البطريرك صفير… إن حكى!

أحبائي، لم أعجز يوماً عن اختيار كلماتي كما أعجز اليوم عن وصف مدى محبتي لكم، لقد وصلتني كلماتكم في وعيي واللاوعي، بين غفلة عين ونبضة قلب كانت صلواتكم تصل إلى أعماقي، ووصلت إلى الله الذي أنصت لطلباتكم العذبة لشفائي واستجاب وها أنا اليوم حيث لا ألم ولا حزن ولا تنهّد بل الحياة الأبدية بعد الرمق الأخير الذي لازمني طيلة سنوات كنتم تخشون خلالها رحيلي وكنت أخشى أن يخيب ظنّكم.

أعزائي، لقد سمعتكم ترددون عبارة الزمن البائس، وأنتم تعيشونه لكن لا تعتقدوا للحظة أن هذا الزمن دون نهاية وأن الله سيتخلى عنكم مهما بدت الأيام دون أفق فالسماء ستتدخّل لتعطيكم القوة والقدرة والتصميم فتنقلب الظروف من حال إلى حال.

تذكّروا نداء أيلول وظروفه، سيكون هناك أيلول آخر، تذكّروا ثورة الأرز، الثورة لن تخمد والأرز لن يهدأ ويستكين بل يزيد شموخاً، ربيعكم آت، أنتم ستزرعون وتحصدون فانتبهوا إلى ما تزرعون حتى يأتي الحصاد وطناً يليق بكم وحضارتكم وجذوركم وتعاليمكم وقيمكم، ازرعوا في الأرض بذور محبة وإيمان ورسوخ تحصدون منها وطناً.

أبنائي، قاوموا، قاوموا الضعف واليأس وضيق الأحوال، لا تكرهوا وطنكم مهما جارت عليكم دولتكم، أسلافكم جاعوا ولم يستسلموا، لا تخسروا معركة البقاء قبل خوضها، وإن خسرتم مرّة لملموا أشلاءكم وتحضّروا لمعركة جديدة فالأوطان لا تبقى وتُبنى إلا بسواعد حفنة من الفرسان الشجعان المقاومين المؤمنين.

في الأمس القريب اضطُهدتم ولم تخنعوا، أهانوا معيشتكم وأعمالكم ونغّصوا أفراحكم واستفزوا أتراحكم وأنكروا عليكم حريتكم ولم ترضخوا، إن كان لي دور بعد لا تجعلوا مني ذكرى، كرّموني رمزاً وعبرة وهداية لطريق سلكناها معاً فلا تتراجعوا، تمسّكوا بالحق، على قمم الجبال قاوموا وفي قعر الوديان، تواضعوا في مقاومتكم وارفعوا رؤوسكم إلى السماء، العذراء مريم لن تتخلى عن أبنائها وطفل المغارة لن يترككم، ثقوا أنه قد غلب العالم، لا تخافوا.

انطلقوا يا أحبائي، لا تحزنوا، أدرك أنني تركت الوزنات بين أيادي أبطال جبابرة لن يتوانوا عن إكمال مسيرة الحرية التي إن عدمناها عدمنا الحياة وهدمنا كل ما قاومنا من أجله، إن مَلَكنا حريتنا، مَلَكنا كل شيء، وإن فقدناها عبثاً نحاول.

لقد قلنا ما قلناه، لن نقول الوداع ولا إلى اللقاء، فالحياة تستمر، أحبكم يا أولادي والرب يبارككم، أمضوا بسلام، وأنا بسلامي أمضي.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل