دومًا أوفياء…

آليت على نفسي عدم الكتابة عن رجل بحجم وطن، لأنني مقتنع تمام الاقتناع بأنني لن أفيه حقّه مهما قلت فيه. نعم البطريرك صفير رجل بحجم وطن، لأنّه حمل وطنه في قلبه فأبقاه حيًّا برغم أنّ الكثيرين أرادوا موته، لكن عنفوانه، وصلابته، والتزامه بمسيرة الآباء، والأجداد، مؤسسي الكيان، من مار يوحنا مارون حتى انقضاء الدهر، جعل من التزامه صخرة صلبة، تكسّرت عند أقدامها بنادق الغزاة وطواغيتهم.

قالوا الكثير الكثير في هذا الرجل العظيم. ومن قلّة إيمان بعضهم، ظنّوا أنّ لبنان ما بعده لن يكون كما في عهده. “يا قليلي الايمان”، لبنان بعد البطريرك صفير لا يستطيع الا وأن يكون كما عهِدَهُ وأكثر؛ وذلك لأنّه استطاع أن يثقل كاهل الذين سيخلفوه بإرثٍ حمله بفرح. هذا الارث الذي “كان أمينًا فيه على الكثير، لذلك سيعطى الكثير.”

لبنان يا من حملت مجده لن يخيّب آمالك. سيكون هذا الوطن، ونحن منه وفيه، على قدر أمانتك. يا أيها الراعي الصالح، اطمئن لقد تركت وطنًا فيه حرّاس لا ينعسون، ولا يكلّون. بحقّ الصليب الذي حملته، والجلجثة التي سرتها، إنّه لقائمٌ حقًّا.

نعم إنّ البطريرك صفير لم يكن يومًا بطريركًا مارونيًّا فقط، بل كان عن حقّ بطريركًا لبنانيًّا، ولكلّ اللبنانيين. لم يتحدّث يومًا عن فئة لبنانية فقط، بل حديثه عنى اللبنانيين جميعهم، نعني الذين حملوا لبنان مثله في قلوبهم وليس في جيوبهم.

قصدناه في زمن الاضطهاد سائلين منه الإذن لأي سفارة كي نهاجر من هذا البلد الذي مللنا منه. سمع استغاثتنا، وقال جملة ما زالت تدوي بعد عقدين من الزمن في رؤوسنا:” أنظروا ما بإمكانكم أن تعطوا وطنكم، وليس ما بإمكان وطنكم أن يعطيكم.” عندها غادرنا بكركي فاتحين صدورنا لجلادينا، طاردين الخوف من قلوبنا، ومستعدين للشهادة للحقّ لأن نتحرّر. وتحرّرنا.

لقد أعاد البطريرك صفير إلى لبنان ثقافة الأخوة والمسامحة والغفران يوم رعى مصالحات الاخوة وعلمهم المغفرة بعضهم لبعض كما غفر هو نفسه لهم. لقد رسم لنا طريق لبنان الجديد من خلال دولة أرادها سيدة حرة غير مرهونة السيادة لحساب أحد. حرب لبنان لم تكن حرب اللبنانيين بنظره، بل كانت حرب الآخرين بأدوات لبنانية. وكم تأسف وصلى لهؤلاء الذين رهنوا أنفسهم لغيرهم فحاربوا إخوة لهم في الوطن. وبفضل صلاته ومباركته تمّ إسكات المدافع جميعها ليعود السلام.

تعرّض للخداع من البعض الذين أخذوه على حين غرّة بتطبيقهم الاتفاق الذي رعاه تطبيقًا مجتزءًا. لم يستسلم. تابع مقاومته الصامتة حتى أخرج المحتلين والغاصبين جميعهم.

والمسيرة مستمرّة. وما بات يميّزها اليوم هو وجود الملهم والمرشد في أحضان الربّ. نلتمس شفاعته، ونسير بهديه خطانا كلّها. ولن نستطيع الا أن نقوي الصيغة اللبنانية التي أشار اليها، تلك الصيغة التي تجعل من جناحي المكوّن اللبناني في خدمة الوطن. وليس عكس ذلك. فالمسيحيون والمسلمون معًا في خدمة لبنان. لأنّ عيشنا المشترك هو القيمة الحضارية التي تميّزنا في هذا العالم الدامي، والرسالة السماوية التي نحملها على هذه الارض للأوطان كلّها.

أمّا حرّيّتنا التي لجأنا الى المغاور والكهوف لنحافظ عليها وعلى إيماننا الحرّ، فلا نستطيع الا أن نسلك درب الذين سبقونا والذين بفضلهم سلِمَت حرّيّتنا وبقي لبنان لنا ولأولادنا وأحفادنا من بعدنا. “سيبقى لبنان بلد الحرية والديموقراطية والعيش المشترك، ولا معنى للبنان من دون هذه الصفات.” ويجب أن نحافظ على فرادة لبنان، “وهو البلد الوحيد في المنطقة الذي يتساوى فيه المسلم والمسيحي في الحقوق والواجبات.” وبمحافظتنا على هاتين الركيزتين يبقى لبنان ويستمرّ.

على الصعيد الشخصي، أفاخر بأنّي كنت المبادر الى تسمية أحد أفواج جمعية كشافة الحرّيّة يوم كنت فاعلا فيها، باسم: “فوج البطريرك صفير”، في الشياح وعين الرمانة. وذلك في العام 2015. وبذلك أكرن قد كرّمت هذه الايقونة بحسب قدراتي المتواضعة آنذاك.

سأعاهد الربّ وفاء منّي لرجل آمنت بالطريق الذي رسمه لنا، أن أبقى وفيًّا للمبادئ التي ربّانا عليها، وأن أعمل ما أوتيت من قدرة للمحافظة على إرثٍ بحجم شعب ورجل لا يموت. والويل لي إن سلَّمْتُ يا سيّدي ما سلَّمتَني كما استَلَمتُ.

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل