح الفتنة، لأنه كان يعلم أن أغلبية مسلمي لبنان الساحقة لها الآمال نفسها لأغلبية المسيحيين، وهي الحياة الحرة والكريمة في ظل وطن يجمع الكل تحت رايته.

 

لقد نجح اللبنانيون في تخطي هواجسهم الطائفية، ولو لفترة وجيزة في تاريخهم، يوم اجتمعوا لأول مرة تحت شعارات وطنية واحدة في 14 آذار، ولم يكن ذلك ممكناً لولا الكلمة الحكيمة التي كان يطلقها غبطة البطريرك نصرالله بطرس صفير. اليوم فارقنا مثلث الرحمات البطريرك مار نصر الله بطرس صفير وقد كرم الله وجهه بأن عفاه من ذل تولية وجهه نحو الأوثان والأصنام، هؤلاء الذين نكلوا بكل ما حلم به غبطته في حياتهم هؤلاء الذين زرعوا الموت والدمار والبراميل المتفجرة، ومن سمموا الهواء بالغاز القاتل، ومن استدرجوا رعاع الأرض وحثالتها من حشد وداعش ليفسدوا في البلاد والعباد.

 

كرم الله وجهه لأنه لم يدخل في تجربة الخضوع والذهاب إلى دمشق تحت نير الإحتلال، ورفض كل الإغراءات التافهة بأمجاد السلطة الفانية، ولم يرهبه بالمقابل غوغاء من هاجموه في صرحه يوم آثر الذهاب إلى السلم الأهلي بدل الأوهام الإنتحارية والحرب العبثية ورايات النصر الفارغة، يطلقها قائد موهوم بآفة العظمة الذاتية.

 

سيدنا أنا قد يكون من المثير للشفقة بنا إن دعونا لك بالرحمة، فأنت موكل بطلب الرحمة لنا من حيث ستكون حتما إلى جوار القديسين، لكننا سنفتقد وجودك بيننا، وستبقى ذكراك في كل يوم نستذكر أبطال استقلالنا.

 

 

بطريرك الإستقلال الثاني… وداعاً

شارل جبور

 

في 25 آذار 2011 سلّم البطريرك مار نصرالله بطرس صفير الأمانة إلى البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، وفي 12 أيار 2019 سلّم روحه الى الله، وما بينهما كان خارج المسؤولية البطريركية التي مارسها لربع قرن بين عامي 1986 و2011.

 

تكللّت حبرية البطريرك صفير بإنجازات عدة دينية ووطنية، وسيحفظ التاريخ كثيراً من مواقفه التي تجسِّد عمق إيمانه بالحرية والشراكة الحقيقية والسيادة والاستقلال، لكنّ الإنجاز الأبرز الذي طبع مسيرته الوطنية تمثّل بتغطيته «اتفاق الطائف» من أجل إنهاء الحرب اللبنانية وقيادته السفينة حتى إخراج الجيش السوري من لبنان.

 

فالاستقلال الثاني الذي كان يفترض ان يتوّج مع «اتفاق الطائف» من خلال تجديد اللبنانيين اتفاقهم الميثاقي والكياني تأخّر من العام 1989 حتى العام 2005، ولم يهُن على البطريرك صفير ان يكون قد خُدِع بتراجع بعض من في الداخل والخارج عن التزاماتهم بتطبيق «وثيقة الوفاق الوطني»، او ان تكون ظروف المنطقة تبدلّت بين لحظة توقيع الاتفاق ولحظة ترجمته على أرض الواقع، فقاد مواجهة ثأرية بمفعول رجعي وصولاً الى إخراج الجيش السوري من لبنان.

 

صفير هو بطريرك الاستقلال الثاني بامتياز من رعايته «اتفاق الطائف» إلى مساهمته الأساسية في إخراج الجيش السوري من لبنان، ومن كان يتصوّر أساساً انّ هذا الجيش سيخرج من لبنان، بل كل التقديرات كانت أنّ لبنان دخل في عصر السورنة الذي لن يقل زمنياً عن عصر العَثمنة، وقوة البطريرك وحكمته انّه وَقّت انتفاضته على الوصاية أو الإحتلال مع انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان.

 

فكل نظرية بقاء الجيش السوري كانت مرتبطة ببقاء الجيش الإسرائيلي، ولم يكن يظنّ النظام السوري يوماً انّ هذا الجيش سيخرج من لبنان، بل بَنى كل سياساته على قاعدة ان جنوب لبنان سيكون نسخة طبق الأصل عن الجولان، وبالتالي بقاء الإسرائيلي يبرر حكماً بقاء السوري، وأي مطالبة بإخراج السوري في ظل استمرار الإسرائيلي كانت تواجه بالتخوين. أما وقد انسحب الإسرائيلي فسقطت الحجة الأساس التي استند إليها نظام البعث لتحقيق مشروعه العقائدي بضَم لبنان إلى سوريا سياسياً في انتظار الظروف التي تسمح له بضَمّه جغرافياً.

 

وقد أمهل البطريرك صفير النظام السوري من تاريخ الانسحاب الإسرائيلي في 25 أيار من العام 2000 حتى 20 أيلول من العام نفسه، وعندما رأى انّ هذا النظام ليس في وارد رفع وصايته عن لبنان أطلق البيان الرقم واحد، البيان النداء الأيلولي الأول الذي ارتكز على جملة مفتاح وهي انه مع خروج الجيش الإسرائيلي حانَ الوقت لخروج الجيش السوري عملاً بالقرار 520 وبـ«اتفاق الطائف». ورفض النداء كل الحجج التي تقول انه «إذا انسحب الجيش السوري من لبنان، قامت فتنة فيه، أو انّ وجوده أصبح جزءاً لا يتجزأ من السلم اللبناني، أو أنه ينسحب إذا طلبت منه الحكومة اللبنانية الانسحاب»، واصفاً إيّاها بالحجج الواهية التي عمل على إسقاطها الواحدة تلو الأخرى من خلال قيادته المباشرة لمعركة الاستقلال الثاني، ورعايته غير المسبوقة في تاريخ البطريركية المارونية للقاء سياسي عُرف بـ«لقاء قرنة شهوان».

 

ولم يأبه البطريرك صفير للانتقادات التي كانت توجّه إليه من أنه يميِّز بين أبناء رعيته من خلال رعايته للقاء سياسي، حارماً هذه الرعاية على لقاءات أخرى أتت إليه معترضة وطالبة رعايته ومساواتها بغيرها، فكان يؤكد ويشدد ان «لا تمييز دينياً ورعائياً بين أبناء الرعية الواحدة، ولكن لكل من يطلب الرعاية الدينية-الوطنية عليه ان يتبنى أفكاري وتوجهاتي الوطنية والسياسية كما فعل «لقاء قرنة شهوان»، فلا رعاية على قاعدة 6 و6 مكرر، ولا رعاية على طريقة «تبويس اللحى»، إنما للرعاية شروطها الوطنية، ومن يحبّ فأهلاً وسهلاً به شريطة ان يتبنّى النداء الأيلولي كدستور وخريطة طريق لعمله الوطني».

 

فلا نقاش مع صفير في معركته من اجل الاستقلال، ولا مساومة ولا تساهل ولا تراجع، وكان حاسماً في خطابه وتظليله كل من قرر ان يخوض معركة الاستقلال تحت مظلة بكركي التي نجحت في توحيد الجسم السيادي المسيحي، وتجسير العلاقات مع المسلمين إسقاطاً لنظرية النظام السوري أنّ انسحابه من لبنان يؤدي إلى عودة الحرب الأهلية، فكانت مصالحة الجبل التي شَقّت الطريق نحو اللقاءات مع تيار «المستقبل» وصولاً إلى مصالحة انتفاضة الاستقلال في 14 آذار 2005، فإخراج الجيش السوري من لبنان في 26 نيسان 2005.

 

وإذا كان إخراج الجيش السوري من لبنان غير ممكن من دون تبلور ظروف خارجية مؤاتية، فإنّ إخراجه غير ممكن ايضاً من دون تبلور ظروف داخلية مؤاتية، وهذه الظروف بالذات التي عمل صفير على تهيئتها من خلال توحيد الحركة السيادية والتي من دونها كان، ربما، فَوّت لبنان على نفسه الـ momentum الخارجي، وبالتالي لولا صفير لما خرج الجيش السوري من لبنان، ولا كان لبنان انتزع استقلاله الثاني.

 

فالبطريرك صفير هو بطريرك إنهاء الحرب ورعاية «اتفاق الطائف» وإخراج الجيش السوري من لبنان، وهو بطريرك السيادة الرافض وجود اي سلاح خارج إطار الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، وهو بطريرك العيش المشترك بإصراره الدائم على المصالحات والانفتاح والمساواة والشراكة المسيحية-الإسلامية الحقيقية، ومرافقته البابا بولس يوحنا الثاني الذي قال جملته الشهيرة وهو الى جانب صفير «لبنان وطن الرسالة»، وهو بطريرك الحرية التي تعلو ولا يُعلى عليها وهو القائل «لو خُيّرنا ما بين العيش المشترك والحرية، لاخترنا الحرية»، لأن لا عيش مشتركاً بلا حرية، والعيش المشترك هو نتيجة اقتناع اللبنانيين بالعيش معاً في تجربة إنسانية نموذجية لا يمكن ان تتحقق بلا حرية.

 

صخرة البطاركة..

جورج حايك

 

شارك البطريرك الماروني الكاردينال الراحل مار نصرالله بطرس صفير في صنع التاريخ المعاصر في أكثر من مرحلة من مراحل التحوّلات المصيريّة والمفارق الأساسيّة. وكان له الدور الأبرز في رسم الحدود السياسيّة والجغرافيّة للكيان اللبناني الحالي بين عامي 1986 و2011.

مع البطريرك صفير، لم تفقد البطريركيّة المارونيّة دورها الرائد، وإن حاول البعضُ التطاول عليها مجرِّحاً ومنتقصاً من إيمانها بالمواقف التي تعلنها. ولا يختلف اثنان على أنّ صفير شكّل بشخصه وثباته قيمةً كبيرة للوجود المسيحي في الشرق. فكان يتكلّم بحرّية ضمير وصراحة بعيداً من أيّ مصلحة، مطالباً على نحو دائم، وفي أحلك الظروف، بسيادة لبنان وحريّته واستقلاله.

وكانت العظة التي يلقيها في قداس الأحد في كنيسة المقر البطريركي في بكركي، محطّ ترقّب وانتظار. ماذا قال البطريرك اليوم؟ ماذا فعل؟ من استقبل؟ هل سمعت تصريحه؟ لم يسبق أن توجّهت الأنظار إلى بكركي بهذا الشكل، على الأقل، منذ الاستقلال.

والسبب أنّ الصرح كان يقيم فيه بطريركٌ تاريخي، يقتحم، بيده وعصاه وإيمانه، الحياة اليوميّة. ينتقد، يعرض، يحاور. ثابت، مبدئي، جريء، هادئ. مواقفه لا لبس فيها ولا مناورة. لاؤه لا، نعمه نعم، همّه حماية التعايش، صون الميثاق الوطني، والدفاع عن الوجود المسيحي الحرّ في لبنان.

من انتخابه بطريركاً عام 1986، وحتى قبول الفاتيكان استقالته عام 2011، وعى حجم المسؤوليات الملقاة عليه، وصليب مسيحيي الشرق الذي كان يحمله.

كان يقول كل شيء بإحترام لأنه يحترم ذاته ومقام البطريركيّة، وكان دائماً يطالب بالحقّ من دون أن يتهجّم على أحد أو أن يجرح أو يخدش كرامة أحد.

البعض كان يضع البطريرك في حساباته وكأنه الخصم، وهذا غير صحيح. فهو كان أباً للجميع، الّا انّ الساحة السياسيّة كانت تضمّ أطرافاً مسيحيين عدة غير متّفقين على استراتيجيّة الوجود المسيحي في لبنان، وكل طرف أو حزب مسيحي كانت له نظرته في هذه الاستراتيجيّة، ما كان ينعكس نزاعاً بين الأحزاب والتيارات المسيحيّة. أما البطريرك صفير فبقي متمسّكاً بمواقفه الوطنيّة الثابتة التي لا تتبدّل ولا تتقلّب كما المواقف السياسيّة.

لم يغيّر في خطابه من العام 1986 حتى العام 2011، ولم يحاول استمالة أحد أو استبعاد أحد. وليس مجاملة أو دفاعاً عن البطريرك، إنما انطلاقاً من مواقف موثّقة في أرشيف البطريرك صفير الذي كان ربما في وقت من الأوقات المرجعيّة المسيحيّة الوطنيّة الوحيدة في البلد.

حين كان العماد ميشال عون في المنفى والدكتور سمير جعجع في السجن والرئيس أمين الجميل والعميد ريمون إده في الخارج، خلت الساحة المسيحيّة من زعمائها، فبقي البطريرك صفير ثابتاً في موقفه من الحفاظ على الوجود المسيحي وكرامة المسيحيين وحقوقهم، فاستقطب الوهج السياسي واستقطبت معه بكركي المسؤولين الدوليين الكبار، وفي ذلك دلالة الى قيمة هذا الرجل، ليس فقط الوطنيّة، وإنما الدوليّة أيضاً، لأنّ مقام البطريركيّة كان دائماً السند الأول لجميع اللبنانيين.

«مجد لبنان أعطي له». كان يبرهن هذا الشعار في عمل يومي متواصل، حاملاً على منكبيه بصلابة الأب العادل والراعي الصالح، شؤون أبنائه وشجون طائفته وهموم وطنه الذي أُعطي مجده.

إذا كان البطريرك الياس حويك قد أخرج لبنان من مطامع الامير فيصل في مؤتمر فرساي عام 1919، والبطريرك بولس المعوشي الرئيس اللواء فؤاد شهاب من معركة التجديد في حديقة البيت الابيض عام 1961، فإنّ البطريرك مار نصرالله بطرس صفير أخرج الجيش السوري بعد إخراج الجيش الاسرائيلي عام 2000، وظل يطرق بعصاه حتى افتُدي هذا الخروج باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه عام 2005!

هذا البطريرك الذي لا يملك سلاحاً، الّا سلاح الموقف بالحق والمجاهرة بالكلمة أنجز مشروع الاستقلال الثاني المصطبغ بدماء قافلة من شهداء الرأي والقلم سواء في سدّة المسؤولية او خارجها!

هذا البطريرك الذي حمل صليب النزاع الماروني على السلطة عام 1988 لم يقوَ على وضع حدّ لإراقة الدماء، الّا بعدما وضع لبنان في عهدة «اتفاق الطائف» عام 1989 مكرّساً بداية السلم الاهلي الذي ظلت سوريا مسؤولة عنه حتى خروجها الإكراهي عام 2005 تحت ارادة شعبية عارمة ضاغطة.

هذا البطريرك الذي استطاع بفضل ثباته وعناده أن يثبّت ركائز العيش المشترك بين اللبنانيين جميعاً، مهما تباينت مواقفهم. ونجح في سينودوس 1994 وسينودوس عام 2010 أن يجوهر معنى هذا العيش في وثيقة الارشاد الرسولي الذي أطلقه البابا يوحنا بولس الثاني في حريصا عام 1997 بدعوة من رأس الكنيسة المارونية.

هذا البطريرك الاستثنائي الذي عبر طريقه المحفوف بالاشواك المدمية، حقق ما لم يحققه أيُّ مدفع او سلاح لإيمانه بأنّ هناك رباً يرعى لبنان بعنايته وقديسيه، اذ يكفي في عهده أن يشهد لبنان تطويب أكبر عدد من رعيل القداسة في الكنيسة المارونية.

لا ينتظر البطريرك من عليائه أن نكيل له المديح، فقد اعتاده، ولم يتأثر سواء بالمقرّبين وكلامهم الممجوج أحياناً، او بالبعيدين الذين يوجّهون له التهم بالإنحياز وصولاً الى الحقد.

لكن كلمة حقّ تُقال: كان البطريرك مار نصرالله بطرس صفير «صخرة البطاركة»، وعلى هذه الصخرة تفتت المؤامرات، لذلك يقولها الجميع وبلا حرج: إنه رجل عظيم مضى إلى رحاب التاريخ، حيث مكانته ومكانه الحقيقي.

 

 

تحضيرات الوداع الأخير «لضمير لبنان»

مرلين وهبة

 

تتحضّر بكركي برهبةٍ وحزنٍ لاستقبال جثمان بطريرك الاستقلال مار نصرالله بطرس صفير صباح غد الأربعاء، فيما الترتيباتُ لمواكبة الجثمان تتواصل في الصرح البطريركي بتفاصيلها الصغيرة والكبيرة وسط أحاديث كثيرة تناقلها زائرو الصرح الذي توافدوا بعفوية من الصباح الباكر بعدما هالهم الخبر الأليم، واسترجعوا مع الحاضرين وأهل البيت في بكركي ذكرياتٍ مجيدة للبطرك العظيم تُخلّد صفحات تاريخ لبنان …

 

أعلنت بكركي الحداد، فيما أعلنت اللجنة المتابعة لترتيبات التعازي برنامج الأسبوع الأليم، داعيةً اللبنانيين الراغبين بالتعزية بالبطريرك الراحل التوافد طوال الأسبوع منذ صباح الإثنين حتى مساء الجمعة، وقد أُرجئت مراسم الجنازة الى يوم الخميس في انتظار الوفود القادمة من الخارج لاسيما الوفد الرسمي الآتي من الفاتيكان للتعزية، بعدما تمّ إبلاغ الكرسي الرسولي بواسطة السفارة البابوية في لبنان وكذلك بسبب إصرار بكركي على ضرورة أن يُسجّى الجثمان أقلّه خلال ٢٤ ساعة إكراماً لهالته الجليلة.

 

بكركي أعلنت أنها ستضع باصات عدة بتصرف المؤمنين الراغبين بالمشاركة في مراسم الجنازة في مواقف محدَّدة للسيارات ستعلن عن نقاطها لاحقاً ومنها ساحة الملعب البلدي في جونية، وذلك تسهيلاً لنقلهم الى بكركي للمشاركة في مراسم الجنازة المهيبة يومَ الوداع والذي أرادته يوماً تاريخياً لا يُنسى يشهد عليه الللبنانيون الوطنيّون.

 

وبدأت التحضيرات لتصنيع ٧ آلاف قبعة تتوسطها صورة البطريرك الكبير سيخلعها المؤمنون إجلالاً واحتراماً للجثمان فور وصوله الى الصرح الأحب الى قلبه…

 

خلية نحل روحية وإعلامية في بكركي للاطّلاع على تفاصيل ترتيبات الأيام الحزينة المقبلة وآلية التعازي، والجميع طالب بأسبوع حداد قبل القرار الرسمي للحكومة اللبنانية التي قرّر رئيسُها سعد الحريري بطلب من رئيس الجمهورية إعلان الاربعاء والخميس يومَي حداد رسمي على أن تقفل المؤسسات والإدارت الرسمية والتربوية إقفالاً تاماً يوم التشييع أي نهار الخميس المقبل.

 

فيما أعلن أمين عام المدارس الكاثوليكية الأب بطرس عازار عن اقفال المدارس والجامعات نهار الخميس على أن يخصص هذا الأسبوع للصلاة في المدارس عن راحة نفس البطريرك صفير مع إعلان الخميس يوم حداد وطني في كافة المؤسسات التربوية التابعة للمدارس الكاثوليكية.

 

سبعة آلاف كرسي تجهّز بكركي لوضعها في الباحة الخارجية للصرح على أن يُثبَّت المذبح أمام المدخل الخارجي مباشرة مثلما كانت الترتيبات للإحتفال بالذبيحة إبان الزيارة التاريخية للبابا بينيديكتوس السادس عشر الى لبنان … على أن يُسجى الجثمان في الكنيسة الداخلية للصرح… ومن المتوقع أن تكتظ الساحات ومنافذ الطرقات الساحلية المؤدية الى بكركي.

 

وكذلك توقع زوار بكركي أمس أن يشهد لبنان يوم الأربعاء المواكب لجثمان الراحل الكبير تحرّكاً تاريخياً حاشداً توقعه أيضاً المعزّون والإعلاميون لنهار الخميس بعد مواكبتهم امس للترتيبات والتحضيرات التي سترافق يوم الجنازة التاريخية في بكركي، ولا سيّما بعد مبادرة زعيم المختارة رئيس حزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط بدعوته أهالي الجبل أيضاً للزحف الشعبي على بكركي إكراماً لرجل الاستقلال الإستثنائي.

 

 

البطريرك مات… فماذا عن «لبنان الكبير»؟

طوني عيسى

 

أي رمزية شاء القدَر أن يحملها بغياب البطريرك مار نصرالله بطرس صفير؟ لقد رحل البطريرك الذي وُلِد مع لبنان الكبير، في العام 1920. وجاء الرحيل في لحظات تختلط فيها الآلام بالآمال حول مصير ذاك «اللبنان»، وحول ما إذا كان سيبقى كبيراً بالفعل…

 

لبنان الكبير، ذاك، هو نفسه ثمرة جهدٍ بذله البطريرك السلف، الياس الحويك. كان هاجسه آنذاك أن يخرج الموارنة والمسيحيون من عزلتهم في جبل لبنان إلى لبنانٍ كبيرٍ يضمن لهم عدم تكرار تجربة المجاعة التي كانت بمثابة إبادةٍ (مقصودة أو غير مقصودة) لثلث أهل الجبل!

 

لبنان، ذاك، أرادَتْه البطريركية ضماناً للموارنة والمسيحيين، ولكن أيضاً مساحةَ لقاء فريد من نوعه بينهم وبين المسلمين. وليس سرّاً أنّها قايضت الغالبية العددية بهذا الضمان. فالمسيحيون كانوا غالبية ساحقة في الجبل، وصاروا دون الـ60% في لبنان الكبير 1920، وانقلبوا إلى 40% اليوم.

 

مخاض الشرق الأوسط عنيف ومستمر. ومعه يطرح الجميع أسئلة جديدة عن ضماناتهم: هل إن لبنان الكبير، ذاك، ما زال يشكّل للموارنة، والمسيحيين عموماً، ولكل المجموعات الأخرى، طائفية ومذهبية وسياسية وثقافية، ضماناً لهم كما كان آنذاك…

 

في الطريق الصعبة التي مشى فيها اللبنانيون منذ أكثر من نصف قرن، الأشبه بالمرور في وادي الدموع، كثيرٌ منهم طرَحَ أسئلة حول المصير. ولا بدّ أنهم مرّوا بساعات كثيرة من «التخلّي» تلتها ساعات من «التجلّي»: نريد لبنان، ذاك، أو لا نريده!

 

الأمر طبيعي. فحتى رجال الدين الخُلَّص لأديانهم يمرّون أحياناً في لحظات إلحادٍ أو تشكيكٍ أو ظُنون… ثم يعودون… وربما كثيرٌ منهم لا يعود إطلاقاً كما كان.

 

هكذا… يبدو رحيل بطريرك لبنان الكبير مناسَبةً مؤاتيةً جداً لطرح السؤال عمّا إذا كان ذاك اللبنان هو أيضاً في طريق الرحيل… وهذا السؤال يجدر طرحُه أيضاً مع رحيل كل الكبار من علماء ومفكرين وشعراء وفنانين يمثّلون ذاك اللبنان، من شارل مالك والأخوين رحباني وصباح ووديع الصافي إلى أنسي الحاج وموريس عواد… وعذراً لعدم وجود متّسع لذكر الجميع.

 

البطريرك صفير هو واحدٌ من حبّات «المسبحة» العظيمة المعلَّقة على عنق لبنان الكبير. «فقَعَت» «المسبحة» و»هَرَّت» حَبّاتها طبيعياً وبفعل الزمن. «كلُّ نفسٍ ذائقةٌ الموت».

 

التحدّي ليس في رحيل الكبار، بل في أن يَستولدوا آخرين. أن تكون هناك «مسبحةُ» إيمانٍ بلبنان، حبّاتُها جديدةٌ وقابلةٌ للحياة مئة عام أخرى.

وفي عبارة أخرى، هل سيحظى لبنان الكبير بمن يدافع عنه؟

 

أي، هل سيعيش لبنان الكبير، ذاك، مئةَ عام أخرى…

 

هذا هو المكان الذي يمكن أن يبكي فيه اللبنانيون فعلاً، لا سواه… ولو كان البطريرك صفير على قيد الحياة وعاش التجربة، لكان بكي هنا، لا في مكان آخر…

 

رحمة الله على البطريرك. كتب الله عمراً جديداً للبنانه الكبير.

 

 

 

عندما خصّص فرنجيّة جلسة تصوير للبطريرك!

عماد مرمل

 

قد تختلف مع البطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير أو تتفق معه، لكن الاكيد انّ الرجل كان يحظى بالاحترام لدى الخصوم والأصدقاء. وبهذا المعنى، فإنّ تجارب أولئك الذين كانوا على خصومة سياسية معه لا تقل «غِنى» عن تلك التي يختزنها مؤيّدوه.

 

ليس خافياً انّ صفير كان صاحب خيارات سياسية جذرية، وضعته في مواجهة فريق من اللبنانيين يتمسّك بخيارات مضادة، خصوصاً على مستوى النظرة الى سلاح المقاومة والعلاقة مع سوريا.

 

إلّا أنّ هذا التباعد بين صفير وبعض القوى الداخلية على الساحتين المسيحية والاسلامية لم يقطع خيوط الحوار بين الجانبين، ولو بَدت وتيرته متقطعة، بل بقيت أبواب بكركي مفتوحة أمام أصحاب «الرأي الآخر» الذين كانوا يحرصون على استمرار التواصل معها، لشرح حقيقة مواقفهم بعيداً من محاولات التشويه والتأويل من جهة، ولئلّا يكون البطريرك تحت تأثير أدبيات أو مصالح طرف واحد من جهة أخرى.

 

إستطاع صفير، الى حد كبير، أن يجمع الصلابة والمرونة في وعاء شخصية واحدة، ولعلّ تجربة رئيس تيار «المردة» الوزير السابق سليمان فرنجية تختصر كثيراً من الدلالات على هذا الصعيد. كان الخلاف السياسي عميقاً بين صفير وفرنجية، إلّا انهما استطاعا تنظيمه والتعايش معه، وصولاً الى فصل الجانب الشخصي عن الجانب العام.

 

التصلّب في مواقف صفير واقتناعاته، لم يمنعه من الانفتاح على الحوار مع فرنجية. صحيح أنّ الجسور تصدّعت أو انقطعت في أوقات معينة، الّا انّ فترات القطيعة كانت قصيرة عموماً، ليعود التواصل مجدداً على قاعدة احترام كل منهما لخصوصية الآخر. وعلى رغم من «عناد» البطريرك في المسائل الجوهرية، إلّا انّ فرنجية كان ينجح احياناً في إقناعه بتدوير بعض الزوايا الحادة، ليكتشف لاحقاً انّ هناك في محيط صفير مَن دخل على الخط للتشويش.

 

كثيراً ما تناقش الرجلان حول الوجود السوري في لبنان وانعكاساته على الحضور المسيحي. لم يُخف صفير معارضته الحادّة للدور السوري ومفاعيله على التوازنات الداخلية، بينما كان فرنجية يؤكد له انّ الخطر على المسيحيين ليس مُتأتياً من دمشق «التي تريد أفضل العلاقات معهم ويهمّها تعزيز حضورهم، لا العكس».

 

هذا التعارض في مقاربة سياسات دمشق ونيّاتها، لم يؤثر على احترام صفير لزعامة فرنجية وتعاطيه الواقعي مع ما كان يمثّله الرجل من مرجعية مسيحية في السلطة، إبّان وجود العماد ميشال عون في المنفى ورئيس «القوات» سمير جعجع في السجن. وسجّل البطريرك لرئيس «المردة» في تلك الحقبة انه أسدى كثيراً من الخدمات للمسيحيين، إنطلاقاً من كونه صاحب نفوذ وازن في الدولة حينها.

 

واللافت انّ الخلافات الواسعة حول ملفات عدة، لم تمنع حصول تقاطعات سياسية في بعض المحطات كما جرى بالنسبة الى قانون الانتخاب عندما كان فرنجية وزيراً للداخلية.

 

آنذاك، نجح فرنجية في تأمين تغطية من «حزب الله» والرئيس السوري بشار الأسد لقانون الستين (القضاء) الذي كان مطلب بكركي الاساسي، ثم زار صفير لاحقاً وأبلغ اليه انّ هذا القانون الذي هو طموح المسيحيين بات يحظى بتأييده وبدعم حلفائه. لكنّ المفارقة انّ بعض أصدقاء صفير هم الذين خذلوه لاحقاً ودفعوا في اتجاه إقرار صيغة انتخابية أخرى.

 

لم يكن صفير يتأخّر في تحديد موعد لفرنجية كلما طلبه، كذلك كان يحرص على استقباله بحفاوة، في إشارة الى انه يميّز التباين السياسي عن الودّ الشخصي. وحين زاره في الديمان مرة على رأس وفد كبير من «المردة»، خاطَبه صفير بالقول: «هذا الشبل (فرنجية) من ذاك الأسد».

 

وفرنجية بدوره كان يرد على التحية بمثلها أو أحسن، كما حصل عندما اقترح على صفير أن يخصّص له جلسة تصوير فوتوغوافي، وهو المعروف عنه بأنه يجيد التصوير الذي يُعتبر من هواياته المفضّلة.

 

وافق البطريرك على عرض فرنجية الذي أمضى خلال أحد الايام ساعات طويلة في الديمان وهو يلتقط صوراً لصفير، في داخل المقر البطريركي الصيفي ومحيطه، علماً انّ كثيراً من صوره المتداولة تحمل بصمات فرنجية.

 

 

البابا صفير!

جوزف طوق

 

أتذكّر جيداً، كما لو أنّها البارحة، كنّا مجموعة من الشباب والشابات في عمر الطعش، نحمل أعلاماً حزبية متنوّعة وصور زعماء ويافطات، ونركض تحت الشمس من مفرق إلى مفرق، ومن طريق فرعية إلى أخرى، لمشاهدة موكب البابا يوحنا بولس الثاني يجول بسيارته البيضاء شوارع بيروت عام 1997، وأتذكّر جيداً لهفة الحماس التي كنّا نشعر بها لدى هتافنا شعاراتنا التي كنّا محرومين من غنائها.

 

وتوّجهنا بعد الظهر، بعتادنا وعرقنا وتعبنا وحماسنا إلى كاتدرائية سيدة لبنان في حريصا، ووقفنا هناك في الساحة الكبيرة ننتظر إطلالة البابا من على الشرفة ليبلّل آمالنا بوعد أو قرار أو أي شكل من التغيير. لكن وقتها، كما لو أنّ كلام البابا يوحنا بولس الثاني لم يعنينا، أو الأرجح لم نفهمه، بل الذي دخل قلوبنا وسكن أفكارنا كان كلام البطريرك صفير حينها.

 

هل هي أعجوبة كانت، أو لحظة تجلٍّ، أو مرحلة وعي، لا نعلم… ولكن بعد كلام البطريرك، إنتبهنا إلى أنّ الساحة كانت مقسّمة إلى مجموعات، وكل واحدة تنادي باسم مصالحها وزعمائها… تنبّهنا إلى أنّ لكلّ مجموعة قضية وشعاراً وعلماً… أمّا ذلك الملتحي الوقور، فكان ينادي بقضية واحدة جامعة رسولية وطنية سياسية، كان يتحدّث باسمنا مجتمعين نحن المنقسمين، كان يكدّس كل همومنا ومطالبنا في كفّ، وفي الكفّ الآخر كان يلوّح لنا بالحرّية والانعتاق.

 

أدركنا في لحظتها، أنّ جنب البابا القادم من الفاتيكان، كان يقف هناك بابا آخر، بابا لنا نحن الشباب اللبناني الذين كنّا أيتام الأمل، بابا يخاف علينا بلا تفرقة ولا تفضيل، بابا يريد مصلحتنا الوطنية وليس الشخصية، بابا يلبس جبّة سوداء حتى لا تبان عليها دموع أولاده وهمومهم ومخاوفهم التي كان يمسحها بها، ويقول كلمته ويمشي.

 

أتذكّر أن ليلتها، تركنا نحن المجموعة أعلامنا في الساحة فوق، وتركنا معها إنقساماتنا، وعدنا الى الطريق حاملين قضية أخرى زرعها فينا البابا صفير، قضية ليس لها لون او علم أو يافطة أو صورة، قضية لها بلد إسمه لبنان.

 

لا نخفي أنّ حينها خفنا أن يخذلنا كما خذلنا كثير من زعمائنا، أن ينكث بوعوده ويبدّل مواقفه ويرضخ. لكن قبل أقل من 4 سنوات وفي عام 2001 كنّا شهوداً على وطنيته الراسخة والمتجدّدة بالمواقف الجريئة، وتابعنا دعوته إلى لقاء قرنة شهوان التي فاقت برمزيتها لدى البعض ما أنجزه رجالات وقامات وطنية في قلعة راشيا عام 1943. كما تمكّن وحيداً، وقبلها بعام فقط، من إنجاز ما عجزت عنه كل البواريد والمتاريس والتحالفات والزعامات، ورسّخ مصالحة الجبل عام 2000 وضَمَن عودة آلاف العائلات المهجّرة إلى قراها. خفنا أن يخذلنا، ووجدنا أنفسنا نستكمل الطريق مع مواقفه وتصريحاته إلى ثورة الأرز ورحيل الجيش السوري وانبثاق الاستقلال الثاني.

 

منذ 22 عاماً، كنّا مجموعة، ثم أصبحنا مجموعات، ومواطنين من كلّ الأديان والطوائف، ثم أصبحنا بلداً بأكمله يؤمن أنّ صيف الديمان وشتي بكركي كانا دائماً مع البطريرك صفير تحت سقف الحريّة.

 

بابا صفير، نحن لن ننتظر تقديسك ولا حتى تطويبك، ولن نحتاج في حياتنا إلى شهادة من أحد لنعرف كم أحببناك، واحترمناك، وصدّقناك، وتركنا كثيراً من المعتقدات والاصطفافات وتبعناك… لن نحتاج شهادة من أحد لنعرف كم آمنا بك وبأقوالك ومواقفك وأفعالك، لن نحتاج شهادة لنقدّس ذكراك ونحلف باسمك ونتمثّل بك عند كلّ استحقاق وطني.

 

بابا صفير، أنت قلت ما قلته، وفعلت ما فعلته، وحقّقت ما حقّقته، ورحلت… ويبقى لنا من بعدك بلد مؤتمنين على حمايته من غرورنا وجهلنا وطمعنا.

 

 

 

 

بطريرك الوطن..

صلاح سلام

لم يكن مرجعاً روحياً لأبناء طائفته، بقدر ما كان مناضلاً وطنياً من سيادة الوطن وكرامة مواطنيه.

 

لم يجلس على كرسي بكركي ليعظ رعاياه من المؤمنين وحسب، بل احتل قلوب اللبنانيين بمواقفه الجريئة ومبادراته الوطنية الشجاعة.

 

لم يعزل تفكيره داخل حلقة الطائفة وامتيازاتها، بقدر ما كانت رؤيته واسعة وتسعى لإنقاذ الوطن من استغلال الطائفيين وحروب السلطويين، والحفاظ على صيغة لبنان الواحد والشعب الواحد والدولة الواحدة.

 

لم يساوم، ولم يتنازل، وبقي جبلاً صامداً أمام شتى الضغوط ، لا الترغيب أغراه، ولا الترهيب أرعبه، واستمر في قيادة سفينة السيادة والاستقلال رغم كل العواصف التي واجهته، حتى أوصلها إلى شاطئ الأمان، بعدما وجد في اتفاق الطائف فرصة تاريخية لإنهاء القتال في المناطق المسيحية، وإنقاذ الوطن من براثن الحرب القذرة، وإعادة إحياء صيغة العيش الواحد بين اللبنانيين.

 

في زمن تراجع فيه وجود ودور القيادات السياسية المسيحية، برز دور البطريرك صفير الوطني بامتياز، من خلال رعايته للحركات الاستقلالية، وأبرزها لقاء قرنة شهوان الذي أوكل إدارته إلى المطران يوسف بشارة، ومن خلال تشجيعه للقاءات الوطنية، سواء لقاء البريستول الشهير، أم اجتماعات قريطم إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري، والذي أوفد له مطران بيروت بولس مطر، والذي خرجت من رحمه حركة ١٤ آذار، التي تعاملت مع سيد بكركي وكأنه الأب الروحي والملهم الوطني، والمشارك دائماً في القرارات الوطنية الكبرى.

 

كان سباقاً في طرح المبادرات اللبنانية المفصلية، حيث أطلق في خريف عام ٢٠٠١ بعد أشهر معدودة من الاندحار الإسرائيلي من جنوب لبنان في أيار من العام نفسه، نداء المطارنة الجريء المطالب بخروج الجيش السوري من لبنان، بعد انتفاء المبرر الذي طالما استخدمه السوريون للإبقاء على تواجدهم العسكري في البلد. ثم راح يطلق المواقف، الواحد تلو الآخر، المطالبة بحصر وجود السلاح بيد الشرعية وأجهزتها الأمنية، ووضع حد لسلاح حزب الله ووضعه تحت إمرة الجيش اللبناني.

 

وفي عام ٢٠٠١ شدّ الرحال إلى مصالحة الجبل التاريخية، غير عابئ بكل الضغوط السورية، وقابله زعيم الجبل وليد جنبلاط في منتصف الطريق ليطويا معاً صفحة سوداء وبغيضة في تاريخ الجبل الأشم، ويُعيدا أجواء التلاقي والصفاء بين أبناء المنطقة الواحدة والقرية الواحدة.

 

في الأشهر الأخيرة التي سبقت اغتيال الرئيس رفيق الحريري، نسج البطريرك صفير علاقات تفاهم وتحالف وثيقة مع الرئيس الشهيد، الذي كان يخوض مواجهتين ضد الوجود السوري: الأولى، السعي لوضع قانون انتخابات عصري وملائم لجميع المكونات اللبنانية، وخاصة المسيحية. والثانية المطالبة بإعادة انتشار الجيش السوري والانسحاب باتجاه البقاع، ووقف تدخل جهاز المخابرات السورية في مجريات الحياة السياسية الداخلية، ونقل جميع مكاتب المخابرات من بيروت وجبل لبنان إلى البقاع.

 

حافظ على الهالة الدستورية للرئاسة الأولى في ذروة خلافه مع الرئيس اميل لحود، حيث رفض تحرك قوى ١٤ آذار باتجاه قصر بعبدا لعزل رئيس الجمهورية، متجاوزاً حالة الجفاء والقطيعة مع بعبدا، وتقصير رئيس الجمهورية مع بكركي، التي رفض زيارتها حسب الأعراف المتبعة منذ فجر الاستقلال. وتسبب هذا الموقف المفاجئ بانعكاسات سلبية على زخم الاندفاعة السيادية التي كانت قلبت المعادلة السياسية رأساً على عقب، وأفسحت المجال في عودة العماد ميشال عون من المنفى وإطلاق سمير جعجع من السجن.

 

رغم كل المعاناة والنكسات، بقي لبنان بالنسبة له «وطن الرسالة»، قبل أن يكون دولة تستنزفها الصراعات السياسية والطائفية، وساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية المتصارعة على حساب أمن واستقرار هذا الشعب المغلوب على أمره. وكانت صرخته عالية ضد الطبقة الفاسدة والعاجزة، مطالباً بإصلاح ما أفسده السياسيون، ووقف الهدر والنهب لأموال الدولة.

 

بطريرك الوطن التاريخي والاستثنائي لم يُكمل عامه التاسع والتسعين، وغادرنا قبل ذكرى مولده بأربعة أيام، حتى لا يرى ما آلت إليه أوضاع دولة تهتز قواعدها عشية بلوغها المئة عام.

 

ولا ندري إذا كان سيردد في عليائه كلمات التسامح التي كان يرددها في صلاته:

 

اغفر لهم يا أبتاه فإنهم لا يعلمون ماذا يفعلون!

 

لبنان يخسر بطريرك استقلاله الثاني

السفير د. هشام حمدان

 

لبنان، هذا الوطن الصغير في شرق الحوض البحر الأبيض المتوسط، يلبس اليوم السواد حدادا على قائد  كبير في تاريخه الحديث غبطة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير.

 

هذا الرجل الذي حمل تراث اللبنانيين منذ ألوف السنين، ووقف في وجه العاصفة التي أرادت اقتلاع لبنان من جذوره الحضارية المتوارثة، ورميه هدية، في صراع الأمم على أرض القداسة، وقال: لا ولا كبيرة لكل القوى العظمى والإقليمية التي سعت عبثا، لإفراغ لبنان من مسيحييه، وتحويله إلى صحراء قاحلة، فكريا وتراثيا وإنسانيا ووطنا مشرذما في هذا الشرق المعذب،

 

لبنان، الذي يضم أقدم مدن العالم القائمة في العالم حتى الآن، هذا البلد الذي ورد اسمه أكثر من سبعين مرّة في العهد القديم، والذي ظلّ يحمل اسمه ذاته، لألوف السنوات،

 

لبنان الذي خدم الإنسانية منذ قيامه، فقدم أحفاده الأبجدية للعالم وأبحروا من شواطئ صور وصيدا وجبيل وبيروت إلى العالم، واضعين أول نظام للتجارة كقاعدة للعلاقات السلمية بين الشعوب، وقدموا اللون الأرجواني اللون الذي جعله ملوك التاريخ لون عباءاتهم،

 

لبنان الذي زرعت في أرضه شواهد التطور التاريخي منذ العصر الحجري حتى اليوم، وكانت جباله مأوى الأقليات الدينية التي لجأت إليها هربا من الاضطهاد، فتحول إلى مختبر انصهرت فيه هذه الديانات، حتى صارت تقرأ من كتب بعضها البعض، وتكمل شعاراتها بشعارات الآخر، فبرزت قوة الوحدة الإيمانية والتلاحم بين الحضارات، مما دفع قداسة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني لتلقيبه بالرسالة،

 

لبنان البلد الذي حوله هذا التعايش الحضاري إلى جسر ثقافي وحضاري بين الغرب المسيحي والشرق المسلم، فقامت على أرضه أولى جامعات الغرب، وترسخت فيه قيم الحرية والديمقراطية، فانتشرت الصحف والمسارح والمنتديات الفكرية، وكان الملجأ لكل طالب حرية ورافض للاستبداد والديكتاتوريات،

 

هذا الوطن الذي زرع أبناؤه في كل بلدان العالم، فساهموا في تطورها وتقدمها، وصاروا جزءا من تاريخها الحضاري الذي تفخر به،

 

هذا الوطن كاد يضيع في لحظة جنون لسياسيين أداروا دفة القيادة في العالم عام 1975، فحاولوا بيعه في مزاد مصالحهم السياسية، حيث سعوا أولا لإخراج المسيحيين منه، فلما رفضوا رموهم في نيران حرب مع شركائهم في الوطن، حرب لم تكن من شيمهم،  وسعوا لإخضاعهم عبر وصاية جعلتهم مواطنين من الدرجة الثانية، فوقف هذا العملاق الكبير بكل ما كان لديه من سلطة روحية، ليقول: لا ولا كبيرة لتلك الحرب ولتلك الشرذمة ولتلك الوصاية بل لأية وصاية من أي طرف خارجي. وقال لبنان ليس قاصرا ويكفي أن توقفوا دعمكم لمن يقتل الروح الوطنية السيادية في ابنائه، لكي يستعيد دوره الموروث. وقال: لبنان ليس أرض صراع الحضارات، ووقف إلى جانب القديس يوحنا بولس الثاني يقول: لبنان وطن الرسالة ودوره أن يعلم البشرية أن الأديان خلقت لتجمعنا وليست لتفرقنا.

بطريرك الضمير اللبناني، حمل الصليب إلى كل زاوية معذبة في وطنه، وجال في العالم يصرخ من أجل وحدة لبنان وشعبه وحياده عن الصراعات، وقد وصلت رسالته إلى قادة الحريات في العالم، فوقف الرئيسان بوش وساركوزي في البيت الأبيض يؤكدان أنه يجب إنقاذ هذا الوطن وضمان حياده، ووقف الرئيس كلينتون في اجتماع حاشد عن القيادة في تكساس، ليقول: «أن القيادة تعني مساعدة هذا البلد لاستعادة استقراره».

 

هذا البطريرك يغيب اليوم ولبنان ما زال يدفع الثمن الباهض للحظة الجنون التي عصفت ببعض قيادي الحرية والديمقراطية في العالم، حيث حلت الدويلة مكان الدولة، وامتهن مصاصو الدماء من سياسييه، جمع المغانم، وصاروا سلعة سهلة في معرض المزادات التجارية، يبيعون من خلال الغريزة الطائفية، كرامات مواطنيه وتاريخهم ليضيفوا إلى خزائن ثرواتهم،

 

ترانا ماذا نقول في يوم غيابه، سنقول وعدا أن لا نخلف العهد، وسيعود لبنان كما أردت: وطن الرسالة والجسر الثقافي والحضاري وموئل الحريات. رحمات الله عليك.

 

 

 

رحل ولم يرحل

 

رحل من كان يؤمن بإيمان راسخ بأن الوحدة الوطنية والحوار هي الاساس السليم للنهوض بمجتمعاتنا. هو رجل الصدق والاحسان والايمان وهو صاحب القلب الكبير وكان قبل كل شيئ انسانا طيبا طبع الله نفسه على خصال الخير كلها لم يحمل في قلبه حقدا ولا حسدا لاحد بل سخر  كل ما اعطاه الله من ذلك لخدمة الناس انه كان يمثل صوت الحكمة والاعتدال والحرص على الوحدة الوطنية والمطلوب الان من كل من كان يؤمن برسالته هو مواصلة مسيرته والعمل باخلاص لتحقيق الاهداف التى كان يسمو اليها وكم بحاجة وطننا الى تجسيد شعار البطريرك مار نصر الله بطرس صفير شراكة المحبة لان بالمحبة وحدها تبنى الاوطان.

 

دعونا نتمنى الخير لبعضنا البعض دعونا نناضل من اجل محبة الانسان لاخيه الانسان دعونا نرتقى الى اعلى درجات الخير والحق والفضيلة.

 

نادين المسلماني

 

 

بطريرك… السهل الممتنع ؟!

فؤاد ابو زيد

معرفتي بالبطريرك التاريخي نصر الله صفير، تعود الى العام 1952، بعد ان اختاره البطريرك بولس المعوشي ليكون امين سره، ولان والدي ووالدتي، كانا على صداقة قوية مع البطريرك المعوشي، اولاً لانه ابن مدينة جزين، وثانياً لان الصداقة القوية، ربطت بينهما وبينه اثناء وجوده كمطران على ابرشية مدينة صور، ولذلك كان ترددهما على بكركي امراً طبيعياً برفقة العائلة بناء لرغبة البطريرك المعوشي، وكان «ابونا» نصر الله، يلفتني بهدوئه وقلة كلامه، وابتسامته الدائمة، التي انتقلت معه الى بطريرك جديد، هو البطريرك خريش الذي انتخب خلفاً للمعوشي.

 

زياراتنا الى بكركي قلت، ولكنها لم تنقطع، فالبطريرك خريش، من الجنوب ايضاً، وزواجي كان على يده، عندما كان مطراناً على صيدا ودير القمر، وكنا نزوره، ونحرص على سؤال خاطر «المطران» نصر الله، الى ان توفي خريش في ظروف الحرب في لبنان، ورغب الفاتيكان ان يتسلم المطران ابراهيم الحلو السدة البطريركية، في حين كانت الاحزاب المسيحية وفي مقدمها القوات اللبنانية، ترغب بانتخاب المطران يوسف الخوري، بطريركياً، ومن الصدف ان الحلو من مدينة جزين والخوري من بلدة بكاسين، لكن ايهما لم يحصل على الاكثرية المطلوبة في الجولات المتعددة، فتدخل الروح المقدس مع المطارنة وتم انتخاب المطران نصر الله صفير بطريركياً على كرسي انطاكيا وسائر المشرق للطائفة المارونية، واثبتت الايام كم كان هذا الاختيار في مكانه الصحيح، واعطي مجد لبنان لهذا الكاهن والمطران النحيل العود القوي في الشدائد، الصلب عند القرارات، اللين عندما تقتضي مصلحة لبنان ذلك، وهو الذي قاد سفينة بكركي، والى حد بعيد سفينة لبنان الكبير، الى شاطئ الامان، في منطقة تغلي بالاحداث والحروب، ولبنان في قلبها، وكثرت زياراتي الى بكركي في تلك الفترة العصيبة من تاريخ لبنان، وتاريخ الكنيسة المارونية، للاطمئنان اليه، او لنقل شكوى، او للاستئناس بارائه بعد كل زيارة الى الخارج، ويمكن القول ان نصر الله الكاهن، ونصر الله المطران، ونصر الله البطريرك والكاردينال، بقي هو هو، المتقشف، الهادئ، الصلب، المنفتح، المتمسك بدينه ووطنه وبالعيش الواحد بين اللبنانيين، وقبل كل شيء بالحرية والسيادة والدولة القوية.

 

قلت في تعليقاتي على فيسبوك، «رحل البطريرك القديس، بكركي في سواد…لبنان في حداد…السماء في عرس. واضيف اليوم، انه «بطريرك…السهل الممتنع».

 

كانوا ثلاثة مقربين من بعضهم بعضاً، وثلاثتهم رحلوا الى السماء في فترة زمنية قريبة، البطريرك صفير، المطران ابو جودة، الأب عويط، رحم الله الثلاثة.

 

 

 

كاردينال في السياسة وبطرك في الدين

 

رحم الله غبطة الكاردينال البطريرك مار نصرالله بطرس صفير الذي غادرنا عن عمر 99 عاماً قضاها في خدمة الرعية والوطن والفقراء والمعوزين.

 

الوحيد الذي رفض أن يذهب الى دمشق وكان يقول: ما الذي تغيّر لأذهب؟ لن أذهب إلاّ ورعيتي معي. وأيضاً: قلنا ما قلناه، ليس لسوريا حلفاء في لبنان، بل لسوريا في لبنان عملاء.

 

الوحيد الذي بقي يردد في كل عظة رفض أي وجود غير لبناني في لبنان.

 

لم يهادن، لم يساوم، لم يتردد، لم يتراجع(…) حتى ان موقفه من سلاح المقاومة كان واضحاً برفض أي بندقية خارج الشرعية.

 

همّه الكبير كان وحدة الكلمة عند رعيته، حاول مراراً وتكراراً أن يجمع السياسيين عنده من أجل توحيد الكلمة فنجح حيناً ولم يوفق حيناً آخر.

 

حمل قضية لبنان الى المحافل الدولية والأممية والدينية من الڤاتيكان الى روما الى واشنطن الى نيويورك الى أميركا الجنوبية الى كندا الى اوستراليا(…) الى مختلف بلدان الانتشار اللبناني، لم يترك بقعة من الارض يقيم فيها لبنانيون إلاّ زارها.

 

شجّع على بناء المدارس في دنيا الاغتراب ليبقى اللبناني مرتبطاً بكنيسته وبوطنه.

 

لم يكن يوماً من الأيام طرفاً بل كان جامعاً في أصعب الأيام وأكثر الظروف دقة، بقي موقفه هو هو: يدعو الى المحبة والالفة والوفاق.

 

1 Banner El Shark 728×90

 

كان يؤمن بحوار الأديان، يؤمن بالعيش الواحد بين اللبنانيين خصوصاً بين المسلم والمسيحي، وكان يشجع الحوارات التي تدعو الى التقارب ويشارك في الكثير منها مباشرة أو بمن يمثله.

 

كان كل مرة يزور فرنسا يطلب من رؤسائها مساعدة لبنان والتوسط مع الاميركيين للحفاظ على لبنان ووحدته وعيشه المشترك.

 

رحّب بـ»اتفاق الطائف» وأيّده، ولكن كان يردد في كل مرة: علينا أن ننفذه قبل الحكم عليه، خصوصاً للذين يطالبون بتعديله كان يقول: نفذوه ثم لكل حادث حديث.

 

كان على مسافة واحدة من الزعماء المسيحيين كلهم، كان رجل تسامح حتى مع الذين أخطأوا بحقه وأساؤوا إليه من جميع الفئات، لم يحقد على أحد، والعكس صحيح كان على مبدأ «المسامح كريم… وكلهم أولادي، ويجب أن أتحمّلهم وأن أسامحهم».

 

رحيل الكاردينال صفير ليس خسارة مسيحية وحسب بل خسارة للوطن، للبنانيين جميعاً، للمسيحي كما للمسلم.

 

تغمّد الله فقيد لبنان الكبير بواسع رحمته وأسكنه فسيح جنانه.

 

عوني الكعكي

 

خيرالله خيرالله – بطريرك كبير من عمر لبنان الكبير

 

انطفأ البطريرك نصرالله صفير الذي بقي الى اليوم الأخير من حياته يمثل شعلة الامل في لبنان. بالنسبة الى معظم اللبنانيين، من كلّ الطوائف والمناطق. ظلّ البطريرك صفير الذي خلف في العام 1986 البطريرك خريش على رأس الكنيسة المارونية، سيّد بكركي. كان اكثر بكثير من بطريرك للموارنة. كان لكلّ لبنان. ظلّ الى اليوم الأخير من حياته واقترابه من سنّ المئة عام يمثّل خشبة الخلاص. كان خشبة الخلاص التي يفتقدها لبنان في هذه الايّام السود.

 

عمر البطريرك، الذي غاب، من عمر لبنان الكبير الذي اعلن في العام 1920 بناء على رغبة البطريرك الماروني الياس الحويّك الذي شجع فرنسا على ضم الاقضية الأربعة والواجهة الساحلية الى لبنان كي لا يبقى مجرد مساحة صغيرة تقتصر على جبل لبنان المسيحي – الدرزي.

 

كان البطريرك صفير، الذي ولد في مثل هذه الايّام من العام 1920، رجل علم وانفتاح قبل ايّ شيء آخر. لكنّه كان أيضا رجلا مبدئيا يعرف معنى الهيمنة السورية او الايرانية على لبنان. لذلك، سعى الى توفير الغطاء المسيحي المطلوب لاتفاق الطائف في العام 1989  بعيدا عن الحسابات الصغيرة ذات الطابع الشخصي لهذه الشخصية المسيحية او تلك، وبعيدا خصوصا عن الجهل في التوارنات الإقليمية والدولية. لا شكّ ان علاقته المتميّزة بالرئيس حسين الحسيني، رئيس مجلس النوّاب وقتذاك ورجل الاعتدال في كلّ وقت، لعبت دورها في جعله يطمئن الى انّ الطائف لا يستهدف المسيحيين في لبنان.

 

كانت البطريركية المارونية في أساس فكرة لبنان الكبير الغني بتنوعّه البعيد كل البعد عن فكرة حلف الأقليات وعن التقوقع. لم يكن البطريرك صفير ليغطي اتفاق الطائف لولا ادراكه انّ لبنان تغيّر وان توازنات جديدة ولدت من رحم الحرب التي امتدت بين 1975 و1988 والتي استمرت في 1989 و1990 على شكل مواجهة مسيحية – مسيحية بعدما اصبح العماد ميشال عون رئيسا لحكومة موقتة واقام في قصر بعبدا.

 

كان اتفاق الطائف المخرج الوحيد بالنسبة الى لبنان بعد كلّ الخسائر التي اصابت المسيحيين والتي نجمت عن تطورات داخلية وإقليمية في ظلّ تجاهل أميركي واوروبي لهم. تجلّى هذا التجاهل في رفض الاستجابة للاوهام التي تحكمت بعقول زعاماتهم منذ ما قبل اندلاع شرارة حرب السنتين في 1975 و1976 وصولا الى الاجتياح الإسرائيلي في 1982 وحرب الجبل في 1983 و1984 وما أدت اليه من ضرب للعيش المشترك المسيحي – الدرزي.

 

تميّز البطريرك صفير، الذي عايش البطريرك بولس بطرس المعوشي وعمل في ظلّه، بأنّه رجل دين يعرف في السياسة العميقة ودهاليزها. كان يعرف قيمة الكلمة وان يكون البطريرك المقيم في بكركي قليل الكلام. كان لكلّ كلمة تخرج من فمه وزنها. كان يعرف تماما من مع لبنان ومن ضد لبنان. من لديه أطماع في لبنان ومن يمكن ان يخدم لبنان. كان يعرف معنى التهوّر. الثابت انّه تعلّم الكثير من البطريرك المعوشي الذي وقف في العام 1958 في مواجهة الرئيس كميل شمعون. كان كميل شمعون رجلا استثنائيا عرف كيف يبني. كان يمتلك فكرا طليعيا في مجال إقامة البنية التحتية التي يحتاج اليها لبنان. لكن ذكاءه الحاد توقف عند معرفة كيف المحافظة على التوازن المسيحي – الإسلامي في لبنان في وقت كان فيه نجم جمال عبدالناصر في صعود. لعب البطريرك المعوشي وقتذاك دوره في المحافظة على التوازن في البلد بعدما أصيب زعماء مسلمون كثيرون بالعمى السياسي بسبب الظاهرة الناصرية وبعدما بالغ كميل شمعون في تهورّه، خصوصا عندما رفض القول صراحة انّه لا يريد تجديد ولايته الرئاسية…

 

انطوى كلّ فعل قام به البطريرك صفير، على خدمة لبنان السيّد الحرّ المستقل بمسيحييه ومسلميه. لذلك كان موضع شبه اجماع في تصديه الباكر للاحتلال السوري ولسلاح «حزب الله» وقبل ذلك للسلاح الفلسطيني. كان يعرف في العمق ما الذي يريده النظام السوري، خصوصا منذ اغتيال الرئيس رينيه معوّض في تشرين الثاني – نوفمبر من العام 1989. كان ذلك اغتيالا للطائف بصفة كونه اتفاقا يحظى بغطائين عربي ودولي. كان يعرف أيضا معنى الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في ايّار – مايو من العام 2000  ولماذا كانت تلك الرغبة السورية في عرقلة حصول هذا الانسحاب. هذا ما يفسّر مسارعته الى الدعوة الى الانسحاب العسكري السوري من لبنان كاسرا بذلك حاجز الخوف عند اللبنانيين، وهو حاجز لم يستطع كسره عندما دعا الى مقاطعة انتخابات العام 1992، متجاهلا وقتذاك ان ليس في استطاعته الاعتماد على أكثرية إسلامية تسير معه في هذا الاتجاه وتخوض معركة المقاطعة.

 

استطاع رجل متقدّم في السنّ، سلاحه الوحيد الكلمة الصادقة وصلابة الموقف، الوقوف في وجه النظام السوري ومخططاته. هذا ما يفسّر ذلك التفاهم الذي قام بينه وبين رفيق الحريري، كما يفسّر تلك الشجاعة التي لا نظير لها في إتمام المصالحة المسيحية – الدرزية في صيف العام 2001، وهي مصالحة عرّضت حياته وحياة شريكه فيها، الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، للخطر.

 

لم يأبه للمخاطر. كان عملاقا بالفعل، خصوصا عندما وقف وراء لقاء قرنة شهوان الذي اسّس للاستقلال الثاني في 2005. وقف قبل ذلك خلف لقاء مار روكز الذي حقق انسحابا إسرائيليا سلميا من جزين في 1999  ودخول الجيش اللبناني اليها في وقت كان النظام السوري يسعى الى عرقلة هذا الانسحاب من اجل بقاء البلدة رهينة ومن اجل الّا ينسحب الإسرائيلي من الجنوب كلّه لاحقا.

 

انه رجل الاستقلال غير الناجز الذي عرف «حزب الله» كيف يقضي عليه بعدما ملأ الفراغ الناجم عن الانسحاب العسكري والأمني السوري من لبنان. لعب الاستقلال غير الناجز وخيبات ما بعد الانسحاب السوري، إضافة الى عوامل أخرى، دورا في استبدال البطريرك صفير في العام 2011 في مرحلة بدا فيها الرجل محبطا جراء ما حل بلبنان.

 

عبارات قصيرة مفعمة بالمعاني العميقة تقول الكثير عن البطريرك صفير. من بين هذه العبارات: «لقد قلنا ما قلناه». و»اين قصر المهاجرين؟». ما الذي تغيّر لأذهب الى دمشق؟». «ليس لسوريا في لبنان حلفاء، بل لسوريا في لبنان عملاء». «لن اذهب (الى دمشق) الّا ورعيّتي معي». الأكيد انّه لو اطلق النظام السوري اللبنانيين الموجودين في سجونه، لكان البطريرك ذهب الى دمشق وفتح صفحة جديدة مع النظام السوري. كان فعل ذلك من اجل لبنان ومن اجل اللبنانيين وليس من اجل صورة مع حافظ الأسد او مع بشّار الأسد يسوقانها في الغرب.

 

لكلّ عبارة من هذه العبارات معنى خاص بها. لكنّها تعني قبل كلّ شيء انّه لا يزال في لبنان رجال يرفضون الرضوخ للسلطة والمال والجاه. رجال يمتلكون ضميرا حيّا يقف في وجه الظلم والتهوّر والتطرّف قبل ايّ شيء آخر.

 

بقي البطريرك صفير، الذي تمكن من اللغة العربية كما لم يتمكن منها سوى قليلين، وفيّا لكل المبادئ التي نادى بها. حافظ على مقام البطريركية وجعل منه مرجعية لبنانية وليس مرجعية مسيحية فقط.

 

ليس سرّا ان البطريرك صفير، كان قبل وفاته، في غرفة العناية. ليس سرّا أيضا ان لبنان كان ولا يزال في غرفة العناية أيضا. ليس سرّا ان اكثر ما يفتقده لبنان في هذه الايّام رجلا من طينة البطريرك الماروني الذي سيدخل التاريخ من ابوابه الواسعة بصفة كونه مثّل احد آخر الحواجز امام سقوط لبنان بمؤسساته وبمسلميه ومسيحييه في آن.

 

بقلم خليل الخوري – البطريرك المناضل

 

يحار المراقب من أين يبدأ في التعامل مع مسيرة البطريرك الكبير الكاردينال مار بطرس نصر الله صفير الذي غادرنا أمس تاركاً لوعة كبيرة ليس لدى الطائفة المارونية وحسب إنما لدى اللبنانيين جميعاً بدليل الإقبال على نعيه من الرئيس العماد ميشال عون الى سائر أركان الدولة، واللافت أن القيادات السياسية والروحية الإسلامية شاركت في النعي. وهي ظاهرة لافتة أن يترك رجلٌ عشية بلوغه المئة عام من العمر، هذا القدر من اللوعة والأسى!

 

البطريرك الكبير الراحل أدّى الدور (الذي من أجله كانت بكركي) بإمتياز ودقة وبداهة وشجاعة ووطنية وصدق، وأثبت أنه كان، فعلاً، الرجل الرجل في الملمات والمراحل الحرجة، بل الأكثر حراجة في الحقبة الزمنية التي «اُعطي مجد لبنان» بطريركياً مارونياً لأنطاكية وسائر المشرق.

 

يمكن التحدث عن مراحل نضال هذا البطريرك الألمعي، اللاهوتي، الإنساني، الشجاع، المجابه في سبيل وطنه والحق.

 

وفي تقديرنا أن نداء بكركي (2000) شكّل نقطة الفصل وكان البداية الفعلية، بل بداية العدّ العكسي، لإنهاء الوصاية السورية على لبنان المغطاة عربياً ودولياً. هذه النهاية التي استعجلها استشهاد الرئيس المرحوم رفيق الحريري.

 

كان المثلث الرحمات نصر الله صفير رجل الموقف والصلابة والقوة والإيمان، وكان رجل المصالحة بإمتياز فما حققه في زيارته التاريخية الى الجبل (3 آب 2001) كان بمثابة المعجزة التي ختمت جرحاً عميقاً  يعود الى القرن التاسع عشر (1848  وخصوصاً 1860) وليس فقط في الحرب الملعونة التي ضربت لبنان ابتداءً من أواسط سبعينات  القرن  العشرين الماضي.

 

وكان الكاردينال صفير رجل التواضع، والقائد الميثاقي المؤمن بأن لبنان هو لأبنائه جميعاً… وكان في آنٍ معاً رجل التعلق بالأرض، ورجل المعاناة الكبرى في سبيل الحرية والسيادة والاستقلال… وهو الذي كان يقول  في مناسبة عيد الاستقلال زمن الوصاية: «سنظل نعيّد الاستقلال ولو منقوصاً حتى يتم كاملاً ناجزاً نهائياً. ولم يفقد ثقته بلبنان لحظة واحدة. فكثيراً ما كان يردد أمام اشتداد المحنة: لقد عانى أجدادنا والآباء مِحَناً أكبر وتجاوزوها ونحن سنتجاوز هذه المرحلة.

 

1 Banner El Shark 728×90

 

كان يشهد للبنان دائماً وأبداً لبنان الواحد الموحّد السيّد الحر المستقل، وطالما قال وردّّد القول: لبنان له ماضٍ وله تاريخ وله حاضر وله مستقبل.

 

وهو رفض زيارة سوريا، حتى مجرّد  زيارة رعائية لإبقائه هناك، لأنه كما كان يقول: «لا أريد أن أعطي صكّ براءة للذين أساءوا إلى لبنان».

 

وبعد، أيها الراحل الباقي، يا سيدّنا البطريرك نصر الله صفير من حسن حظي أنني عاصرتك، وأنني حظيت بلقاءات عديدة معك، فعرفتك عن قرب، وتعلمت منك الكثير، وقدّرت المزايا الكثيرة التي اكتنزت بها شخصيتك  العظيمة….

 

وكنت أتساءل: كيف لهذا الجسم النحيل أن يحمل الهموم الوطنية الهائلة؟!

 

«قلنا ما قلناه» كنت تردد. وبالفعل قلت كلمتك ولم تمشِ، بل كنت تتابع، وتسهر، وتحرص، وتجد وتناضل.

 

وها هو الرحيل يطرق باب بكركي… فترحل لتبقى في أنصع صفحات التاريخ رجل الإيمان والحرية والسيادة والاستقلال.

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل