البطريرك و«القوات»: شهادات من زمن الوصاية – 3

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1694

البطريرك و«القوات»:شهادات من زمن الوصاية

قاد شعبه والكنيسة بحكمة وإيمان وصلابة وبساطة (3)

 

هي حكاية يرويها مناضلون في زمن الوصاية عن بطريرك رفض الإستسلام فكان يقول كلمته ويبقى في مكانه، وعند كل استيضاح كان يكرر عبارته الشهيرة: «لقد قلنا ما قلناه».

هي حكايات من زمن النضال على أدراج بكركي حيث كانت وقفات ومواقف للبطريرك الذي آمن أنه «لن يضيع حق وراءه مطالب» ولم يتردد في المطالبة بالإفراج عن الدكتور سمير جعجع، «لأن الله لا يريد إلا الخير وإننا نؤمن أن هذا الخير سيتم بإذن الله».

رفض أن يساوم على الحرية «التي إن عُدِمناها عُدٍمنا الحياة». زار كل أصقاع الأرض لاستنهاض قضية إخراج الجيش السوري من لبنان، إلا طريق دمشق لم يسلكها. «لن أذهب إلى سوريا في زيارة سياسية» وفعل ما قاله.

لم يتراجع عن مواقفه فقال ما قاله  يوما على درج بكركي: «لسنا ممن يبدلون مواقفهم مع تبدل الحالات… نحن نريد أن نبقى في هذا البلد الذي هو لنا ولسوانا من اللبنانيين، ولكن أن نبقى على تفاهم وعلى سيادة والإستقرار فيه. ليس لنا أكثر من سوانا فيه، ولكن لا نرضى بأن يكون لسوانا أكثر منّا في هذا البلد…»

هي حكاية مناضلين مع بطريرك «الثورة» الذي شكل ملجأ للمظلومين في زمن الإعتقالات والترهيب والتعذيب فأطلق المقاومة السلمية على قاعدة الإيمان والرجاء، وأشعل شرارة الإنتفاضة الأولى على الإحتلال السوري في النداء التاريخي الذي أطلقه في أيلول من العام 2000، وجاهر علنا برعايته لقاء»قرنة شهوان»، وهيّأ المناخات الداخلية لمواجهة الإحتلال السوري، ومهّد الطريق أمام معارضة بدأت مسيحية وتحولت وطنية حتى كان يوم مليونية ساحة الشهداء في 14 آذار 2005.

على مشارف مئويته تقاعد بطريرك «الثورة» ولم يتقاعد «الثوار» والمناضلون عن ثوابت الوطن الذي حلم به البطريرك مار نصرالله بطرس صفير.

 

أبي عقل: كان يشجّعنا ويكرر… ما في ظلم بيدوم

نيسان 1994 كانت بداية حبكة زمن الإضطهاد والإعتقالات من قبل أجهزة نظام الوصاية وحلفائهم في لبنان. فبعد حلّ حزب القوات اللبنانية في 23 آذار 1994 واعتقال رئيسه الدكتور سمير جعجع في 21 نيسان توجه الضابط المسؤول عن المجموعة التي وصلت إلى غدراس واعتقلت الدكتور جعجع إلى الشباب وطلب منهم التجمع أمام المبنى. شربل أبي عقل كان هناك. وتم اعتقاله مع مجموعة من الشبان الذين كانوا موجودين مع الدكتور جعجع في غدراس. من مبنى مجاور لوزارة الدفاع إلى زنزانة تحت سابع ارض في الوزارة اقتيد شربل وتعرض لأبشع أنواع التعذيب على يد الأجهزة الأمنية والمخابرات…. كهربا. بلانكو. ضرب بالعصي. الدولاب…. وحده التعذيب والوجع والرجاء والصلاة كان يجمعه مع الرفاق المعتقلين والدكتور سمير جعجع…

بعد شهرين و20 يوما خرج شربل من زنزانة الإعتقال لكن التهديدات والإعتقالات استمرت. أول زيارة كانت إلى يسوع الملك لمقابلة النائب ستريدا جعجع ويروي: «عندما وصلت إلى يسوع الملك أخبرني الشباب أنها كانت في الخارج. توجهت إلى المكان الذي كانت فيه وانتظرت حتى انتهت من لقائها. كانت الساعة حوالى العاشرة والنصف. سألتني عن أحوالي وعن الحكيم وقبل أن تكمل بادرتني بالسؤال: «بتطلع عند البطرك صفير؟». في البداية ترددت بسبب تأخر الوقت ووجود عناصر من أجهزة المخابرات عند مدخل الصرح البطريركي. لكنها اصرّت. فأجرت إتصالاتها وتوجهنا بسيارتها إلى بكركي.

عندما وصلنا إلى المدخل ترجلت النائب جعجع من سيارتها وتوجهت إلى العنصر الأمني قائلة: «أنا ستريدا جعجع حكيت مع البطريرك صفير وطلبت منو موعد ووافق». ثم صعدت إلى السيارة ودخلنا بالسيارة ولحق بنا عناصر من الأجهزة الأمنية والمخابرات».

يتابع شربل أبي عقل: «عند مدخل الصرح كان ينتظرنا أحد الكهنة. رافقنا إلى الداخل وطلب منا ان ننتظر غبطته في مكتبه الذي كان مفتوحاً. وما هي إلا دقائق حتى دخل البطريرك صفير وكانت المرة الأولى التي ألتقيه مباشرة بعدما كانت لقاءاتنا رعوية عندما كان مطرانا على أبرشية جبيل. دام اللقاء حوالى الساعة والثلث تحدثت فيه النائب ستريدا عن آخر المستجدات والإتصالات التي تجريها في شأن قضية اعتقال الدكتور جعجع وأخبرته أنني كنت في الإعتقال مع الدكتور جعجع».

مشهد اللقاء الأول مع البطريرك صفير لا يزال ماثلا في ذاكرة أبي عقل. «كان يجلس على كرسيه بهدوئه المعتاد و«عكفة اليدين» ويصغي. أخبرته بكل تفاصيل وظروف الإعتقال ووسائل التعذيب المعنوي والجسدي الذي مارسها عناصر الأجهزة الأمنية والمخابرات مع الدكتور جعجع والرفاق خلال جلسات التحقيق، وكشفت له عن آثار التعذيب التي كانت لا تزال ظاهرة على يدي وجسمي. عندما انتهيت نظر إلى وقال: «بدعيلك وبصليلك ومنجرب نشوف شو بينعمل وإذا ممكن تتغيّر طريقة التحقيق مع الشباب والدكتور جعجع».

مع تكرار عمليات الإعتقال كان لا بد من مرجعية وسند. بكركي شكلت هذا السند المعنوي والروحي لشباب القوات وعائلاتهم ويقول شربل: «في كل مرة كان يتعرض الشباب للإعتقال يكون الصرح البطريركي ملجأ وسنداً لزوجاتنا وأمهاتنا وأخواتنا». ولفت إلى أن علاقة البطريرك صفير مع «القوات اللبنانية» سارت بشكل تصاعدي بعد مرحلة من الفتور نتيجة الأخبار التي كانت ترده من قبل الأجهزة الأمنية والمخابرات خصوصا بعد جريمة تفجير كنيسة سيدة النجاة حيث حاولت هذه الأجهزة وعبر تقارير وموفدين  تلفيق الأخبار لإثبات التهمة على حزب «القوات اللبنانية». وبعد انقشاع الغيمة الضبابية تحولت البطريركية إلى مرجعية لا سيما في التحركات التي كان ينظمها القواتيون في مناسبة عيد الميلاد والقداديس الشهرية التي تقام في ذكرى اعتقال سمير جعجع. وكان البطريرك صفير بمثابة الراعي والسند والضمانة بطريقة غير مباشرة لقضية القوات ومعاناة الشباب.

بعد صدور حكم المجلس العدلي في قضية تفجير سيدة النجاة نظمنا تظاهرة نحو بكركي وكان يرافقنا المحامي إدمون نعيم. يومها وقف البطريرك صفير على درج بكركي وخاطبنا قائلا: «لا بد للظلم أن ينتهي وتظهر الحقيقة». ويضيف أبي عقل: «في كل مرة كان يستقبلنا من دون موعد مسبق. وعند دخوله يحيينا قائلا: «أهلا وسهلا يا ولادي». وكان يصغي إلينا ويطلب منا أن لا نفقد الإيمان والرجاء. وقد تعزز هذا الإيمان بالحقيقة وببراءة «القوات» بعد تشكيل لقاء قرنة شهوان الذي ساهم في تأمين الغطاء الكنسي والسياسي له.

بعد خروج الدكتور جعجع إلى الحرية استمرت زيارات شربل أبي عقل إلى بكركي لكن زيارة الشكر الأولى كانت الأكثر دلالة على الدور الذي لعبه بطريرك الإستقلال الثاني في مرحلة النضال السري: «توجهنا إلى بكركي على رأس وفد قواتي لتقديم الشكر للبطريرك صفير، وكانت علامات الفرح ظاهرة على وجهه وقال بما معناه: «ما في ظلم بيدوم. واللي قاوم بهالفترة الصعبة قادر يحقق مبتغاه ويوصل لشاطئ الحرية». ويختم شربل أبي عقل: «البطريرك صفير هو الضمير والسند الحقيقي لمسيحيي لبنان والشرق».

 

صفير في رسالته الى الهراوي: الحكم على جعجع حكم على المسيحيين

في ما يلي نص الرسالة التي أرسلها البطريرك صفير في 25 حزيران 1996 الى رئيس الجمهورية الياس الهراوي وأوضح فيها رأيه في مسألة تفجير كنيسة سيدة النجاة واتهام سمير جعجع بها ووضع فيها النقاط على الحروف.

البركة الرسولية تشمل حضرة ولدنا الأعز، صاحب الفخامة، الأستاذ الياس الهراوي، رئيس الجمهورية اللبنانية، حفظه الله،

رأينا أن واجبًا تمليه علينا مسؤولياتنا من موقعنا كأب روحي لأبناء كنيستنا المارونية، بوجه خاص، وكمسؤول عن المقام البطريركي وما يمثل في الحقل الوطني، بوجه عام، أن نتوجه الى فخامتكم لنفضي إليكم بما يساورنا من مشاعر قلق حول مصير ولدنا الدكتور سمير جعجع المتهم بحادثة تفجير كنيسة سيدة النجاة في زوق مكايل التي جرت في 27 شباط 1994. وقد تعيّن، على ما أعلن، موعد الحكم في القضية، في الثالث عشر من تموز المقبل.

لا نريد أن نتدخل في شأن القضاء، وهو شأن مقدس. ولا نريد أن ندافع عن الدكتور سمير جعجع، غير أنه لا يمكننا أن نتجاهل أن سواه ارتكب ما ارتكب، يوم كانت الميليشيات تتحكم بالبلاد والعباد، وبقي حرًا طليقاً، فيما هو قابع، منذ سنتين ونصف، في سجن لم تتوفر له فيه دائمًا ما تنص عليه شرعة حقوق الإنسان، في معاملة السجناء. وهذا أمر يتنافى وما ينص عليه الدستور اللبناني، عندما يقول: «كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دون ما فرق بينهم» (المادة 7).

وقد تابع الرأي العام اللبناني، وبخاصة المسيحي، مراحل المحاكمة بشأن الكنيسة، وما تداخلها من ملابسات، وما قدمه وكلاء الدفاع من دفوعات لم يؤخذ بها، مما حملهم على الإنسحاب، فتتابعت المحاكمة دون محامين. وهذا ما ولّد لدى الرأي العام اللبناني، وبخاصة المسيحي، شعورًا، لا بل يقيناً، أن هذه المحاكمة سياسية أكثر منها قضائية، فضلاً عن أنه لا ادّعاء شخصي. وإذا حُكم على الدكتور جعجع في هذه الحادثة، بقطع النظر عن الأحكام السابقة التي صدرت بحقه، فإن الرأي العام المسيحي سيشعر بأنه هو من حُكِم عليه ظلمًا بتفجير كنيسته، وذلك إمعاناً في إذلاله وتحقيره، لأن الحكم، والحالة هذه، سيتعدى شخص المتهم ليتناول جميع المسيحيين. ولا حاجة بنا الى الإعراب لفخامتكم عما سيكون لهذا الأمر من عواقب وخيمة على المجتمع المسيحي واللبناني، وما سيتسبب به من عوامل تفسٌّخ وتفتيت وشرذمة، في وقت لا نزال فيه في أمس الحاجة الى تضميد الجراح ورأب الصدوع، وتهدئة ثورة الإنتقامات.

لذلك رأينا أن نلفت نظر فخامتكم الى هذا الأمر، وأنتم حامي الدستور، وقاضي القضاة، ورافع لواء العدل في البلاد، لتتدبروه بحكمتكم المعهودة، لكيلا يُسجِّل التاريخ على عهدكم ما لا ترضونه له ولكم.

وإنا، إذ نسأل الله، بشفاعة سيدة لبنان، أن يلهمكم ما فيه إراحة ضميركم وتهدئة خواطر المؤمنين بانتصار العدالة في لبنان، ننتهزها فرصة لنجدد لفخامتكم أخلص مشاعر التقدير والإحترام مقرونة بالدعاء إليه تعالى أن يوالي عليكم نعمة العافية ويسدد خطاكم الى ما فيه صيانة كرامة اللبنانيين وعزة لبنان.

الكاردينال

نصرالله بطرس صفير

بطريرك أنطاكية وسائر المشرق

 (انتهى)

 

إقرأ أيضاً: البطريرك و«القوات»: شهادات من زمن الوصاية – 2

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل