
فجر الأحد الماضي، هَوَت أرزة من أرزات لبنان العتيقات. توقف القلب النابض بالحب والعطاء على مدى 99 عاماً عن الخفقان ها هنا، ليكمل النبض في الأخدار السماوية عن يمين الآب، حيث الحياة التي اشتهاها صاحب القلب الكبير أبداً، عن يمين نبع الحياة التي لا تعرف الموت، وفي بهاء نوره الأزليّ الأبديّ السرمديّ.
رحل سليل النساك، البطريرك المقاوم مار نصرالله بطرس صفير الكبير، بعد حياة مديدة شارفت المئة عام، قضاها “على حد السيف”، مقاوماً مناضلاً في سبيل ربّه وشعبه ووطنه، من دون أن يميّز يوما بين لبناني ولبناني، إلا بمقدار حبه ووفائه للبنان. حمل أمانة أسلافه المباركين منذ يوحنا مارون، محافظاً على إرثهم المبارك في الحرية التي قال فيها “نحن قوم أحببنا الحرية، ومن دونها لا يمكن أن نعيش”، على ما أوصى شعبه، كل شعبه، “لبنان ليس للمسيحيين ولا للمسلمين، بل إن المسيحيين والمسلمين هم للبنان، يعيشون فيه متضامنين متساوين موفوري الكرامة”.
هي الحرية التي طبعت شخصية بطريرك المقاومة اللبنانية التاريخية، والتي “اعتنقها” لأجل سيادة واستقلال وطنه وشعبه حتى الرمق الأخير. كادت تكون “أقنوماً رابعاً” لشدة ما “عشقها”، “إذا عُدمناها، عُدمنا الحياة”، وحفظ هذا الإرث العظيم عن أسلافه الكبار في أصعب الظروف والأحداث التي عصفت بوطنه ورافقت توليه سدة البطريركية طوال 25 سنة، وزاد في الوزنات وزنات ووزنات. لم يتهاون، ولم يتراجع، ولم ينحن، ولم يكبُ، ولم يلن، ولم ينكسر يوماً تحت أهوال الضغوط والتهديدات التي تعرّض لها من كل حدب وصوب، والتي تنوء بحملها الجبال، خصوصاً من قبل نظام الوصاية السورية.
لكن، ها هنا أعظم من الجبال. هنا أحد أعظم بطاركة الكنيسة المارونية، بل بطاركة الشرق ورجالات الدنيا. الثابت الراسخ العنيد في الحق، المتشبث بمبادئه وقناعاته ونضاله في سبيل سيادة واستقلال وطنه لبنان وقراره الحر. الثائر على الجور والظلم والاضطهاد لشعبه، ولكل مضطهد، والصارخ بالحق في وجه أعتى الظالمين المستبدين الدكتاتوريين الذين عرفتهم البشرية، دفاعاً عن لبنان وأهله الطيبين.
من منا لا يذكر تلك “الأيام البائسة”، يوم “كانوا” بغالبيتهم، وقد باعوا وطنهم وشعبهم بأبخس الأثمان، يزحفون فُرادى وجماعات إلى طاغية الشام، سائلين رضاه لمنافعهم الرخيصة… وجوابه المدوّي على من سأله ما إذا كان سيزور قصر المهاجرين؟ قصر المهاجرين! وأين يقع هذا القصر؟ أنا لا أعرفه.
ولم يزر قصر الذلّ، بل بقي متحصناً في صرح أسلافه على صراطهم المستقيم، يحفر جبل الاحتلال بصبر وطول أناة وإيمان راسخ صلب عنيد لا يهتز، بتلك الإبرة الصغيرة العتيقة من زمن النساك. فأبقى شعبه المبارك في الحرية والكرامة والعنفوان، وترك الزاحفين لذلّهم… وكان لبطريرك الاستقلال الثاني ما أراد، وزال الاحتلال البائد عن أرض لبنان في الـ2005، بعدما أطلق “أيقونة لبنان” شرارة الحرية في نداء المطارنة الموارنة الشهير العام 2000.
عبر “رجل الله” نصرالله صفير بشعبه الصحراء الطويلة، ومشى معه على دروب الشقاء والظلم والمهانة والتحقير والاضطهاد بطولها.
حمل أمانة أسلافه المباركين بكل إخلاص وتفانٍ، ولم يترك شعبه وحيداً في وادي ظلال الموت، مرتضياً بقناعة مطلقة أثقال صليب الحرية، “لست أفضل من معلّمي، ولا أفضل من أسلافي دنيال الحدشيتي وجبرايل حجولا وسائر إخوتي الذين قاسوا الاضطهاد والموت”. فعل ذلك، بعزم وصلابة فوق التصوّر، لكن أيضاً، بتواضع عظيم وبروح محبّة، فهزم الشر والحقد والبغض، وهو القائل من عمق روحانيته وإيمانه ومسامحته ومحبته، حتى للذين أخطأوا بحق لبنان وبحقه: “سامحهم الله”.
آمن بالحق، وأنه لا بد أن ينتصر، وأن الظلم إلى زوال مهما طال الزمن، و”دوام الحال من المحال”. إرادة صلبة لا تهتز ولا تتزحزح. إرادة من صخرٍ ووعرٍ تشبه جبال لبنان المكللة بالأرز والسنديان واللزاب الدهري وثلج السماء، الواقفة في وجه الزمان مهما اشتدت العواصف. إرادة مسكوبة ببخور مقدس طالع من رحم قنوبين وإيليج ويانوح، تركع أمامها شياطين الأرض كلها.
لكن هذا الساكن في قلب العالم، والفاعل في أحداثه، و”صانع التاريخ”، الصلب العنيد، كان في الوقت ذاته، يسكن في الوداعة وتواضع القلب والنفس، وحياة الزهد والتقشف على غرار أسلافه النساك الرهبان، بسيطاً في حياته اليومية، قليل التطلب، همّه وسعيه ونضاله موجَّه صوب تلك الحياة هناك في حضرة النور.
قال في حفل التكريم الذي اقامته له جمعية المرسلين ورابطة قنوبين، يوم أهدوه ريشة ذهبية، وكان على مشارف الخامسة والتسعين: “من أين لي، اليوم، هذه الريشة الذهبية وأنا لم أفكر يوما بالذهب، بل أمضيت حياتي واضعا نصب عيني وذاكرا في صميم وجداني عبارة بداية الصوم ومسح جبيني بالرماد، أنني تراب، منه جبلت، وإليه أعود، وقد جاهدت، كل حياتي، لاستحق لقب الحقير الذي حمله أسلافنا، فعاشوا بتواضع وكرامة، وكرسوا ذاتهم للخدمة، يقينا أن ملكوت الله ليس أكلا وشربا لا ذهبا ولا فضة، بل بر وسلام، صفاء ومحبة”.
وأضاف: “اليوم، على مشارف الخامسة والتسعين، وقد منحني الله هذا العمر، بأفراحه وآلامه، لكي يتيح لي المزيد من الوقت لعبادته، بإقامة الذبيحة الالهية، والشهادة لإيماننا البطرسي في أنطاكيا وسائر المشرق، وحيثما كنا من العالم كله، نجهر بالحق، نتخذ الموقف المبدئي القويم، نعيش لاهوت كنيستنا، الواحدة الجامعة، الرسولية، خصوصا في أزمنة الخطر والصعوبة!. أما وقد شئتم هذا التكريم، فأعتبره اضافة الى نعم الله عليّ”.
صحيح أن الحزن يلفّ الأوفياء وعشاق الحرية والبطولة، في لبنان والعالم، لرحيل هذا “العملاق” من بينهم، لكنهم يعلمون أن موت الجسد حق، وهم يخضعون لمشيئة الربّ. ويؤمنون أيضا كل الإيمان أن بطريركهم ينتقل إلى الحياة الفعلية، حيث الراقدين بالربّ لا يعرفون الموت.
زحف شعب البطريرك بالآلاف المؤلَّفة إلى بكركي لتحيته لآخر مرة على هذه الأرض. كنهر حب ووفاء جارف، هبّوا لمرافقة من أحبّهم الحبّ الكبير إلى محطة “استراحته” الأخيرة في بكركي إلى جانب مراقد إخوته البطاركة، قبل أن ينطلق صوب الضوء. هبّوا من فيض الحب العارم من كل الربوع اللبنانية ومن كل المشارب: من “جبل المصالحة”. من الشمال القنوبيّ المبارك وسائر “حناياه” العطرة. من عكار الوفية. من أقاصي الجنوب والقليعة ورميش. من البقاع ودير الأحمر وعاصي “بيت مارون”، البداية التي لن تعرف نهاية. من زحلة أرض الكرامة والعنفوان التي حطمت أساطير الاحتلال الزائفة. من بيروت الحرة الأبية. من جبل لبنان القلعة الحصينة على الدهر، تطوي الأيام وتبقى وتستمر.
هبّوا وفاء وعرفاناً لـ”قائد الثورة” الذي أنقذهم وأنقذ لبنان من فم التنين، وليكونوا إلى جانب الذي قضى سنوات سدة بطريركيته الـ25 إلى جانبهم، وقبلها وبعدها ويبقى، فاتحاً أبواب بكركي وذراعيه أمامهم، مصغياً إلى همومهم وشكواهم، ومبلسماً جراحهم ومطيّبا خواطرهم، في مشواره الأخير. رافقوه طوال الطريق بالأرز والورود والبخور والصلاة، وسألوه أن يبقي عينه عليهم وعلى لبنان من فوق. زحف الأوفياء حباً ليزفّوه إلى السماء، وعاهدوه أنهم على وصاياه باقون، وعلى خطاه وإخوته النساك سائرون، ثابتون في الحرية والحق لأجل لبنان.
ويتراءى لي أنه، كما على الأرض كذلك في السماء. أؤمن أنها استقبلت من له أعطي مجد لبنان في عرس مهيب، اشتاقت أن تقيمه لرجل بار من طينة بطريركنا العظيم. وأتخيّل جوقة الشرف و15000 ألف شاب وصبية من أحرار هذا الشرق والعالم، وأكثر، في وضعية تأهُّب، بعدما صرخ فيهم القائد المكلف الاشراف على استقبال عريس السماء: “تراصف”. وصوت القائد المشرف يصدح بصوته الهادر فيهم حين أطل موكب العرس السماوي: “قدِّم وفاءك ـ التزامك ـ إيمانك ـ سلاحك.. تحية خُذ”، فيما أجواق الملائكة تعزف لحن التعظيم وترنّم وتنشد أناشيد المجد والبطولة.
هل هي صدفة أن ينتقل “رجل الله” نصرالله صفير من هذه الأرض، بالذات في ذكرى مولده التاسع والتسعين عليها، إلى حيث البقاء الأبدي؟ أم هي علامة من علامات الأزمنة؟ حسبه أنه ينتقل إلى حيث عمل وجاهد طوال عمره المديد أن يكون، في بهاء النور. وحسب الأوفياء أن يشهدوا للحق، أنه “أتمَّ سعيه وحفظ إيمانه”، وأن يحفظوا الأمانة والوصية “أحِبّوا لبنان، واخلصوا له، وازرعوا التضامن والسلام.. لا تخافوا على لبنان، دولة الظلم ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة”.
مار نصرالله بطرس صفير، بطريرك لا يموت، بل يسكن التاريخ والأسطورة وضمير الأجيال المقبلة، ملهماً ومرشداً وقائداً خالداً، تحفر كلماته ومواقفه ووصاياه عميقاً في الوجدان. بطريرك استثنائي على مستوى تاريخ لبنان المجيد، الطالع من مناسك الرهبان والنساك المباركين وعطر بخورهم المقدس، و”القلّايات المعلقة بين السماء والأرض”، حريةً وكرامةً وعنفواناً على مرّ الأجيال.
سيّد المقاومين والأحرار على خطى يوحنا مارون، صار هو التاريخ في رجل، خالد كأرز لبنان، ويبقى منارة للحق والحرية وكرامة الإنسان، وهداية لأجيال وأجيال، طالما في هذه الأرض فرسان حراس ارتضوا أن يحملوا مشعل الحرية مهما بلغت التضحيات. فرسان، يؤمنون أن هناك، فوق، عين تسهر عليهم، وبركة “حارس الحراس” ترافقهم وهم يكملون مسيرة الشهادة للحق والنضال لمجد لبنان إلى دهر الدهور، مرددين صلاة أجدادهم مع كل طلعة شمس: “دائما وأبدا.. يحيا لبنان”.
