البطريرك صفير وبلاد البترون – 2

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1694

البطريرك صفير وبلاد البترون

تمسكوا بتراثكم وتقاليدكم وقراكم (2)

 

قاد البطريرك صفير الكنيسة المارونية خمسًا وعشرين عامًا حتى استقالته. في بداية تدرّجه في مسيرته الكهنوتية، عيّنه البطريرك المعوشي أمين سر البطريركية، ثم بعد سيامته مطرانا، عُيِّن نائباً بطريركياً عامّاً في 16تموز 1961 عن عدد من أبرشيات النطاق الأنطاكي بينها أبرشية البترون المارونية التي لا تزال تحتفظ بالكثير عن تلك الحقبة، سواء في الذاكرة الجماعية لأبنائها أو في أراشيف أديرتها ورعاياها وأهلها.

صحيح أن البطريرك صفير ترك بصمات لا تُنتسى حيث حلّ وعمل وشارك، إلا أن ما يميّز بلاد البترون عن سواها في هذه العلاقة، أنها تحتضن المركز البطريركي الماروني الأول في كفرحي حيث ذخائر القديس مارون. ودير مار قبريانوس ويوستينا في كفيفان حيث ابتدأ شربل وعمل اسطفان نعمة ودرّس الحرديني، الذي يرقد جثمانه في رحاب الدير ويفوح عطر قداسته في أرجائه. ودير مار يوسف في جربتا حيث هامة القديسة رفقا تلاقي نور القداسة بنور متلألئ، لم يعد بعيدًا عنه اليوم البطريرك الياس الحويك من حلتا البترونية أيضا، إذ تم الإعلان عن قبول دعوى تطويبه واحتضان هذه المنطقة الشمالية الهانئة من لبنان لإعلان جديد على دروب السماء.

هذه المنابع المقدّسة والمراقد المكرّسة، عنت الكثير لذاك الآتي من عطر الأديرة وسِيَر القديسين… البطريرك القديس. هو رافق أبناء بلاد البترون مطراناً ورافقوه بعدها بطريركاً، فلم تنقطع العلاقة على مدى عقود ولم يخفت الود ولا جذوة التقدير. عرفته رعاياها أباً ومرشدا اهتم بشؤونها وخاوى أهلها فزارهم في كنائسهم وفي منازلهم واستمع إلى همومهم وشاركهم الأفراح والأحزان. وأحبّته ووالته بطريركاً على كرسي أنطاكيا وحاملاً لإرث مارون ولهموم الكنيسة والوطن.

طبعاً لا يمكن حصر البطريرك صفير بمنطقة أو أبرشية ولو تمايزت وغلت كما يقول راعي أبرشية البترون السابق المطران بولس إميل سعادة. فالبطريك الكبير،هو بحجم وطن وإرث وقضية، ويختزن من المحطات والحكايات ما تعجز عن ضمه مقالات وكتب ومجلدات…

 

ذهب مطراناً وعاد بطريركاً

لم يترك البطريرك صفير بلاد البترون طويلاً بعد انتقاله من نيابته عليها إلى السدة البطريركية، أو ربما هي لم تدعه يغيب عنها. جادت عليه بالمناسبات الكنسية والروحية، فراح يكرر زياراته ومشاركاته في احتفالاتها التي شكلت ميزة في فترة حبريته.

ففي الثالث من آب 1996 قصد البطريرك صفير دير مار يوحنا مارون في كفرحي لترؤس قداس تبريك أبنية الدير بعد انتهاء المرحلة الأولى من الترميم. وهي الزيارة الخامسة له بعد تسلمه السدة البطريركية. ثم زاره ثانية في الثامن من كانون الثاني عام 2000 لترؤس القداس بمناسبة إعادة ذخائر القديس مارون من إيطاليا. وفي 24 أيار 1998 زار دير مارقبريانوس ويوستينا في كفيفان لترؤس قداس الشكر لمناسبة إعلان المكرم نعمة الله الحرديني طوباوياً. وفي 24 حزيران 2001 ترأس في دير ماريوسف جربتا قداس الشكر لمناسبة إعلان الطوباوية رفقا قديسة. وترأس في 13 حزيران 2004 قداس الشكر في دير كفيفان لمناسبة إعلان الطوباوي نعمة الله الحرديني قديسا. ثم ترأس في 27 حزيران 2010 في المكان نفسه، قداس الشكر بمناسبة إعلان المكرم الأخ اسطفان نعمة طوباوياً. وطبعاً غيرها من الزيارات منها لدير راهبات العائلة المقدسة في عبرين.

 

قصة الذخائر ودير كفرحي

في العام 1787 ولدى زيارة البطريرك يوسف اسطفان الرعائية لأبناء رعيته في بلاد البترون بعد عودته من الكرمل، استوقفته اطلال دير مار يوحنا مارون في كفرحي، وعادت به الى رونقه القديم قبل هدمه في العام 1634 على يد يوسف سيفا. وكانت هناك وثيقة محفوظة عند آل فريفر (في كفرحي) في منزل القاضي رزق الله فريفر تحمل في طياتها تاريخ تحويل اسم الدير. «والمقام المبارك بحيث يتسمى ويقام باسم ابينا القديس مار يوحنا مارون دون غيره». وجاء في نص الوثيقة: «شاءت الظروف أن يمر البطريرك يوسف اسطفان بمنطقة البترون عام 1787، ويعرج على قرية كفرحي بتاريخ 15 تشرين الأول من السنة ذاتها، حيث طلب مشايخ آل فريفر أصحاب القرية التوجه الى كشف الدير الأقدم من كل القائم بحدود قريتهم المذكورة، وهو دير ابينا القديس يوحنا مارون البطريرك الانطاكي الأول على طايفتنا المارونية. فحضرنا الى الدير المذكور بذاتنا وطلب من أولادنا المشايخ المذكورين الشيخ يوسف والمشايخ أولاد عمه بيت فريفر الإذن والبركة والإسعاف والتأييد لكي يرمموا ويقيموا الدير المذكور فأذنّا لهم بذلك ومنحناهم البركة لأجل تتميم بنيتهم الصالحة».

وقبل أن يلتحق القديس يوحنا مارون، بدير مار مارون في وادي العاصي، كان مقره في سمار جبيل (البترون) قبل أن ينتقل الى كفرحي، وقد نصبه البابا سرجيوس بطريركا عام 685 على جبل لبنان. ولما هدمت جيوش الامبراطور يوستينيانوس الثاني الملقب بالاخرم دير مار مارون في وادي العاصي، تابعت زحفها لمحاربة موارنة لبنان فتصدى لها البطريرك يوحنا مارون وهزمهم في أميون. ويروى ان القديس يوحنا مارون كان نقل ذخيرة القديس مارون من العاصي الى كفرحي، وبقيت في الدير حتى العام 1130، ثم نقلت الى مدينة فولينيو في إيطاليا على يد راهب بنديكتاني.

وبهدف إعادتها، اتصل راعي ابرشية البترون المطران بولس إميل سعاده بمطران فولينيو اردينو برتولدو عام 1998، ليخبره عن رغبته في استعادة ذخيرة مار مارون، فوافق بعد استشارة الكرسي الرسولي وارسل الذخيرة الى لبنان في الحقيبة الديبلوماسية الفاتيكانية.وفي 8 كانون الثاني 2000، نقلت الذخيرة الى كرسي مطرانية البترون في كفرحي، وأقيم احتفال رسمي وشعبي ترأسه البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير وأودعت في كنيسة مار يوحنا مارون. وعن هذه المناسبة يقول المطران بولس سعادة الذي سعى لاستعادة الذخائر أنه كان مقترحا أن تودع في بكركي كونها المقر البطريركي، لكن البطريرك صفير طلب أن تكون في كفرحي لأنها من هناك أخذت إلى إيطاليا وإلى مكانها يجب أن تعود. وهذا ما يُظهر جانبا آخر من جوانب حكمة البطريرك الكاردينال صفير والتزامه الأصول.

 

ذكريات التطويب والتقديس

وشاءت النعمة الإلهية أن تكون البترون مقصدا مكرسا للبطريرك القديس، فقرّبته من القديسين. فعاد إلى البترون مع الإحتفالات بتقديس الطوباوي نعمة الله كسّاب الحرديني، في 16 أيّار 2004. وكان تطويب نعمة الله قبل ذلك في 10 أيّار 1998 حدثًا بارزًا في الكنيسة والرهبانيّة ولبنان، إذ أعاد إلى ذاكرة اللبنانيّين صورة «قدّيس كفيفان»، و«معلّم مار شربل»، الذي توفاه الله في 14 كانون الأوّل 1858، في دير كفيفان. غمرته الأيّام والسّنون طويلاً، فبين العام 1858 سنة وفاته، والعام 1998 سنة إعلانه طوباويًّا، مرّ زمان مديد، نسيَ فيه الناس أنّه، في تلك الزاوية الهادئة من دير كفيفان، يرقد  بالربّ، على رجاء القيامة، كنزٌ كبير، سوف يَشعُّ ضياءً ولمعانًا وقداسة.

وتململت عظام رفقا في 17 تشرين الثاني 1985، فأُعلنت بدورها طوباويّة. ثم رفّعت إلى مرتبة القداسة في 24 حزيران 2001. وفي كل هذه المناسبات كان البطريك صفير مترئسا الإحتفالات، وكانت النعم تفيض بحضوره في كل تلك الأرجاء. وهي باقية ذخرا وذكرى ما بقيت بشائر القداسة.

 

بطريرك القداسة في حضرة التاريخ

بعد إستجماع واسترجاع مسيرة البطريرك صفير، يجدر السؤال بدهشة، أليست علامة من السماء ونعمة من الله، أن يشهد خلال حبريته كل هذه النعم والأحداث التي لم يعرفها سواه؟ فهو شارك في روما، بحدث إعلان الأب شربل مخلوف الراهب اللبناني الماروني طوباوياً وقديسًا. وشارك في إعلان الأخت رفقا الراهبة اللبنانية المارونية مكرّمة ثمّ طوباويّة وقدّيسة. وفي إعلان الأب نعمةاللّه الحرديني الراهب اللبناني الماروني مكرّماً ثمّ طوباوياً وقديساً وفي إعلان الأخ اسطفان نعمه الراهب اللبناني الماروني مكرّماً ثمّ طوباويًا. كما تمّ فتح دعوى تطويب وتقديس كلّ من البطريرك الياس الحويك، البطريرك مار اسطفان الدويهي الإهدني، المطران عبداللّه قراعلي أحد مؤسّسي الرهبانيّتين اللبنانيّة المارونيّة والمريميّة المارونيّة والأب الحبيس أنطونيوس طربيه الراهب المريمي الماروني. وحضر رفع تمثال مارمارون إلى حائط كاتدرائية مار بطرس وبولس في الفاتيكان، وعايش البابا القديس يوحنا بولس الثاني وتأثر به. بلى هي علامات الروح ومؤشرات النعمة. فالبطريرك صفير هو الوحيد بين سليل البطاركة الموارنة الـ77 منذ 1600 عام الذي يحتفل برفع قديسَين وطوباويَّين على مذبح الرب. وهو الوحيد الذي عايش حقبة مكتظة بالأحداث من تاريخ لبنان مع ما حملت من تحولات ومحطات.

البطريرك صفير ورعيله المعاون، هم أبناء جيل انسحب من يوميات الحياة المضطربة لينكفئ إلى صفحات التاريخ الثابت. أنصفه شعبه وسينصفه التاريخ، وسيبقى في القلوب وفي الضمائر واحدا ممن جعلوا من قنوبين قمّة لا تطالها التحديات، ومن بكركي سيدة لا يقتصر سلطانها على سائر المشرق، ومن لبنان هاجسا ورسالة إلى العالم كله.

(انتهى)

إقرأ أيضاً: البطريرك صفير وبلاد البترون – 1

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل