بخاطرك سيدنا… بس مش بخاطرنا

هذه مشهدية موت، لكنها من أجمل ما شاهدناه وشهدنا عليه في لبنان بعد مشهدية ثورة الارز! كمن جاء مهرولا ليستغفر ربه، لأنه بطريقة ما أساء الى من صنع استقلال لبنان الثاني. كمن جاء يصرخ “عفوك سيدنا”، حتى ولو لم يخطئ بشيء، لكن نقاء وتواضع الكبير الشجاع يجعل كل آخر منا متغرّب عن نفسه في زاوية الخطيئة، فيهرع ليصلي بداية فوق جثمان سيدنا، مار نصرالله بطرس صفير، وليخرج الى شمس رحبة ويشاركه في لحظاته الاخيرة معنا فوق الارض الفانية.

نعش يتراقص على أكتاف الحب، وحب اجتاح الساحات كعاصفة، والريح تهدر كالحرية في ساحات الاحرار. عبقت رائحة البخور، بخور حضورك سيدنا في ضمير امة ووجدان الناس التي اقفلت الطرقات والساحات لتلوّح لك بيديها وانت في الطريق الى بكركي، في مشهدية حصل مثيلها تقريبا، يوم مجيء البابا يوحنا بولس الثاني الى لبنان زمن الاحتلال العام 1997 بسعي من البطرك صفير، وان لم تكن يومها الحشود بهذا الحجم.

في طريقه الى بكركي، غصت الطرقات لملاقاة ايقونة البطاركة الموارنة، والى بكركي توافدت الناس من كل لبنان لتلقي النظرة الاخيرة على الوجه المشع حتى وهو في الغياب، ولتصفق بحرارة للنعش الذي تحوّل عرشا رغم تواضعه، لكن القلوب سيدنا هي أجمل العروش على الاطلاق، وانت ما تنقلت في صندوق الخشب، انما تناقلتك اهداب الوفاء الى بيتك الابدي.

كم عدد الناس الذين تقاطروا الى بكركي لإلقاء نظرة الوداع قبل اللقاء الاخير؟ لا احد يعلم، لكن الاكيد انها ليست مظاهرة لأجل الحرية والسيادة، ولا هو احتفال بالنصر على الغرباء والفاسدين والعملاء، انما هو البطرك صفير، هو المتواضع الذي اجتاح كياننا وطرقاتنا وعيوننا الدامعة الرامشة على ذاك المزيج من الفرح والشجن والحنين والفخر، الفخر، ذاك الشعور الذي غاب عن كرامات كثر في لبنان، الفخر ان لنا شخصية لبنانية صميمة تجاوزت كل الحدود والمحاذير، ورغم التقاعد والابتعاد عن الاضواء، ورغم وطأة السنين التي قاربت المئة، بقيت تلك السطوة، ذاك السحر، هذه الهيبة التي لا تقارب، وكل كل ذاك التأثير على الحياة العامة وعلى قلوب لبنانيين مؤمنين حتى العظم، بان هذا الرجل صنع استقلال لبنان الثاني وان لولاه لما كانت بالأساس ثورة الارز تلك.

لا نعرف ماذا جرى فعلا في لبنان في مسيرة البطريرك الاخيرة، بدءًا من مستشفى اوتيل ديو وصولا الى بكركي حتى لحظة غياب النعش في ضياء الابد. لا يستطيع أحد ان يفسّر او يبرر هذا الزحف البشري خلف هامة مماثلة؟ او لنقل، هذا ليس زحفا بشريا بالتعبير الشعبي، هذا في فيض الحب، فائق الوفاء، ولم نجد ما نسدد به فعلا دين الوفاء الا بالوفاء والامتثال بأقواله، افعاله، قيمه، ايمانه، لبنانيته الصميمة.

هنا ليس مجرد بطريرك، هو سليل البطاركة الموارنة المقاومين، مار يوحنا مارون، الدويهي، عريضة… هو من تشرّب عبق وادي قنوبين، ذاك الذي ورث صلابة جبال الارز والسنديان والزيتون، وعبق الانشودة المارونية العتيقة، وصوت الناي والعود يتردد بين فجوات الجبال والوهاد والوديان حين يحمل نثرات الالحان الشجية من ذاك الوادي، من مغاور المقاومين، من جبّة الصامدين في المسيح ووعر النضال وعبق التاريخ، الموارنة يا عالم هؤلاء الذين مع مار يوحنا مارون صنعوا مجد لبنان، والمارونية هنا ليست طائفة ولا مذهبا، المارونية هي لبنان.

هي المسلم والمسيحي بكل اطيافه والوانه، هنا نجد البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، وخلف ذاك العبق تحديدا، زحف لبنان صعودا الى رقي الرجل، ليتشارك معه آخر اللحظات فوق ارض الفناء تلك.

كان الناس كثرا، لكن وجه البطريرك ونبرة الصوت والحضور، هيمنت على الوجوه كافة، كانوا كثرا لكن كانوا بمعالم موحدة، عيون البطريرك الثاقبة الحنونة، تحوم فوق معالم الجميع.

رأيت وجهه الابيض المشع، الهالة المحيطة بالحضور الطاغي وهو في عز الغياب، الرهبة، تلك الرهبة التي فرضت ايقاع الصمت المهيب امام جثمانه المسجى في قلوبنا. لم يتماهى شعب يوما مع بطركه كما حصل مع البطرك صفير واللبنانيين. لم نشهد يوما على التفاف شعب حول بطريركه كما حصل مع البطرك صفير في حياته كما في وداعه.

ولما عبر النعش مروره الاخير، وغاب وجه البطريرك خلف ضباب الايام، علمنا ان سيدنا صار في ضيائه، ارتسم في ايامنا ايقونة طينتها من تراب هذه الارض، نعلّقها على ضميرنا ونمضي بها الى ايامنا الاتية. بخاطرك سيدنا، لكن ليس بخاطرنا ابدا هذا الغياب، وان كنا نعرف أنك لن ترحل منا، سكنت مكانا عميقا، ضمير الناس ووجدانهم وصرت هيك منا وفينا…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل