المطران سعادة يروي محطات من مسيرة البطريرك صفير

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1694

المطران سعادة يروي محطات من مسيرة البطريرك صفير

• أسرار زيارة الجزائر ولقاء عرفات

• قصة هبة المليون دولار التي رفضها

• جرح التهجم عليه في بكركي: سامح وغفر

 

هذه المحطات البترونية كانت كثيرة ومتنوعة. وقُدّر لراعي أبرشية البترون المطران بولس إميل سعادة أن يرافق البطريرك مار نصرالله صفيرفيها، على مدى أكثر من عقدين من الزمن. جمعتهما قضايا كنسية كثيرة ومهمات وطنية وتعاونٌ في العديد من الملفات… علاوة على إدارتهما تباعا لأبرشية البترون المارونية. يحمل المطران سعادة الكثير في ذاكرته وقلبه عن تلك الحقبة الغنية. وهو يختار منها ويروي مستطردا أحيانا ليتناول أحداثا من خارج البترون بل من خارج لبنان، جامعها المشترك أن البطريك صفير كان فيها المحرِّك والمقرِّر. ومن تلك المحطات ما حفر في تاريخ الوطن وغيّر مساراته.

ويشدد سعادة أن للبترون معزة خاصة لدى سيدنا صفير. ربما لأنه رافقها منذ بدايات حياته الحبرية، و»هو دائما ما كان يظهر لي هذه العاطفة تجاه البترون، وهو طبعا لم يهمل باقي المناطق بل يمكن القول أنه نذر حياته وجهوده في خدمة كل لبنان ومجد لبنان».

 

زيارة الجزائر ولقاء عرفات

يبدأ سعاده بقصة وصفها بالمميزة ويسرد: في العام 1987 قصد بكركي صهر الرئيس الجزائري الراحل الشاذلي بن جديد، وكان ما يزال يومها على سدة السلطة. كان الزائر معجبا بشخصية البطريرك صفير وبأدائه، وقد نقل إليه السلام والتحيات من الرئيس بن جديد. أثناء الزيارة فاتح الضيف البطريرك برغبته في أن يزور رئيس الكنيسة المارونية الجزائر لما له من صدى طيب هناك، وأنه سيرتب له لقاء مع الرئيس بن جديد. وإذا كان لا مانع لديه فإن دعوة رسمية ستوجه إليه لزيارة الجزائر، موضحا أن لا أسباب سياسية للدعوة وأنها بمبادرة منه لا من الرئاسة. يقول المطران بولس إميل سعادة الذي كان حاضرا اللقاء، إن البطريرك صفير شكر الزائر على اهتمامه وإطرائه ووعده التفكير بالأمر، باعتبار أن الدعوة قد تكون موقفاً عاطفياً أكثر منه واقعا.

ويضيف، أنه بالفعل لم يمضِ وقت طويل على هذه الزيارة حتى وصل إلى بيروت وزير الشؤون الدينية والأوقاف الجزائري بو علّام باقي حاملا إلى البطريرك صفير دعوة رسمية لزيارة الجزائر، ويتضمّن برنامج الزيارة لقاء مع الرئيس بن جديد… وعد البطريرك صفير بالعمل لتلبية الدعوة وقال: «انشالله خير»، شاكرا للوزير باقي جهودَه ومتمنيا له طيب الإقامة في لبنان، ومحمّلا إياه رسالة شكر للرئيس.

بعد أيام، يتابع المطران سعاده، اتصل بي غبطة أبينا البطريرك ودعاني للتباحث في أمر وصفه بأنه مهم. فتوجهت إلى بكركي كالعادة مدركا أن في الأمر مهمة ما. وبالفعل تحدثنا بداية في زيارة الجزائر وأمور كنسية ووطنية أخرى، ثم أطلعني على أن ياسر عرفات، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، موجود في الجزائر في الفترة المحددة للزيارة، ولا أريد أن يقال إن البطريرك الماروني ذاهب إلى الجزائر للقائه، كما أني لا أريد أن ألغي الزيارة. قلت له وما العمل إذن؟ فتابع البطريرك صفير: أنا أرسلت بعض الموفدين إلى عدد من القادة المسيحيين أستطلع آراءهم بالأمر فلا أتفرد بالقرار، وأريد منك أن تذهب إلى الرئيس (سليمان) فرنجية وتطلعه على الأمر ولمعرفة رأيه. فتوجهت إلى زغرتا وقابلت الرئيس ووضعته في كامل التفاصيل وفي ما يفكر به البطريرك. وكان جوابه: «أعطني 24 ساعة وأعطيك الجواب». فقلت: «سأغيب أياما قليلة وأعود». وقبل انقضاء اليوم الثالث اتصل بي الرئيس فرنجية فوافيته في الحال. وكان أول ما تفوه به: «قول لسيدنا ألله يوفقو». ففهمت أنه مع الزيارة، لكن لم يكن واضحا على ماذا بنى الرئيس قراره، خصوصا أن عينيه كانتا تنضحان ببعض الكلام. فقلت وماذا أقول لسيدنا غير ذلك، ولماذا طلبت الـ24 ساعة؟ فأشار إلي بالجلوس وقال: «وددت أن أغتنم المناسبة لتحقيق أكثر من هدف، خصوصا أن البطريرك الماروني وسيدنا صفير تحديدا بإمكانه أن يقوم بما لا يستطيع أن يقوم به سواه. فاتصلت بالرئيس (حافظ) الأسد وطلبت منه دعوة البطريرك صفير إلى دمشق استباقا لزيارة الجزائر على أمل إصابة أكثر من عصفور بحجر واحد. وكان جواب الأسد أن البطريرك صفير يمكنه أن يزور سوريا ساعة يشاء، وأنه مستعد لإقامة أفضل استقبال له عندما يقرر الزيارة. فقلت، ولكنّي لا أٌعلمك برغبة البطرك بزيارة سوريا بل أطلب منك أن توجه إليه دعوة رسمية، وأعتقد أن في ذلك مكسبا للجميع. فقال الأسد لا لزوم لدعوة رسمية، وأعدك بأنه سيكون له أفضل استقبال… فقلت له هذا بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق وشرف لكم أن تدعوه، وهو لن يقوم بهذه المبادرة من غير دعوة أرى فيها العديد من الإيجابيات لسوريا قبل لبنان وبطرك الموارنة. بناء لذلك وجدت أن على سيدنا تلبية الدعوة الجزائرية وليتصرف هناك ما يراه مناسبا.

حمل المطران سعاده جواب الرئيس فرنجية مع تفاصيل اللقاء إلى البطريرك صفير الذي إستمع جيدا كعادته ولم يعلّق. فقط قال «إن معظم الآراء أجمعت على تلبية الدعوة لزيارة الجزائر وسألبيها. ولذلك عليكم أن تكونوا جاهزين في الوقت المحدد للتوجه إلى الجزائر»، طالبا من المطران سعادة تحضير بعض الملفات وتنفيذ بعض المهمات المتعلقة بها. ففهم أنه سيكون في عداد الوفد، وتصرف على هذا الأساس. «وفي الوقت المحدد توجهنا إلى العاصمة الجزائرية. هناك كان استقبال مجلجل للبطريرك الماروني والوفد المرافق، ولقاء ودّي ومثمر مع الرئيس بن جديد حضره وزير الشؤون الدينية والأوقاف بو علّام باقي وعدد من المسؤولين».

لكن خلال فترة الإقامة حصل ما توقّعه البطريرك، إذ ورد إلى مقر إقامته اتصال من ياسر عرفات يطلب لقاءه. يقول المطران سعادة: لم يفكر البطريرك طويلا. هو وقف بين حدّي المسامحة والغفران في المسيحية، والموقف الصادق والصلب في الوطنية. وقال ليأتِ إن شاء، بشرط ألا نتحادث في السياسة. أريده لقاء سلام فقط. واشترط ألا يكون اللقاء لا في القصر الرئاسي ولا في مكان محايد، وطبعًا ليس في مقر عرفات، بل في مقر إقامته. فالبطريرك صفير وهذا أيضا يسجل له عاش مسيحيته كما يجب. ولم يُرد أن يرفض اللقاء بمعنى أنه يحمل الكراهية، كما لم يُرد أن يقدّم لعرفات فرصة مجانية لاستثماره في السياسة. لكن عرفات المتمرّس بمثل هذه القضايا، حاول الإلتفاف على جوهر اللقاء، وطرح على البطريرك صفير زيارة القدس، مبررا ذلك بأنها موقع ديني مسيحي، فسأله صفير ولماذا عليّ أن أزور القدس في ظروف ليست مناسبة لمثل هذه الزيارة؟ أجاب عرفات زيارتها تعطيك مجدا وتزيدك سلطانا… بقي البطريرك صامتا محدّقاً بالمشاركين في اللقاء جميعا وكأنه أراد التفرّس في وجوههم لمعرفة ما يجول في خواطرهم. وعندما التقت عيناه بعيني المطران سعاده شعر بأنه التقط كلمة السر، فالتفت إلى عرفات وقال: البطريرك الماروني أعطي له مجد لبنان وسلطانه يمتد من أنطاكيا إلى سائر المشرق. فنظر عرفات إلى البطريرك متجاهلا ما قيل، وكأنه كان ينتظر جوابا مغايرا من غبطته أقل حدّة أو ربما ما يوحي بقبول الطرح ولو بالمبدأ. فسارعه صفير بالقول: سبقني سيدنا المطران في قول ما قال وهذا هو جوابي. ففهم عرفات الرسالة وقطع الزيارة وغادر المكان.

أحد الصحافيين الجزائريين ممن تابعوا صفير في تلك الجولة يروي عن هذه الحادثة يومها، أن الأوساط الجزائرية كانت معجبة جدا بشخصية رجل الدين المسيحي الآتي من بلد الإضطرابات. هذا الذي خذلنا مرتين: مرة عندما توقعنا أنه لن يأتي إلى الجزائر وسط الظروف التي كانت قائمة يومها في بلاده. ومرة بأنه التقى الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات وجُرحُ اللبنانيين عموما، والمسيحيين خصوصا، لم يندمل بعد. لكنه التقاه فكسب هو كنز السماح ولم يترك لعرفات أن يكسب أمرا واحدا مما أراده من أهداف اللقاء. اللافت أكثر أن البطريرك استطاع توجيه رسائل عديدة من زيارته إلى بلادنا، واحدة بأن التمادي الفلسطيني لم يحن زمن طيه بعد، وأخرى للبلدان العربية التي كانت لها أدوار من قريب أو بعيد بما خصّ الحرب اللبنانية، بأنه آن الأوان للتدخل إيجابا لإنقاذ البلد الشقيق (ولم يمر وقت طويل قبل أن يُقَر إتفاق الطائف وتدخل الجزائر طرفا مع السعودية وسوريا في ضمان تطبيقه). وربما رسالة أخرى إلى الرئيس السوري حافظ الأسد، مفادها أن لبنان ليس في قفص مهما حاول النظام إلى ذلك سبيلا.

 

ما حاجتي للمليون دولار؟

ينتقل المطران سعادة إلى محطة أخرى في مسيرة البطريرك صفير. يبدو عليه التعجب، وقبل أن يبدأ الحكاية، يقول فعلا أن البطريرك صفير رجل إستثنائي في تاريخ الكنيسة وتاريخ لبنان. ويتابع: مرة زارت الصرح الوزيرة ليلى الصلح حمادة. كالعادة تناول الحديث بعض الشؤون الوطنية والإنسانية وكانت للبطريرك المواقف منها جميعا، والثناء من الضيف على حكمته، والإطراء لتواضعه.

وعندما انتهى اللقاء وهمّت الوزيرة الصلح بالمغادرة أبلغت البطريرك صفير أنها تحمل له سلاما من الأمير الوليد بن طلال، وأنها باسم الرئيسين الراحلين رياض الصلح وصبري حماده تهنئه على مواقفه الوطنية الجامعة وعلى ما يقدمه للبنان، وأخرجت من حقيبتها ظرفا قدّمته باسمهما إلى البطريرك صفير. وعند سؤالها عن مضمونه، قالت هذا عربون تقدير بسيط لعطاءاتك ويمكن أن يشكل دعما لبعض النشاطات أو الجمعيات. ولما فضّ البطريرك الظرف وجد بداخله شيكا بقيمة مليون دولار. فقال: ما هذا ولأي سبب؟ فأجابت حماده هذا لك سيدنا، وطبعا ليس من قيمتك. فقال وما حاجتي للمليون دولار؟ هناك جمعيات كثيرة بحاجة إلى مساعدة، أفضّل أن تقدميه لها… كاريتاس مثلا. فقالت لا بأس حوّله إن شئت إلى من تريد. فقال لا لا، مشكورة بالطبع على هذه اللفتة، ومشكور كل من قام وساهم بهذه المبادرة الكريمة، وما يعنيني منها هو سمو كرمكم وطيبة نفوسكم، ولكن لا يمكنني قبولها. لا يجوز ولا أريد أن يقال يوما أن بطريرك الموارنة قبل هبة مالية، في حين أن هناك من هو في حاجة ماسة إليها. وتابع: حوّليها بنفسك إلى كاريتاس، واعتبري أني قبلتها. فابتسمت ووعدت بتنفيذ رغبته. وهكذا كان.

وقبل أن تغادر، نظرت الوزيرة إلى البطريرك نظرة إعجاب، في وقت كان يُفترض في مثل هكذا وضع أن يكون المانح غير راض عن عدم قبول منحته. لكنها أدركت أن البطريرك تصرف بخلفية سموه وحكمته وتواضعه في آن. فتبادلا الشكر والثناء… وغادرت.لتبقى هذه الحكاية واحدة من مآثر البطريرك صفير الكثيرة، «وياما وياما آخد البطرك متل هيك مواقف وما حدا عارف».

 

أغفر باسم أبي

يستخرج المطران سعادة من الذاكرة أحداثا كيفما اتفق، المفرح منها والمحزن، الغني والمؤثّر. يقول ربما يكون أكثر ما جرح البطريرك صفير هو يوم هاجمت صرح بكركي عام 1989 جماعات من الشبان الغاضبين الأراعن، وأهانوا غبطته فلم يحترموا المقام ولا القامة. أهانوا سيدنا بممارساتهم الوحشية الدنيئة من جهة، وأهانوه بتحميلهم إياه ما لم يفعله، فتجنّوا عليه وأهدروا مآثره من جهة ثانية. ويضيف، أسرّ إلي البطريرك يومها، عندما اضطر إلى مغادرة بكركي والإنتقال إلى المقر البطريركي في الديمان، أنه حزين مجروح في العمق. مؤلم أن تأتيك الطعنة من أبنائك وممن تحب. قال، هو جرح لن يطول الوقت قبل أن يندمل، والتسامح كفيل بمحو كل الخطايا، والغفران نحمله للضالين لا لسالكي دروب الرب، وأنا أسامح وأغفر باسم أبي الذي في السماوات، غير أنّ الحزن حفَرَ عميقاً وسيطول.

يومها هالني ما حصل وما سمعت، وحاولت ترطيب خاطر سيدنا والسعي مع آخرين لتهدئة روعه، وللحد من تأثير الحادثة على دور البطريرك الوطني في تلك الحقبة القاتمة من تاريخ لبنان. ولم يطل الوقت قبل أن يزوره الرئيس رينيه معوض الذي ساهم مع سواه من الساعين في إقناع البطريرك بالعودة إلى بكركي ومواصلة دوره في ما كان يحصل بين أبنائه… وهكذا حصل. وربما يكون المؤثر الأكبر في عودته أكثر من سعاة الخير، هو حس البطريرك صفير الوطني ووطأة المسؤولية، ما يسجِّل له تمايزاً أخر وميزة إضافيه على صفاته ومآثره.

 

قريبا من لقاء قرنة شهوان

وينتقل سعاده إلى محطات أخرى فيروي نقاشات التحضير لتأسيس قرنة شهوان ودور البطريرك صفير المؤثر، وكيف فضل أن يبقى بعيدا عن الأضواء فانتدب لتمثيل بكركي في اللقاء المطران يوسف بشارة. وكيف كانت الآراء متضاربة بين من يدعم هذه الفكرة ومن بدا غير متحمس لها، وبين المتحمسين من كانت لهم آراء تختلف عن رأي سيدنا، وكان منفتحا على كل النقاشات، لتبيّن الوقائع بعد مرور السنوات وتوالي الأحداث، أن رأيه كا في مكانه وأنه فعلا كان صاحب رؤية وبصيرة.

الأمر نفسه تكرر ليلة النقاش حول بيان مجلس المطارنة الموارنة في أيلول العام 2000، بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي، وكان البطريرك صفير مقتنعا بضرورة اغتنام الفرصة ورفع الصوت للمطالبة بجلاء كل الجيوش الأجنبية عن لبنان، «خصوصا أننا بتنا نلاقي ما لا يطاق وما لم نعتد عليه نحن الموارنة على مر التاريخ». ومرّة أخرى أثبت أنه كان على حق، وأنه كان اللاعب الأكبر في كل تلك الأحداث، محافظا على دور البطريركية المارونية في حماية لبنان والدفاع عن الحريات جوهر وجوده وبقائه.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل