تكلم لأراك

نرى السفن واليخوت والبواخر تطوف في المياه، ولم يغرقها يوما عمق المحيطات ولا أمواجاً عاتية ولا مدّاً وجزراً. تسير متحدية المياه التي لن تقوى على هزيمتها إلا عند الاختراق، حينها تكون المآسي. ثغرة واحدة، اختراق مائي صغير كفيل بأن يردي أكبر السفن قتيلة. هكذا الكلمات وهكذا نحن.

نحن سفن نسافر يوميا في غمار الحياة، والكلمات هي مياه الشتاء والبحور، من الأرض ومن السماء تفتك في كياننا، وهنا “المرجلة”. المرجلة تكون مزدوجة، فكما نُرشَق بالكلمات نرشُق بها. الكلمات والعبارات أنواع وأصناف وألوان، لكن طريقة تحليلنا لها هي الفرق، كل الفرق.

لطالما اتبع البعض استراتيجية التحفيز على الكلام البناء، اجتماعيا ودينيا، لكن يبدو أن هذ الأسلوب اضمحل اليوم والأسباب كثيرة. ساد عالمنا منطق “التكسير”، لتعدو سفينة على حطام السفن مجتمعة، ولا يخلص إلا من كانت سفينته أقوى.

الكلمة البناءة يبقى رنينها في الآذان يرافق العلاقة مدى الوجود، فلا حاجة لتفصيلها. تنتشل الأرواح من الموت والسفن من الغرق، شرط التحلي بالمصداقية. فالكلمة المغرية الخداعة تضرب الكيان وتهدم ما لا يمكن لكلمة “التكسير” هدمه.

السفن تطفو، بفضل كياناتها العازلة، هكذا يجب أن نكون. فلمَ نسمح، وبرضا تام، اختراق المياه كياناتنا؟ فلندع الكلام، وما أكثره، خارج كياناتنا، ولنعزل أنفسنا بشكل يمنع اختراق العقول. وقعُ الكلمات على اختلاف معانيها يتلقفها البشر، كل بحسب شخصيته. الكلمة الهدامة، ولنكن واقعيين، تهدم في حينها، لكنها تعيد بناء هيكل متين، فالأمواج العاتية جعلت كيانات السفن على مر الأزمنة أمتن. وعلى الطرف الآخر، قد تدمّر ما لا يمكن إعادة هندسته.

قوة الكلمات تفوق كل تصوّر. فكما نسمعها، نتفوه بها. هي الهجوم والدفاع، السلاح الأمثل والعدو الغاشم. أسلوبنا في التفوه هو طريقة بنائنا لكيان سفننا. وأمتن الكيانات تعود لأحنك المتكلمين. اختيارنا المناسب للعبارات يسمح لنا بتحقيق أهداف ما كنا لنحلم بها. هي الدبلوماسية للتأثير على الآخرين.

تكلم لأراك. الكلمات الصادرة عنا سيوف ذات حدين، واستعمالها كالمشي في حقل ألغام. كلمة واحدة خاطئة كفيلة بالتفجير وأخرى صالحة كفيلة بالخلاص. كلماتنا تترجم هوايتانا، تحقق أهدافنا وتسحق أحلامنا، في آن معا. نحن أرباب السفن ولنا يعود الخيار، باستطاعتنا الاستماع الأعمى للآخرين والسماح لهم بإغراق سفننا، كما باستطاعتنا البناء على تلك الأمواج. باستطاعتنا هندسة كلماتنا وتمتين كيان سفننا والسفر في أخطر المحيطات، كما باستطاعتنا بناء سفن لا تعدو المرافئ. الخيار لنا، آذاننا ملكنا كما ألستنا، والأهم حكمة عقولنا، فلنجعلها أسلحة نجاحاتنا.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل