الثقة المطلوبة

بعد سلسلة طويلة من المناقشات، ما زالت الموازنة قيد الدرس. وعلى ما يبدو أنها ليست على قدر طموح اللبنانيين جميعهم. بغض النظر عن كونها لجمت التدهور. المفترض أن تكون موازنة إنقاذية تمكن الحكومة بوساطتها من القيام بخطوات إصلاحية بنيوية على وقع غليان في المنطقة طاول هديره أبواب بيروت. فهل سيستطيع الطاقم السياسي الحاكم اليوم أن ينقل لبنان من أتون اللاثقة بالدولة إلى جنة الثقة؟ وهل سيوفر مظلة أمنية تقي استقرار لبنان؟

ما لا شك فيه أن معظم اللبنانيين اليوم يعانون أزمة ثقة بدولتهم. وعوض أن تبادر السلطة إلى اتخاذ خطوات تعزز ثقة المواطنين بدولتهم، ها هي تتمهل في إصدار الموازنة ما يترك اللبنانيين في مزيد من الحيرة حول إمكانية تقوية ثقتهم بدولتهم. صحيح أن الأزمات الوجودية تتبدد شيئًا فشيئًا، إن بدرجات متفاوتة، لكن ما يطمح إليه المواطن اللبناني البسيط هو أن يتم تعزيز مقومات الحياة لدولته ليستطيع أن يبقى ويستمر فيها.

نحن بحاجة إلى استرجاع الثقة بالدولة والكيان الجمهورية. فيما يتعلق بالدولة لن يستقيم الوضع طالما بقيت مسرحية الفاسد يكافح نفسه تعرض على مسرح الدولة. يريدون منا تصديق الزيف والكذب الذي يمارسه بعضهم خدمة لأهداف شخصية بغية تحقيق مكاسب سياسية خاصة، ولو على حساب الوطن برمته. هذا ما لن يتحقق طالما هنالك حراس داخل هذه الدولة لا ينامون. ولا هؤلاء يخيفون الحراس ولا حتى الحراس أساسًا يخافون.

أما الكيان الذي دفعنا ثمن استحقاقه أكثر من ألف وأربعمئة عام من المقاومة فلا خوف عليه لأننا دومًا مستعدون للدفاع عنه. من الولادة حتى الشهادة. مقاومون على خطى الآباء والأجداد حتى يسلم لنا الارث الذي تركوه لنسلمه من بعدنا لأولادنا وأحفادنا. وليس عن عبث تم تحديد لبنان كما نعرفه اليوم بالـ10452 كلم2 من رأس الناقورة جنوبًا حتى العريضة شمالا. فكما تم تثبيته حصنًا منيعًا للمسيحيين الأحرار مع شركاء لهم على مثالهم أحرار أيضًا هكذا سيبقى.

وبالنسبة إلى الجمهورية، نحن الذين ارتضيناها قوية وستبقى لأننا ساهرون لا ننام. ولن تكون جمهورية قوية بسيادة مقوضة أو بسلطة ضعيفة ومرهونة لفئة ما تملك فائض قوة عسكري لم تتخل عنه بعد اتفاق الطائف لتبقي سيطرتها على الدولة ومقدراتها.

واليوم على وقع الغليان المستعر في المنطقة، الكل حذر يترقب آفاق التهديدات الدولية للجمهورية الاسلامية في إيران، وفيما إذا كانت هذه التهديدات ستطال أذرعها في العالم العربي، لا سيما حزب الله اللبناني الذي بات بتوصيف المجتمع الدولي جزءًا لا يتجزأ من تركيبة الدولة السياسية. ولم يعد هذا المجتمع يفصل بين حزب الله الجناح العسكري وحزب الله الجناح السياسي. فهذه الازدواجية لم تعد مجدية إطلاقًا.

فالرئيس الأميركي ماضٍ قدمًا بتنفيذ تهديداته انطلاقًا من تنفيذه لأجندته الانتخابية التي قد تستمر لولاية ثانية. لذلك لا ينفع المراهنين على سقوطه شيئًا. فالسياسة الأميركية مستمرة على حالها حتى بعد غياب ترمب. والقرار بتحييد لبنان مأخوذ لكن هذا القرار لم يستثن العمليات الخاطفة. وما يحدث من ضربات متتالية لإيران وأذرعها في سوريا هو مؤشر على ما سيحصل في لبنان في المرحلة القادمة.

من هذا المنطلق، ثقتنا بالشرفاء في هذه الدولة هي ثقة غير محدودة. وقد أثبت هؤلاء بطريقة تعاطيهم مع مختلف الملفات مدى قدرتهم على اجتراح الحلول. فالكل مدعو لمناقشة هذه المقترحات وصولا حتى تطبيقها. ولا ينفع اللعب بالكيانية من بوابة قانون انتخابات جديد على أسس جديدة تضرب صيغة المناصفة التي ثبتها اتفاق الطائف الذي أعطانا كمسيحيين 64 نائبًا، ونريدهم كلهم بأصواتنا وليس برافعات ترهن وجودهم.

دوليا، صار المجتمع الدولي على يقين من طريقة تعاطي لبنان مع مختلف الملفات اقتصاديا وسياسيا. ولم يعد نافعًا بعد اليوم التذاكي على المجتمع الدولي لنهب هباته. زمن الأول تحول. كل شيء اليوم بات مشروطًا. إما أن نكون مؤهلين للتعاطي مع هذه السياسة الدولية وإما سنسقط أبريوريا. وعندها لن ينفع لا البكاء ولا صريف الأسنان. ومن له أذنان للسماع فليسمع.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل