لا يزال البطريرك هناك بين ساحة دير القمر والمختارة

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1694

زمن المصالحة الحقيقية في الجبل

لا يزال البطريرك هناك بين ساحة دير القمر والمختارة

كأن نوّار انتظرنا شخصيا ليتجوّل معنا في ساحات دير القمر والمختارة. فوق كمن يكتب قصيدة على سطور التاريخ، كمن يعاهد تلك الأزقة، تلك الحجارة العتيقة المعتقة بشمسها، تلك الأمكنة المحفورة بتاريخها اللبناني العريق، أن يبقى هذا الجبل في اللقاء، في تلك اللحظات الأيام النادرة التي حفرها بالعزّ على رغم حصار الإحتلال الأسود، أن يبقى في المصالحة، في عبق ذاك اليوم التاريخي المغروز في وجدان الناس، ويبقى لقاء بطريرك الإستقلال، مار نصرالله بطرس صفير، وزعيم الجبل وليد جنبلاط، حكاية من عراقة لبنان، من ثورته، من انتفاضته في وجه المحتل، حكاية تتناقلها الأيام من جيل للى جيل، وها نحن هنا مع الشمس نجالس تلك الحكايات…

هل يبتسم لنا كميل شمعون أم لعلني مخطئة؟ يا إلهي شو هالشب الحلو، «صوّرني صوّرني حدّ الريّس»، ويتهافت سياح عرب أجانب لبنانيون، ليلتقطوا صورهم أمام التمثال في الساحة الواسعة المترنِّحة بنشوة الشمس والدفء، وكل ذاك العبق من تاريخ بعيد وقريب. حلوة يا دير القمر، حلوة كتير وأنتِ تتغاوين بكل ذاك الحلا أمام عيون العالم. لكن ما الذي يدفع زائر ابن البلد، أن يكتب بطريقة مماثلة؟! أهو سحر المكان أم ذاك العبق من تاريخ لبناني لبناني قحّ، محفور في الهندسة والحجارة وبيوت الأمراء تلك، والطرابيش الحمراء وطنطور أميرات لبنانيات كأنهن يقفن خلف زجاج الشرفات المطلة على تاريخ الأيام، يستقبلن كل زائر في مخيلته الفائقة الغزارة لدى رؤيته المكان، قبل أن يستقبله «صاج نجلا» ذاك في ساحة دير القمر؟! «أهلا يا عيني إنتو من وين؟» يسألنا العم بول صاحب مقهى في الساحة العريضة، نطلب القهوة وتشكيلة مناقيش الصاج، وعلى وقع النهم في التهام منقوشة الزعتر نسأله عن البطرك صفير ومصالحة الجبل وما شابه، يبتسم، يهز برأسه «ليكي يا بنتي البطرك صفير زلمي قبضاي، ووليد جنبلاط زكي وبيهتم بطايفتو، نحنا كل عمرنا هون عايشين سوا بألف خير من ربنا، بس الغريب والزعما لعبوا فينا، المصالحة كانت أمر عظيم والتاريخ رح يحكي عنها، بس المشكلة إنو الدولة ناسيتنا، لا في وظايف ولا في فرص عمل، الزعما بلبنان مش مناح والبطرك صفير رجال مش رح يتكرر». نشرب القهوة مجانا «أهلا فيكن بجبلنا. عم تسألي عن المصالحة؟ من زمااان كان لازم تصير ولازم هلأ تتعمم بكل لبنان، نحنا بحاجة كلنا اللبنانيين لبعضنا» يقول بشير، ويهرب من الكاميرا «دخيلك بديش إتصوّر شو بدي بهالشغلة».

تناهت الأحاديث الى آذان زبون، شاب في مقتبل العمر «عم تحكوا عن البطرك صفير؟ هيدا أشرف زلمي بالعالم بس يلعن أبو هالدولة لـ خربت كل شي بهالبلد» يقول بغضب، «ليش يا شربل؟» نسأله، «لأن هيدا شعب بينسى تاريخو، والدولة ما بدها نتذكّر المحطات المشرّفة بهالتاريخ، ولك نحنا عملنا ثورة الأرز وكان وليد جنبلاط والبطرك صفير من أركانها، وهالرجّالين عملوا أشرف مصالحة بهالجبل، وين نحنا هلأ؟ وين صرنا؟ صفر. تركيني ما بدي احكي»، وذهب شربل في سبيله!!

لا يختلف أهل المكان على أهمية ذاك اليوم التاريخي، مصالحة الجبل في آب 2001، يعرفون أن البطريرك الماروني، الذي صار أيقونة الإستقلال بالنسبة للبنانيين، مع خطوة جنبلاط الشجاعة أعادا للجبل رونق الحرية في حين كان الإحتلال السوري يتراقص غضبا وغيظا على حفافي ذاك الحدث الكبير، ودفع اللبنانيون الأحرار ثمن تلك المصالحة، وأهل الجبل من بينهم، إذ لم تكن مصالحة للجبل وحده بل لكل لبنان «ما كان بدن يانا نتصالح، مع إنو حتى قبل هيداك النهار كنا عايشين سوا، يا عمي نحنا ربينا وكبرنا مع بعضنا البعض ليش بدن يفرقونا؟ منشان هيك قامت قيامة السوريين، كان بدن يخلونا زعلانين من بعض للأبد بس فشروا، والله يديم البطرك ووليد بيك» يقول العم خالد ويذهب… ثم يعود مهرولا «إنتو بأي تلفزيون عمي؟»…

ترتفع العذراء مريم وتشرق على الشمس من مشلحها نورًا. هنا سيدة التلة. هنا بالذات في الساحة العريضة المزنرة إيمانا وتاريخا، أقام البطريرك صفير الذبيحة الإلهية على نية مصالحة أهل الجبل، وهنا فوق تلك اللوحة، حفر التاريخ الحدث الكبير، لا أحد هنا، كاهن الرعية لم يكن موجودا والزوار قلّة، لكن حكايات المكان تحكي عن حالها، كأن الزمن توقّف في تلك الساحة عند البطريرك وهو يلقي كلمته العابرة لازمان الطوائف والمذاهب، الداعية الى السلام والتعايش بين اللبنانيين، من قال إن الحيطان لا تتكلم؟ من قال إن ليس للتاريخ لسان يصرخ ليثبت أنه حدث للمستقبل؟ من قال إن سيدة التلة تلك المتربعة على عرش الأيام، لا تصرخ على مدار الثواني «لأجل إبني أحبوا بعضكم بعضا وابقوا في اللقاء»؟ في ساحة كنيسة سيدة التلة تتراقص الأحداث وكأنها اليوم بالذات، لم ينس المكان ولن ينسى عبق الحرية والإيمان ذاك…

«شباب من وين منروح ع المختارة؟»، نتسلّح بالإرشادات ونأخذ طريقنا باتجاه «ضيعة البيك». جميلة قرى الشوف، أشجار، زهور، نظافة، وكل تلك القرى المختلطة المشلوحة انتماء للأرض، للبنان. «أهلا أهلا تفضلوا» هنا عند باب قصر المختارة. خرير ساقية المياه يخترق ساحة القصر الرائع الهندسة. هندسة لبنانية عريقة حفرت في كل تفصيل حكاية. هنا في هذه الساحة بالذات حيث عقد لقاء المصالحة التاريخية، أمراء أيضا، أمراء مصالحة تاريخية استثنائية. ها هو البطرك صفير يجلس الى كرسيه ببسمته العريضة سعيدا بما أنجزه، محاصرا بأهله وناسه، أهل الجبل. وهنا يقف وليد جنبلاط  يلقي خطابه التاريخي في مصالحة الشجعان، والناس تصفق بعيونها وقلوبها قبل الأيادي الملتهبة باللقاء. «بعدو البطرك قاعد هون يا لمى؟» وتضحك الرفيقة في الحزب الاشتراكي، لمى حماده، التي رافقتنا في جولة المختارة «كل عمرنا عايشين سوا، بس الحرب انفرضت علينا كلنا، وحاولت الأيادي الغريبة تفرقنا وجاءت المصالحة لتعيد الأمور الى نصابها الحقيقي، وكانت من أهم الإنجازات، ولو لم يكن البطرك صفير صاحب جرأة ورجل شجاع بكل ما للكلمة من معنى، لما تمت هذه المصالحة، التي تحتاج لرجال استثنائيين مثل وليد جنبلاط والبطرك صفير، هؤلاء رجال كبار من وطني صنعوا حدثا وطنيا كبيرا، هيك بوصفن» تقول لمى. يحاصرنا الشباب فوق بالإهتمام، «ما مننسى ولا لحظة البطرك بس كان بيناتنا بالقصر، كان أهم حدث بيعيشو الجبل بهيداك الوقت، والله البطرك رجل وطني كبير» يقول الشباب فوق. عند مدخل القصر ثمة زاوية لا يمكن إلا التوقف عندها، سيارة كمال جنبلاط المخرّمة بغدر الرصاص والإغتيال والإحتلال، ما زالت كما هي مذ تلك اللحظة القاتلة المشؤومة، يحتفظ بها سيد القصر للذكرى والعبرة.

ننزل الى الساحة العامة، الشمس مغرية، وفنجان القهوة على عيون الجبل احتفالاً باللحظات الحلوة البسيطة المتراكمة، فوق زمن لبناني صعب، جدا صعب. «العوافي شيخ» تعبق رائحة الطحين من مطحنة «أبو أياد»، كيف الموسم هالأيام؟ «الحمدلله كل شي من الله منيح»، هل يذكر الشيخ مصالحة الجبل؟ «ومعقول إنسى؟ كانت أهم خطوة ايجابية بهيداك الوقت، بس بدي خبرك شغلة مهمة كتير، بتعرفي إنو بس اغتالوا كمال بيك، خفنا ع المسيحيين عنا وصار الوالد يهرّبن على بيتنا؟ نحنا كل عمرنا سوا ع الحلوة والمرة وما بدناش يفلوا المسيحيين من هون. كل عمرنا أهل والله يلعن لـ زرع الفتنة. وليد بيك عمل إنجاز والبطرك صفير رجل وطني كبير ربنا يطوّل بعمرو».

يخبر أهل الجبل حكايات كثيرة عن تلك المرحلة، لكل منهم أخباره ومشاعره الخاصة، لكن الحكاية الكبيرة تجمع الكل على التفصيل الكبير، اللقاء في مصالحة تاريخية أبدية، كرّسها من جديد وليد جنبلاط في القداس الأخير الذي أقامه منذ فترة، على نية شهداء الجبل بعد اغتيال كمال جنبلاط «الشعب ما بدو شي إلا الأمان والكرامة، لكن الزعما هني لـ فرقونا. الشعب واعي بس هني الزعران». ويغرق أبو ناصر في ضحكاته «وليد جنبلاط رجل تاريخي وطني وشجاع وتلاقى مع البطرك صفير على هالقيم فكانت المصالحة، كنا سوا مش منتبهين مين المسيحي ومين الدرزي وهيك رح نضل مش هيك خيي بو جوزف؟» ويقطع بو جوزف نفس أركيلته ليجيب صديق عمره ضاحكا «والله هلأ انتبهت إنك درزي يا زلمي». ويخبر الرجلان كيف كانوا يقرعون جرس الكنيسة بمناسبة وغير مناسبة معا «وقت لـ كان عنا همّة أيام الشباب، ويصرّخ علينا الأبونا فلّوا من هون حاج تزعجوا العالم، بس ما في شك إنو المصالحة كانت أشجع خطوة تاريخية بزمن الإحتلال» يقول أبو ناصر «تفضلوا عمي نتغدى سوا»…

لا يتركنا الجبل حتى ونحن نتركه عائدين الى زمن المدينة المعجوق بفراغه. نترك المختارة ونحن في ساحة ذاك القصر نستمع الى البطريرك صفير ونبتسم مع بسماته العريضة السعيدة بما أنجز، بوقع المحبة والكرامة والتحرر من حقد الغريب. نترك القصر ووليد جنبلاط يقف وسط الساحة يخطب بالناس ليبقوا في لقائهم، ليبقى الجبل زهرة المشاركة بالحياة والشرف والحرية… نترك الجبل وساحة دير القمر وسيدة التلة تعرفان ان من زرع يوما بذور المحبة لن يحصد إلا أرزا في وطن الأرز والحلا… كل ذاك الحلا.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل