واجتاح البطريرك “فيسبوك” و”تويتر”!

لم يحصل، لم يحصل يوما، ومنذ نشأة “فيسبوك” ووسائل التواصل الاجتماعي عموما، ان تفاعلت تلك الصفحات بهذا الشكل الاستثنائي الغريب، كما تفاعلت مع رحيل ايقونة البطاركة الموارنة، مار نصرالله بطرس صفير.

قبل وفاته بيومين جُنّت الصفحات بالصلاة لشفائه، انتشرت صوره عبر “تويتر” و”فيسبوك” كحبّات قمح في سهل البيادر، ترجو الرب تأجيل “اللحظة لـ جايي” كما كتب كثر، وصاحبة هذه السطور من بينهم، نُشرت صور الشموع التي توزعت على ابواب مستشفى اوتيل ديو بعد الدعوة التي وجهت من شباب القوات اللبنانية لإضاءة الشموع ورفع الصلوات لأجله، ولا نعرف فيما اذا كانت الصلوات اجّلت فعلا اللحظة، لكن سيدنا رحل عند الثالثة الا عشر دقائق فجر الاحد 12 أيار 2019، ومذ تلك اللحظة وصوره، صوته، حكاياته تنتقل من صفحة الى اخرى، من موقع الى آخر، كمن ينقل الصدى، كمن يرش حبوب العطر، كمن يزرع الحقل بذارا لتنبت المواسم وتمتلئ الخوابي من خير الطبيعة، وسيدنا لم يكن بيدره الا مواسم خير على لبنان والانسان والكنيسة والاجيال وفائض الكرامة ذاك.

زرعنا الصفحات ليس من صوره ومواقفه وحسب، انما من حالنا التي كبرت من حضوره فينا، شكرنا الرب اننا نعرفه، اننا عاصرناه، اننا كنا من زمنه زمنا صغيرا، ربما تافها امام عظمته وانجازاته، لكن حسبنا اننا رأيناه، جالسناه، لحقناه يوم الاحتلال الذليل لأرضنا، وشربنا مواعظه كخمرة الاحد من كأس المسيح.

لم تشهد مواقع التواصل الاجتماعي على تفاعل مماثل، لم تتوحد اساسا بهذا الشكل المنظم تلقائيا، كما وحدها مرض البطريرك ثم رحيله.

قد نقول، يفعلها الشيخ بشير كلما حانت ذكرى استشهاده، لا، الباش يجمع الرفاق المناضلين والمناصرين، لكن البطريرك جمع الوطن كله من دون استثناء، وعندما نقول الوطن نستثني من لا يؤمن به، وان كان لبنانيا بالهوية فقط، ودعكم من بعض تلك النفوس الصغيرة التافهة، الصغيرة في انسانيتها التي حاولت النيل من شجرة الارز، لكن ما بال الكبار من غبار تكاد لا تلمحهم عيون الانسانية، فبطريرك الاستقلال اجتاح الصفحات كما اجتاح قلوبنا، كما اجتاح مساحات الوطن كلها بمواقفه الكبيرة، كما تجتاح الشمس الارض حين تشرق فلا تسأل ظلاما او ظلالا، حسبها انها تشرق و”تفلش” شعاعها على الدنيا، وهيك اشرق تاريخ البطريرك بشعاعه فوق صفحاتنا كما اشرقت مواقفه فوق تاريخ لبنان الحديث وانتجت الاستقلال الثاني.

لم تبق صفحة لم تنشر صوته وهو يعلن انه لن يذهب الى سوريا الا ورعيته معه، او حين سأل “اين يقع قصر المهاجرين؟” او حين قال “الاوطان لا تحمل في الجيوب فمن يحمل وطنه في جيبه لا وطن له”، او حين طالب ان “يا جاري انت بدارك وانا بداري” وغيرها وغيرها، مواقف أكبر من كبيرة اعادتنا الى احساس ايام ثورة “اذار” وحركة 14 آذار، كأن الزمن عاد وتوقف هناك، ورغم الشجن والزعل على الفراق، ردّنا البطريرك عبر التواصل الاجتماعي الى ساحات الحرية والنضال، عشنا عبق الثورة من جديد وكأنه حاضر الان بيننا.

جميل، جميل جدا ما يجري عبر صفحاتنا، هو بعض من بعض الوفاء القليل للرجل الكبير، اذ كيف نبادل الوفاء لبطريرك تاريخي من هذا الطراز النادر غير بالوفاء، والوفاء يكون ان نمشي على المبادئ التي نادى بها، ولأجلها بقي عنيدا صلبا كبيرا كبيرا بحجم ارز لبنان وليس اقل؟!

ومن اللحظة، وحتى ذهاب حارس الحراس الذي لا يموت، الى بيته الابدي، صفحات الاوفياء الانقياء في لبنان، منذورة للصورة والصوت والحضور المدوي في تاريخ لبنان وفي وجداننا الانساني، وقليل، قليل كتير عليك سيدنا شو ما كتبنا، انما نحاول تكريم أنفسنا من خلالك، وليس أكثر تكريما لنا من تزيين كرامتنا بمواقفك وصوتك وصورتك…”من هلأ اشتقنالك”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل