في وداع بطريرك تاريخيّ

يعود اليوم غبطة أبينا البطريرك مار نصرالله بطرس صفير محمولاً على الأكتاف إلى الصرح البطريركي ليسجّى جثمانه وليلقي عليه اللبنانيّون نظرة الوداع، وعلى غير عادته لن يردّ تحيّات المحتشدين على طول الطريق، غبطة أبينا البطريرك الذي لا يقول إلا الكلمة اللازمة، سكن الصّمت تاركاً الحديث للتاريخ.

 

كلمات قليلة من البطريرك التاريخي كانت تهزّ الاحتلال وجيشه وعملاءه فيأمرون أذنابهم بفتح جبهات الحرب على غبطته، لطالما أفقدهم صوابهم بكلمات بسيطة لكنّها عميقة وموجعة، يغيب غبطة أبينا نصرالله صفير في لحظة حاسمة من مصير لبنان والمنطقة، ما كان أحوجنا إلى مواقفه في هذه الأيام العصيبة على لبنان الذي يقف على حافّة الانفجار، ومن المؤسف أنّ لبنان يعيش مرحلة حجم المسؤولين الزمنيّين والروحيّين فيه أقلّ وأضعف بكثير من الأحداث المقبلة، نعيش زمن ضعفاء كلامهم كثير وفعلهم قليل!

 

يعود غبطته اليوم إلى الصرح البطريركي يدخله بصمت في غفوة أبديّة تترك لهذا الصمت الثّقيل أن يروي حكاية الرّجل التّاريخي، بل تاريخ رجلٍ شكّل قيامة لبنان ومقاومته وسيادته وحرّيته واستقلاله، في حقبة كان فيها كثيرون يسارعون لتقديم فروض الولاء والطّاعة للاحتلال ويشهدون شهادات الزّور مع الاحتلال ضد وطنهم، فوضعهم غبطته في حجمهم القزميّ بكلمة واحدة «عملاء»، نودّع غبطته في رحلته السماويّة ونحن نعايش في كلّ يوم حقيقة أن العملاء لا يزالون عملاء، وسيبقون عملاء!

 

ترافق قلوبنا اليوم بحزن عودة غبطة أبينا البطريرك إلى صرح بكركي، وفي الحلوق غصّات ونحن نقرأ سفاهة السفهاء الشامتين على مواقع التواصل الإجتماعي، وكلّنا يقين بأنّهم سيذوقون وأقرب مما يتخيّلون كأس الموت الحقّ في من يظنّون أنّهم مخلّدون!

 

نلقي اليوم نظرة وداع على بطريرك ستمرّ قرون كثيرة قبل أن يحظى لبنان ببطريرك يشابهه، لا نظير لنصرالله صفير، هذا كلام قيل مئات المرّات منذ إعلان نبأ وفاته، ومع هذا كلّما أعيد هذا الكلام سبّب ألماً جارحاً في أعماق أيّ لبناني لا يدين بالولاء إلا للبنان، السادس والسبعين كان بطريركاً للبنانيين مسلمين ومسيحيّين.

 

في آذار العام 2011 كتبت في هذا الهامش مقالة حملت عنوان «رسالة إلى صاحب الغبطة» كتبت فيها: «أعرفكُ منذُ تكوّمت أنا وبعض زملائي في إذاعة صوت الوطن، في العام 1986 لنسمع لقاء أجري معك، يومها كان انتصاراً للوطن أن تجتاز «إذاعة المقاصد الإسلامية» كلّ خطوط التماس إلى بكركي، ليعود منها زميلنا موفق مدني بلقاء مع بطريرك لبنان لبرنامج حديث الساعة، كان مجرد التجاسر على أن تفكّر إذاعة في الانفتاح على بكركي وعلى المناطق المسيحيّة ومدّ الجسور مع الأشقاء في الوطن جريمة تكلفتها كبيرة»(…) تكوّمنا في استديو 2، جلسنا نصغي لتسجيل الحلقة، وزميلنا موفق شديد الغبطة بإنجازه، ومدير الأخبار توفيق خطاب ومن رافقوهم في الزيارة يحدّثوننا عن «البطريرك صفير»، كنت أبدأ خطواتي الأولى في هذه المهنة التي لا ترتاح ولا تُريح، وتمنيّت في سرّي لو كنتُ معهم وبينهم يومها، ولا أخفي غبطتك يا «أبينا» البطريرك أنّ هذا الحديث رسم لي علامة الطريق في سبيل لبنان»…

 

يومها كتبت في مناسبة مغادرة غبطة أبينا صفير منصبه بعد استقالته: «غبطة البطريرك؛ تعلّمت من غبطتك كيف أتمسك بلبنان الرّسالة، وأن أخلص له، لأن إسلامي علمّني أن حبّ الأوطان من الإيمان، ما أريد أن أقوله لك بسيط جداً، شكراً لأنك علمتني أن أكون لبنانية، وأنني فخورة أنني عشت حقبتك التاريخية العظيمة الحافلة بالتضحيات والتحمل من أجل لبنان، وفخورة أنني عايشت مرجعية لبنان الكبرى، سيذكرك التاريخ لأنك تاريخي، وهو لا يذكرنا عادة لأننا الناس العاديين، أود أن أشكرك لأنك طوال هذه السنوات كنت طوال الوقت تتذكرنا وتخاف علينا وعلى لبنان (…) وتُغادر في عزّ أيام لبنان قلقاً وترقباً، وتُغادر يا صاحب الصرح بكركي بعدما أيقن اللبنانيّون أنك صنو لبنان وعينه الحارسة، وبعدما حلَّ في ضمائرنا، المسلمين منا قبل المسيحيين أنك «أبينا»، وأنك «أبو لبنان»، وأنك من تجسّد في شخصه، وفي صمته وفي نطقه، ميثاق عيشه المشترك، وأنك صورة «لبنان الرّسالة» التي تحدّث عنها البابا الراحل يوحنا بولس السادس».

المصدر:
الشرق

خبر عاجل