


كتبت “المسيرة” – العدد 1694
صفير والرئيس شارل حلو
إجتماع مسيحي في بكركي ومذكرة للرئيس
16 و17 كانون الأول 1969
في 20 كانون الأول 1969 كان موعد إنعقاد القمة العربية في الرباط في المغرب. لم يكن مضى أكثر من شهر ونصف على توقيع «إتفاق القاهرة» (3 تشرين الثاني 1969)، حتى بدأت تظهر هواجس المسيحيين والبطريركية المارونية من خطر الإنفلاش الفلسطيني المسلح والتنازل عن مبدأ السيادة الكاملة للدولة على أراضيها.
في 16 كانون الأول، تم عقد إجتماع في بكركي ضم ما يمكن تسميته نواة الجبهة اللبنانية التي ستولد آخر العام 1975 بعد أشهر على بدء الحرب. إضافة الى البطريرك خريش والمطران صفير، حضر الرئيس كميل شمعون والشيخ بيار الجميل والوزير سليمان فرنجية وريمون إده والوزير موريس الجميل والمحامي شاكر أبو سليمان والشيخ بطرس الخوري. نتيجة ذلك الإجتماع، صاغ المطران صفير «مذكرة مارونية» موجهة باسم المجتمعين الى الرئيس شارل حلو، وقد كُلِّف صفير زيارته وتسليمها إليه. وهذا ما حصل عند الساعة 12,00 من اليوم التالي. المذكرة حملت هواجس ومخاوف المجتمعين في بكركي، خصوصًا مع الإشارة الى الأحداث التي سبقت توقيع «إتفاق القاهرة»، وكانت بمثابة قوة الضغط التي فرضت توقيعه، بالإضافة الى خرق النظام السوري للحدود اللبنانية وإرسال المسلحين الى لبنان بواسطة «جنوده المتنكرين بزي الفدائيين»، كما ورد في المذكرة.
تلك المذكرة كانت لمحاولة إستباق الإنهيار الكبير، خصوصًا أنها حذرت من تجاهل العرب للواقع اللبناني وعملهم على قلب نظام الحكم فيه، ولو أدى ذلك الى ضياع القضية الفلسطينية.
هذا ما كتبه المطران صفير، وهذا ما حصل فعلاً.
في الساعة الثانية عشرة من يوم الأربعاء الواقع في 17 كانون الأول، حضرت الى قصر الرئاسة في بعبدا وسألت عن جورج بك حيمري، مدير الغرفة، الذي كان عيّن لي موعد المقابلة، فقيل لي إنه خارج القصر، ثم التقيت بالدكتور بطرس ديب فدعاني الى مكتبه حيث جلست معه بعض الوقت، ثم أتى الحاجب يدعوني للدخول على فخامة الرئيس في مكتبه وكان في انتظاري.
وما أن إستقر بي المقام وتبادلت مع فخامته كلام المجاملة حتى سلّمته مذكرة قلت له عنها أنها حصيلة الإجتماعات التي عُقدت في بكركي برئاسة غبطة السيد البطريرك وقد اشترك فيها الوزراء الموارنة وهم سليمان بك فرنجية وزير الاقتصاد، الشيخ موريس الجميل وزير التصميم، والشيخ بيار الجميل وزير الأشغال العامة، رئيس حزب الكتائب، الرئيس كميل شمعون رئيس حزب الوطنيين الأحرار، والأستاذ ريمون إده رئيس حزب الكتلة الوطنية، والأستاذ شاكر أبو سليمان رئيس الرابطة المارونية، وكان يحضر هذه الإجتماعات الشيخ بطرس الخوري رئيس جمعية الصناعيين، ولكنه لم يوقع المذكرة لكونه يحتاج الى صفة رسمية وهو ليس برئيس حزب ولا وزير.
لم أعدد لفخامته أسماء المشتركين في هذه الإجتماعات ولكن قلت له إن المذكرة حصيلة النقاش الذي دار في الإجتماعات التي عرفتموها، ففضّ الرسالة وراح يتلوها تارة بصوت عال وحيناً بصوت منخفض وحيناً آخر يقرأ دون أن يسمع له صوت، وقد توقف على بعض ألفاظ إلتبست عليه قراءتها من مثل مساع حثيثة فظنها حقيقية، وجيش لجب، وقد توقف بعض الشيء على لجب، وعندما وصل الى المقطع الذي يأتي على ذكر «ضعاف الرأي والمغرضين» توقف مستفهمًا بقوله: وماذا تعني لفظة مغرضين، فأجبته أن المراد بذلك أن بعض الناس يظنون أن إسرائيل تضعف إذا وسّعت حدودها المتاخمة للبنان، فانتفض قائلاً لتضعف إسرائيل على حساب غيرنا لا على حسابنا وحساب حدودنا.
وبعد أن انتهى من قراءتها قال: إن رسالة يبعث بها إليّ غبطة السيد البطريرك لا يمكنني إلا أن أتقبلها بالإحترام، ومن حق غبطته أن يتداول في شؤون البلاد مع أصحاب الرأي من أبناء طائفتنا وإني أقدر رأيهم وموقفهم.
ثم سألني: هل ينوون نشرها؟ فأجبته أن الأمر متروك لفخامتكم ولا سيما أن الشيخ خليل الخوري أعلن في مؤتمر بكركي أن فخامتكم تتمنون أن تكون صياغتها قابلة للنشر. فأجاب لعله حصل إلتباس في حديثي مع الشيخ خليل. إن المذكرة تفقد قوتها إذا أنا توليت نشرها، ولا تعود تدعم موقفي في شيء ولكن إذا هم نشروها تأتي بغايتها المنشودة، ولكن العجب أني قرأت اليوم في الصحف أن أمرها متروك لي، فاستغربت ما قرأت، وأظن أن الرأي الأسلم هو أن يقال إني سُئلت عما إذا كان ثمة ما يمنع نشرها من قبلي، فأجبت إني سأعطي الجواب بعد فترة.
ثم استدعى جورج بك حيمري، وشرح له فكرته فقرّ الرأي على أن أستوضح جورج بك هذا الأمر حوالى الساعة الثامنة من مساء اليوم، أي بعد أن يكون فخامته قد عرض المذكرة على مجلس الوزراء الذي سيُعقد عند المساء.
ثم عاد الى بعض مقاطع المذكرة فراح يحللها، وقد توقف على المقطع الذي تحدث فيه عن الخدم التي أداها لبنان للقضية الفلسطينية في المجال الدولي، فقال إن هذا المقطع يعدد ما قام به فخامة الرئيس شمعون، ولكن لبنان أدّى بعد 1946 و1947 خدمًا كثيرة كان الأجدر بالمذكرة أن تأتي على ذكرها، ثم أعاد تلاوة المقطع فوجد أنه يقول: «وما فتئ لبنان منذ ذلك الحين يقوم بواجبه في كل من دورات الجمعية العامة»… فأبدى موافقته لهذه العبارة.
سياسيون غير ناضجين
وأما في ما خص المجال العسكري، فقال إن المزعج في الأمر أن لبنان وقّع ميثاق الدفاع المشترك في عهد الشيخ بشارة الخوري، وكنت يوم ذاك وزيرًا للداخلية فوضعته في الدرج سنة لعلنا نفلح في التخلّص منه فلم نفلح وقد طبق لأول مرة في عهد فخامة الرئيس شمعون، وعليه فلا يمكننا التهرب إذا وقعت حرب جديدة، وان ما أنقذنا من دخول حرب حزيران 1967 هي سرعتها ولو دامت شهرًا لكنا اضطررنا الى خوض غمارها، ولكن الله شاء أن يجنبنا ويلاتها.
وفي معرض كلامه على أمر نشر المذكرة عاد مرة ثانية يقول: إني أعجب كيف تسرّب الأمر الى الصحف، ولعلّ بعض المؤتمرين قد سرّبه، ويؤسفني أن أقول إن الكثيرين من رجال السياسة عندنا يعوزهم النضج والخبرة، إن هذه الخبرة يتمتع بها فخامة الرئيس شمعون وأما الباقون من أمثال ريمون إده، وإدوار حنين، والشيخ خليل، وسليمان بك، قد يكونون أذكياء وكتبة ويتقنون فن البيان إلاّ أن الخبرة والتجارب تعوزهم، وأن فيليب تقلا مثلاً قد تمرن على يد الشيخ بشارة الخوري فأصبحت له خبرة فهو يزين الكلمة ويعرف أبعادها ولذلك نجح كوزير خارجية، وهو منصب يقتضي له خبرة والخطأ هو أن يرتجل الرجال للمناصب، كأن يؤتى بوزير خارجية لم يتعاط أمور الخارجية سابقاً في حياته.
وقد أراد أن يؤيد قوله هذا بما لمسه عن دبلوماسية الفاتيكان يوم كان سفيرًا للبنان لديه، فقال ذات يوم كلّفت في التحدث بشأن أحد الكهنة فأجبت أنه يتحلى بأجمل الصفات وأحسن المزايا، وقد إستنتجت بعد هذا القول إن ليس فيه صفة واحدة تؤهله الى ارتقاء درجة الأسقفية. إن مثل هذه الدبلوماسية المرنة تعوزنا جدًا.
وأوضح في معرض حديثه أنه يود دائما أن يطلع غبطته على مجريات الأمور، ولكنه يخشى دائمًا أن تتسرب الأخبار التي يفضي بها إليه الى الخارج. ثم استلقى على كرسيه ورفع يديه قائلاً: بالله قولوا لي كيف يجب أن أتصرف. إن أحدهم… ينشر كل ما أخبر به غبطته… وأنا لا أريد أن أخرج عن إرادة رئيس طائفتي وبعد أنا ماروني.
وكان قد سألني في مستهل الحديث عن الإنطباع الذي تركته زيارته لبكركي في نفس غبطته، وقال: كنت أتمنى أن تكون قد حضرت سيادتك الأحاديث التي تبادلناها، ثم انتقل الى موضوع آخر دون أن ينتظر مني ردًا على سؤاله.
وقبيل الإنصراف، وقف فوقفنا أنا وجورج بك حيمري وقال: إني مسافر غدًا ظهرًا وسأعرج على بومبيدو، وعنى رئيس الجمهورية الفرنسية، لنحدثه عن شؤوننا. وأردف قائلا: إن سفراء الدول لا يبدو أنهم يفهموننا أو أنهم يريدون أن يهتموا بنفوسهم ومصالحهم الشخصية على حسابنا.
ثم ودّعت فخامته متمنيًا له التوفيق في رحلته فأجاب: صلِّ من أجلنا يا سيدنا. وكانت الساعة الثانية عشرة وخمسًا وعشرين دقيقة.
وفي الساعة السادسة إلا ربعًا تلقيت مكالمة هاتفية من جورج بك حيمري أخبرني فيها أن فخامة الرئيس أطلع رئيس الوزراء رشيد كرامي على المذكرة، فأبدى رأيه بقوله إن لا لزوم لنشرها وأين الفائدة من نشرها الآن؟ وكان فخامة الرئيس قد أبدى رأيه في المقابلة الصباحية لي بأن لا فائدة من المذكرة إذا لم تُنشر، والأصح أن تُنشر أثناء سفره، وإذا لم تُنشر ستثير الأقاويل والتكهنات وهذا لا فائدة فيه بل هناك ضرر في إثارتها، وبعد فما من شيء يبقى سرًا في بلادنا وهذا هو ضعف دبلوماسيتنا، وهذا ما كان أبداه للشيخ خليل الخوري عندما قال له: الأفضل أن تكون صيغة المذكرة قابلة للنشر، لأنها لن تبقى سرًا.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]