





كتبت “المسيرة” في العدد – 1694
خطة مارونية سرية للحل
إجتماع بكركي في 27/3/1976
المجتمعون: فخامة الرئيس سليمان فرنجية، الرئيس كميل شمعون، وزير الداخلية الشيخ بيار الجميل، الرئيس الأعلى لحزب الكتائب اللبنانية، الأباتي شربل قسيس رئيس عام الرهبانية اللبنانية، الشيخ بطرس الخوري، غبطة البطريرك أنطونيوس خريش والمطران نصرالله صفير نائبه العام.
التمهيد للإجتماع
في الساعة التاسعة إلا ربعًا إتصل هاتفيًا النقيب مكاري من القصر الجمهوري بالمطران صفير وأبلغه أن فخامة الرئيس فرنجية وكميل شمعون وبيار الجميل سيجتمعون اليوم بغبطته في بكركي الساعة الحادية عشرة. وأبلغ غبطته بالموعد وأمر بإعداد ما يلزم فيما لو بقي المجتمعون ضيوفاً على مائدة غبطته. وبعد قليل جاء من يقول إن صوت لبنان التابع لحزب الكتائب أذاع في إحدى نشراته في التاسعة والربع أن إجتماعًا هامًا سيُعقد في بكركي بحضور الرئيس فرنجية. وفي الحادية عشرة إلا ربعًا جاء بكركي الأباتي قسيس، وكان قد سبقه إليها عدد من الصحافيين ومصوّري الصحف وبعض رجال الأمن.
وفي الحادية عشرة وصل الرئيس فرنجية تتقدمه دراجة، فاستقبله على مدخل الكرسي عند ترجله سيادة صفير والمونسنيور شاهين ورافقاه الى قاعة الإستقال الكبرى، وكان غبطته قد لاقاه في منتصف الممشى المؤدي الى القاعة الكبرى واعتذر إليه قائلاً: كنت أقوم بمخابرة هاتفية ودعاه بعد دخولهما الى قاعة الإستقبال الى المكتب الخاص. وكان مصوّرو الصحف الذين أخذوا عددًا من الصور فيما كان فخامته يتجه من السيارة الى قاعة الإستقبال، قد أرادوا أن يأخذوا بعض صور في المكتب، فبادرهم غبطته بقوله: لا حاجة الى أخذ صور هنا، فانكفأوا راجعين. وكان غبطته قد دعا المطران صفير الى حضور الإجتماع، وسأل فخامته عما إذا كان لديه مانع في ذلك، فأجاب بالنفي. وما أن استقر المقام بفخامته وغبطته حتى دخل عليهما الشيخ بيار الجميل وتبعه الأباتي قسيس، الذي كان قد بقي في القاعة الكبرى، وبعد خمس دقائق وصل الرئيس شمعون يرافقه الشيخ بطرس الخوري.
موضوع الإجتماع
بعد المجاملات، إستهل الرئيس فرنجية الحديث بلهجة هادئة رصينة بقوله: أردنا أن نجتمع في هذا المقام الكريم بفخامة الرئيس شمعون والشيخ بيار والأباتي بحضور صاحب الغبطة، لنبحث في أمر ما وصلنا إليه. ولقد أصبح معروفاً أن الأحداث إبتدأت في 13 نيسان من السنة الفائتة وراحت تتصاعد، وكلما طلب منا أن نتنازل عن أمر تنازلنا، فبدلاً من أن تهدأ الأمور كانت تتصاعد، وهذا أصبح معروفاً لدى الجميع، والآن يطلبون من رئيس الجمهورية أن يتنازل، فأنا أسأل: هل إذا تنازلت ستروق الحال؟ كل شيء يدل على أنها لن تروق، ذلك أن هناك مخططاً الغاية منه قلب النظام في لبنان وتعمل له أحزاب ودول. وآخر دليل على ما أقول هو أننا قبلنا بتعديل الدستور لجهة المادة 73 بحيث يمكن إنتخاب رئيس الجمهورية قبل نهاية الولاية بستة أشهر، وإذا بأصحاب المخطط يتجاوزون المطلب ويصرون على إستقالة رئيس الجمهورية دون قيد أو شرط. لقد حاربنا هذا المخطط ولا نزال، ولكن هل يمكننا أن نتابع الحرب؟ عسكريًا كل منا عنده محاربوه ومقاتلوه وقد تمكنا حتى الآن أن نمنع المهاجمين من التقدم سواء أكان على محور زغرتا أم في بيروت أم في غير أماكن. ولكن يبدو أن الجبهة في المتين وعنطورا المتن تعاني من الهجمات المتتالية، ولكنها على ما عرفت وبرغم الصعوبات فقد منع الكتائب والأحرار المهاجمين من إشتراكيين وقوميين وفلسطينيين من الإلتقاء في بولونيا وفقاً لخطتهم المرسومة. وهذا ما أكده الشيخ بيار الجميل.
والآن أعود فأقول: لست راغبًا في السلطة وإني أضع إستقالتي بين يديكم. فإذا كنتم ترون أنها تحل القضية فإني أستقيل. ولكن يُخشى أن نقع في فراغ وأن لا يُنتخب بعدي ماروني للرئاسة الأولى. لذلك علينا أن نخرج من هنا برأي موحّد: إما أن أستقيل وكلنا هنا مسؤول، وإما أن تتواصل الوساطة السورية على أساس بعض نقاط واضحة وهي:
1- وقف إطلاق النار.
2- تعديل المادة 73 من الدستور بحرية تامة.
3- إنتخاب رئيس جديد بحرية تامة.
4- يستقيل الرئيس ساعة يرى ذلك مناسبًا.
وهنا تبودلت الآراء وتم الرأي على أن يتعهد غبطته أمام الفريق الآخر بإقناع الرئيس بالإستقالة بعد أن تتم الشروط السابقة، وذلك بغية إيجاد مخرج يحفظ للرئيس كرامته فلا يكون قد إستقال تحت الضغط. وكان العماد سعيد نصرالله قد إتصل بالأمس بغبطته هاتفيًا واقترح عليه هذه النقاط، وهذا ما قاله غبطته للمجتمعين.
وبعد أن أتم الرئيس شرحه للوضع، قال غبطته إن هذا السلوك تجاه الرئيس هو في الحقيقة تجنٍ لا نرضى به وكرامة الرئاسة الأولى من كرامتنا جميعًا، وليس منا من يقبل أن تتم الإستقالة تحت الضغط وبهذا الشكل. غير أننا ندرك جميعًا أن الوضع أصبح لا يُطاق، فالخراب شامل والحالة مشلولة والقتلى تتساقط بالمئات كل يوم والناس يهجّرون من بيوتهم وقراهم، وهذا لا يمكن أن يدوم، فإذا كنا نعتمد على دولة، فلنتابع وإلا فلنبحث عن مخرج لائق يحفظ الكرامة.
وبعد، إسمحوا لي أن أقول لكم إن كل العهود المتعاقبة قد إرتكبت أخطاء فتجمعت الآن وانفجرت، ولكن ليس الآن وقت عتاب وحساب. وأنا أرى أن الإقتراح الذي تقدم به فخامة الرئيس معقول ومقبول ويمكن الأخذ به والعمل على أساسه.
إما الوساطة السورية وإما الأمم المتحدة
وقال الرئيس شمعون: إن الوساطة السورية لا تبدو أنها فعّالة، وهذا ما كان أشار إليه فخامة الرئيس فرنجية بقوله: يظهر أنها ستقتصر على «بوس اللحى»، وأكد عليه غبطته على ما أوضحه في مكالمة هاتفية بينه وبين السيد عبد الحليم خدام، وزير خارجية سوريا عندما قال له: إذا كنتم تنتظرون أن نتفق لتباركوا، فلسنا إذ ذاك بحاجة الى وساطة، وأريد أن أنبهكم أن حالنا حال الغريق الذي قد يغرق معه منقذه إن لم ينقذه بالفعل وبسرعة. وتابع شمعون قائلاً: نحن مع الوساطة السورية شرط أن تسرع وتنجح، وإلا فعلينا أن نبحث عن طريق آخر. وأضاف: إتصلت بالأميركان عن طريق القائم بالأعمال في بيروت، فأجاب أنه سيراجع، وأنا أفكر إذا سُدّت بوجهنا جميع السبل في أن نذهب مع فخامة الرئيس الى الأمم المتحدة ونبسط وضع لبنان على العالم. وسيكون لكل حادث حديث.
أما الشيخ بيار الجميل فقال: أفهمنا الرئيس حافظ الأسد إنا ارتضينا أغلى التضحيات لكي نسهّل الوساطة السورية. وكنا قد أعلنا مرارًا أننا ضد تعديل الدستور ولا نرضى إطلاقاً أن يُمس. وفي سبيل إنجاح هذه الوساطة عدنا فقبلنا بتعديله في مادته 73. ومن الواضح أننا عسكريًا نضحي كل يوم بأرواح شبابنا، ولكن يجب أن نلقى حلاً مرضيًا ولا نرضى باستقالة الرئيس إذا كان المقصود منها إيقاعنا في الفراغ والتحكم بعد ذلك بمصير البلاد. كنا لا نقبل بأن يُقال عن لبنان إنه ذو وجه عربي، واليوم قبلنا بأن يُقال إنه بلد عربي. وإذا كانت هذه التضحيات والتنازلات لا ترضي الفئة الثانية، فذلك معناه أنه لن يرضيها شيء. ولكننا برغم كل ذلك لا نزال نأمل بنجاح الوساطة السورية.
سنحارب ستة آلاف سنة
وقال الأباتي قسيس: إن الوضع أصبح معروفاً. فالجماعة تتدفق عليهم الأسلحة والرجال وقد وجد بين القتلى في المتين صوماليون وعراقيون. وهناك فئات يسارية متحالفة تحارب ضدنا. لقد ثبتنا بوجهها ببسالة ولكن لا يمكننا أن نواصل الحرب والقوى غير متكافئة. والتفت الى الرئيس فرنجية قائلاً: إذا كنتم يا فخامة الرئيس تقدمون لنا الذخيرة اللازمة فسنحارب ستة آلاف سنة. أما أن نذهب ونبحث عن البندقية والرصاصة هنا وهناك ولا نجدها، فهذا لا يمكّننا من متابعة الحرب. لذلك يجب أن نبحث عن مخرج يضمن الكرامة، وهذا المخرج هو ما أشرتم إليه فخامتكم، والذي يقوم على وقف النار وتعديل الدستور وانتخاب رئيس جديد، وحينئذ يستطيع غبطته وهو يفاوض الجهة السورية أن يأخذ على عاتقه بأن يقول لها إنه يقنعكم بالإستقالة وتستقيلون.
ووافق الشيخ بطرس الخوري على ما قيل، وأضاف أنه اتصل بالرئيس رشيد كرامي واستعرض معه الوضع وقال إنه يحبذ هذه الطريقة، وأبدى تخوفه من موقف جنبلاط الذي يتوسّل الإنتصار العسكري ليفرض العلمنة على الدولة، وهذا ما يرفضه المسلمون. وتمنى كرامي، قال الشيخ بطرس، أن يكون موقف غبطته حازمًا بهذا الصدد، كأن يشير من طرف خفي باتخاذ إجراءات كفيلة بالمحافظة على كيان لبنان ونظامه.
وبعد تقليب الأمر على جميع وجوهه، وبعد أن سأل المطران صفير الرئيس فرنجية ما إذا كان يصرّ على تنفيذ الوثيقة التي وضعها في سوريا، وأجاب أنه لا يهمه منها إلا أن ينتخب بعده رئيس ماروني، أجمع المجتمعون على أن يفاوض غبطته الأطراف المعنية وعلى الأخص السوريين على أساس النقاط التي أوردها الرئيس فرنجية وهي وقف القتال وتعديل الدستور وانتخاب رئيس ماروني، ثم يستقيل الرئيس فرنجية.
وقبل اختتام الإجتماع رؤي أن يصدر بيان عن أمانة سر البطريركية حول الإجتماع، فتم وضع البيان بالصيغة التالية:
يوم السبت في 27 آذار عُقد إجتماع في بكركي من الساعة 11 الى الساعة 12,30 حضره (ما عدا غبطة السيد البطريرك خريش) فخامة الرئيس سليمان فرنجية، وفخامة الرئيس كميل شمعون، والشيخ بيار الجميل، والأباتي شربل قسيس، وتدارسوا الوضع الراهن. وتم الإتفاق على وجوب إستئناف الوساطة السورية، ووقف إطلاق النار ومواصلة البحث لإعادة البلاد الى وضعها الطبيعي، وفي حال فشل هذه الوساطة، إتفق المجتمعون على إعتماد جميع الوسائل الكفيلة بالحفاظ على سلامة لبنان وسيادته.
وعندما تُلي البيان، قال فخامة الرئيس فرنجية: أنا لا أزال رئيس الجمهورية. وعرف غبطته ما أراد أن يعني بقوله هذا، فقال له: لست أنا من أوحيت بكتابة إسمي قبل إسم فخامتكم، وعلى كل، فليحذف إسمي من البيان. فقال الرئيس: إن الإجتماع في بكركي يعني بحضور غبطتكم ولو لم يُذكر إسمكم، فهذا الأمر معروف. وتُلي البيان على الصحافيين ولم يبدِ فيه ذكر غبطته ولا المطران صفير ولا الشيخ بطرس الخوري الذي طلب هو إغفال إسمه.
ودعا غبطته الجميع الى تناول طعام الغداء، فاعتذر الرئيس فرنجية بأنه مدعو، والرئيس شمعون وبيار الجميل بأنهما قلقان على الوضع العسكري ويريدان أن يتابعاه عن قرب، ولا سيما أن كلاً من ولديهما يقود معركة في منطقة المتين وضهور الشوير. وأضاف شمعون قائلاً: خير لنا ألا نتغدى في بكركي لئلا يُقال: إنهم يحضرون الولائم والوضع في البلاد على ما هو. ولم يبق لتناول الطعام إلا الأباتي قسيس.
ونهض الجميع وخرجوا من مكتب غبطته، ورافق غبطته فخامة الرئيس من المكتب الى الرتاج على أعلى الدرج، ومدّ الرئيس فرنجية يده ليودع غبطته لكن غبطته رافقه حتى الباب الخارجي الى حيث استقل السيارة. وكان المصوّرون لا يزالون في الإنتظار، فأخذوا بضع صور فيما كان المجتمعون متوجهين الى حيث تنتظرهم السيارات. وكان في انتظار فخامته في ساحة بكركي بعض الناس من بينهم الأستاذ فؤاد نفاع الوزير السابق، والأستاذ أنطوان بارود رئيس مجلس الشورى وسواهم. ومضت سيارة الرئيس تتقدمها دراجة واحدة، وتحلق الصحافيون حول الشيخ بطرس الجميل فأدلى لهم بتصريح، وأعطاهم المونسنيور إميل شاهين بيان أمانة سر البطريركية.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]