لا ليست جنازة بل عرس لقاء

لبكركي هيبتها ورهبتها. وأنت تدخل حرمها في أي يوم عادي، تلتفت صعوداً نحو الأحراج المتعانقة مع الصرح فيتفيّأ نظرك ظلال الأرز، وتعرف بقرارة نفسك أن البطريرك عريضة وغيره من البطاركة قد اعتنوا وقلّموا تلك الأرزات، فنمت بنعمة الروح القدس اكثر منها بغذاء الطبيعة والشمس. تلتفت صعوداً أكثر، فترى أن سيدة لبنان المتوهّجة على أعلى الجبل المقدّس تحتضن المكان أيضاً، كسائر لبنان المكرّس لقلبها بدفء حنانه.

تدخُل الى بكركي في يوم جنازة البطريرك صفير، وفي بالك ان الحزن يلفّ المكان، فتفاجأ بأن بكركي التي احتضنت هذا البطريرك واحتضنها لأكثر من 35 عاماً، ليست مرتدية رداء الحزن “كمن لا رجاء لهم “، بل على العكس، هي تفيض رجاءً وتنضح أملاً، إذ تشعر بالأمل والمحبة يسريان في عروقك. لا، هذا ليس موعداً مع مجرّد رجل فارق الحياة، بل هو موعد مع حالم مع حلمه، مع رجل دخل الحياة الأبدية الحقيقية لتوِّهِ. سمِّهِ ما شئت، لكنه ليس موعد حزن.

تدخل الى كنيسة سيدة الإنتقال في الصرح، فلا تجد جثماناً كما جرت العادة في أي دفن تحضره، بل بطريركاً نائماً، لا يمكن ان تطلق عليه عبارة جثمان بمعنى ان الروح فارقته وبات بلا هوية، بل تقول البطريرك صفير نائم هو هو، وتعرف بثقة أنّه أغمض تلك العينين عن هذه الفانية ليفتحهما على “ما لم تره عين ولم تسمعه أُذُن”، على ما وعد به الرب مختاريه المُخلِصين لوصاياه الّذين “يسمعون كلمته ويعملون بها”. وتعرف أنأُذُنَي البطريرك قد سمعتا للتو وقع كلمات سَيِّدُهُ يهتف له بتشجيع مطلَق وثقة “نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ الأَمِينُ! كُنْتَ أَمِينًا فِي الْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى الْكَثِيرِ، اُدْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ”.

تلتفت في كل صوب، فتشمُّ عبق البخور يتدفّق مع النسيم إلى عمق الإيمان، فتهتف نفسكَ مع مرنّم المزامير “اَلصِّدِّيقُ كَالنَّخْلَةِ يَزْهُو، كَالأَرْزِ فِي لُبْنَانَ يَنْمُو”. ترى شابات وشباناً في كافة الأرجاء ينظّمون الحدَث المهيب بفرح وعطاء ورجاء، كأنهم ينظّمون فرحة زفاف حبيب او حبيبة. نعم، انها فرحة اللقاء لا الوداع، لأنك ستشعُر حتماً انك لست في جنازة، بل انت في سماء أو على مشارفها.

تتأمّل في الحشود، فترى أيقونة رفاق لا يتعبون لأنهم ابناء “قضية وطن”، ومن يختار سبيل هذه القضية فهو مثل “من وضع يده على المحراث”، لا يمكنه أن يلتفت الى الوراء، لأنّه يعرف مُسبقاً ان عليه كل يوم أن يحمل صليبه بفرح ورجاء، حتى يستحق قيامة لبنان. وكما قال البطريرك العظيم “الصليب لا يبقى صليباً حتى النهاية، لأن الصليب يتحوّل قيامة، صليب لبنان ستكون قيامته”.

تنصُت، فتسمع عند إطلالة النعش زغاريد النساء وتصفيق أيادٍ ليس فيها مسامير حزن. لا ليست جنازة، قل عرس اللقاء بل رجاء قيامة. نعم تسمع تصفيقاً حاراً، كأنّ هذا ليس دخول جثمان بقدر ما هو دخول ظافر عظيم على صهوة مجدٍ عظيم، وهو مجد لبنان الذي أعطيَ لمن يستحق هذا المجد المقدّس.

ودّعناك يا بطريركنا العظيم، ونفوسنا تفيض برجاء وإيمان ان نلتقيكَ قريباً قديساً على مذابح الكنيسة الجامعة، وكلّنا ثقة بهذا. فإلى اللقاء الكبير يا كبيرنا.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل