صفير بين سركيس والجبهة اللبنانية وبكركي  – 1

كتبت “المسيرة” في العدد – 1694

في نيسان وأيار 1977، كان لبنان على مفترق طرق بعد عام واحد على انتخاب الياس سركيس رئيسًا للجمهورية، وبعد سبعة أشهر على تسلمه سلطاته الدستورية والدخول في مرحلة من السلام الهش، بعدما تبنت قمة الدول العربية في القاهرة ما تم التوصل إليه في قمة الرياض المصغّرة والمتعلق بإرسال قوات ردع عربية الى لبنان شكلت القوات السورية أكثريتها الطاغية.

ذلك السلام الهش بدأ بالأفول نتيجة عدم حل الميليشيات وجمع السلاح وتطبيق «إتفاق القاهرة». وما سرّع في عملية التحوّلات والإنهيار، إتجاه مصر لتوقيع إتفاقية السلام مع إسرائيل في كامب دايفد وزيارة الرئيس المصري أنور السادات الى القدس.

 

يوم الجمعة العظيمة، في 8 نيسان 1977، كان المطران صفير يقابل الرئيس الياس سركيس في قصر بعبدا لينقل إليه هواجس بكركي من إحتمالات إنهيار السلام وعودة الحرب، من دون إغفال الحرص على المحافظة على التمثيل المسيحي والماروني في التعيينات الجديدة في الإدارة.

في 14 أيار زار المطران صفير القصر الجمهوري مرة ثانية، وقد أسرّ له سركيس: «ما سأقول لم أبح به من قبل لأحد، إنما قلته بالأمس للشيخ بيار الجميل، وأقوله لسيادتك اليوم ليطلع عليه غبطته، وهو أن الوضع لا يخلو من صعوبة، وأن التقدم بطيء وهناك عراقيل لبنانيًا وعربيًا ودوليًا».

 

في ذلك اليوم، عرف صفير من الرئيس سركيس أنه ينتظر مجيء الرجل الثاني في منظمة التحرير الفلسطينية وحركة «فتح» صلاح خلف» أبو أياد» لمقابلته سرًا وبإسم مستعار، وقد كشف له أيضًا عن خوفه من أن يأخذ النظام السوري حجة مواجهة «التقسيم» للإبقاء على قواته في لبنان.

في 17 أيار من العام نفسه، إلتقى أعضاء الجبهة اللبنانية مع البطريرك خريش في بكركي بحضور المطران صفير. الخوف من عودة الحرب كان هاجس الجميع الذين كانوا متفقين على «أننا نريد أن نعيش بحريتنا ونحافظ على حضارتنا وتقاليدنا، ونأبى أن نعيش كالمسيحيين في البلدان العربية». في اليوم التالي حمل المطران صفير هذه الأجواء الى الرئيس سركيس في قصر بعبدا، بالإضافة الى مذكرة أعدّها حول هجوم الجيش السوري على بلدة بلاّ في قضاء بشري وتهجير أبنائها.

 

تلك كانت بوادر ما ينتظر لبنان على يد جيش النظام السوري ومؤشرًا أول لانهيار السلام الهش وبدء سلسلة من الحروب التي كان لـ»القوات اللبنانية» فيها شرف الدفاع عن لبنان، وللبطريرك صفير شرف تولّي المواجهة بالكلمة والموقف حتى خروج الجيش السوري من لبنان في 26 نيسان 2005، تاريخ عودة النظام السوري الى سوريا وعودة لبنان الناقصة الى لبنان… المطران صفير عند الرئيس الياس سركيس.

 

 (8/4/1977 يوم الجمعة العظيمة)

قلق على الجنوب… «مخطط إسرائيل التقسيمي»

يقول المطران صفير: كان البطريرك قد اتصل بفخامته هاتفيًا في اليوم السابق وطلب الموعد، فتحدد في الساعة التاسعة من اليوم التالي. ووصلت قصر بعبدا قبل الموعد بخمس دقائق، فالتقاني أحد الحرس وقادني الى غرفة الملازم قرقماز الملاصقة لمكتب الرئيس، فانتظرت قليلاً وكان الملازم نبّه فخامته الى وصولي. وبعد قليل خرج من مكتب فخامته شاب رقيق عرفت في ما بعد أنه جاء يطلب من فخامته باسم الفلسطينيين أن يصدر نداء لوقف القتال في الجنوب، وهذا ما أفضى لي به فخامته أثناء المقابلة.

إستقبلني فخامته على باب المكتب، وكان قد وصل إليه لتوديع الزائر، فصافحته، وذهبنا معًا الى حيث جلس الى مقعد يتسع لشخص واحد وجلست بقربه على مقعد يتسع لثلاثة أشخاص.

وبدأت الحديث بقولي لفخامته: إنا نزعجكم حتى يوم الجمعة العظيمة وهو يوم بطالة، فقال: أهلاً وسهلاً ساعة تزورون. ثم قلت له: كلّفني غبطته أن أنقل الى فخامتكم تحياته وتمنياته، وأن أهنئكم بالعيد الكبير، على قدر ما تجوز التهنئة في هذه الأيام المقلقة. فشكر لغبطته عاطفته ودعا له بالتوفيق والعافية في خدمة الطائفة ولبنان، ثم دخلت في موضوع المقابلة، فقلت:

همّ الجنوب

إن ما يقلق غبطته وفخامتكم وبالنا جميعًا هو الجنوب وما يدور فيه من أحداث يذهب ضحيتها كل يوم أناس أبرياء، وهناك من يغادرون منازلهم ليأتوا الى بيروت هربًا من المعارك، وهذا ما يزيد في تأزم الحالة في المدينة. ترى ما هي حقيقة الوضع هناك؟ فأجاب: الحقيقة إني لا أعرف عن الجنوب إلا ما تتناقله الصحف والإذاعات ووكالات الأنباء. إني لم أتلق أي تقرير عن الحالة، ذلك أني من صيدا وما بعدها في اتجاه الجنوب مقطوع عن كل ما يحدث. صحيح أن من يزورونني يعطون بعد خروجهم من عندي تصريحات للصحف يقولون فيها إني مهتم بالجنوب وإني قريبًا سأجد الحل، وأقرأ وأبتسم بمرارة، وهذه حقيقة لا أقدر أن أقولها إلا لغبطته ولكم لتنقلوها له فقط. وهذا آلم ما يؤلم.

وسألته: أصحيح أن السوريين يساندون اليوم الأحزاب اليسارية والفلسطينيين؟ فأجاب: لا أدري، قد يكون هذا القول صحيحًا وقد لا يكون، وماذا عساي أقول ما دمت لا أتلقى أي تقرير عن الجنوب؟ وأردفت قائلاً: أصحيح أن اليهود يساندون اليمينيين؟ فكان جوابه هو هو كالسابق.

 

نوايا إسرائيل

غبطته قلق كل القلق على الجنوب وهو يخشى مكيدة يدبرها اليهود تكون عاقبتها وخيمة على لبنان. وأخرجت ورقة وتلوت ما قلت له تلاوة ومفاده أن الأهالي مسيحيين ومسلمين كانوا يعيشون مع بعضهم في اتفاق، لكنهم غلبوا على أمرهم فراحت إسرائيل والأحزاب اليمينية تستعدي المسيحيين على المسلمين، وراحت الأحزاب اليسارية والفلسطينيون يستعدون المسلمين على المسيحيين، ثم لا يلبث اليهود أن يتخلوا عن المسيحيين وتحدث الهجرة وتقفر الأرض فيحتلها اليهود ويستولون على المياه. فقال فخامته بعد أن أنصت الى ما أقول: ربما تدخل اليهود في آخر دقيقة ولكن بعد حدوث الخراب. نعم قد يكون هذا التصوّر صحيحًا؟

ثم قلت: وبعد، ما هو موقف الجبهة اللبنانية إزاء هذه الحالة؟ أجاب: الحقيقة لا أدري. لكني تلقيت من الأميركان، وعلى الأخص من الرئيس كارتر ومن وزير خارجيته فانس ومن كبار المسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية، رسائل جاء فيها تأكيدات مطمئنة جدًا تقول إن أميركا معكم وتساعدكم، ومن قرأ هذه الرسائل ظن أننا بألف خير، ولكني عندما أطلب من الأميركان أن نرسل قوات ردع الى الجنوب لوقف القتال يكون الجواب: إن إسرائيل لا ترضى. وأردف قائلاً: «هذه هي مساعدة الأميركان، إنها خيالية أكثر مما هي واقعية في ما خص الجنوب».

 

الجيش

وأجاب ردًا على سؤال: يظن بعض الناس أننا إذا عيّنا قائدًا للجيش أصبح عندنا جيش، وهم لا يعلمون أننا قبل مرور ستة أشهر على الأقل لا يمكننا أن نرسل قوى لبنانية الى الجنوب. والجيش يقتضي له وقت لإعداده ويقتضي له معدات من دبابات ومدافع وآليات. وإلا كيف أستطيع أن أرسل قوات لبنانية الى الجنوب؟ ألتتلقى صفعة وتعود؟ وإذا لم أكن متأكدًا من تسلح هذه القوات تسلحًا عصريًا يجعلها تحمي ساحتها والجنوب، فلا أسمح لنفسي أن أرسل أي جندي الى المنطقة.

 

ومصالحة الأهالي

أجاب فخامته عن هذا السؤال بقوله: كيف السبيل الى المصالحة ما دام الأمر لا يتعلق باللبنانيين بقدر ما يتعلق بسواهم. هناك دول لها مصالح وهي تتصارع عندنا. ولو كان الأمر عائدًا إلينا لوجدنا الصيغة المطلوبة، ولكن بعض الدول لا تزال تعمل للتقسيم وأولها إسرائيل، وأما الدول العربية في مجملها فهي لا تريد التقسيم، وعلى أميركا أن تختار بين إسرائيل وبين العرب. وهؤلاء يملكون النفط والبترودولار، وأميركا بحاجة إليهم وماذا يكون قرارها في النهاية. فهذا ما لا يزال في ضمير الغيب، ولذلك، فنحن عائشون في منطقة ولا سيما في لبنان في هذا الجو المحموم.

ثم تابع قائلاً: الزائر الذي كان عندي طلب مني توجيه نداء الى المقاتلين في الجنوب ليوقفوا القتال، فأجبته: لا يمكنني أن أوجه هذا النداء لأني أعرف أنه لن يُستجاب. فما الفائدة إلا أن أكون عرّضت نفسي لأمر لا قدرة لي عليه، وهذا ما لا أرضاه؟!

وسألته: هل بإمكان غبطته أن يقوم بأي عمل للمساعدة على حل القضية؟ فأجاب: إني لا أريد أن أعرّض غبطته للإخفاق، ولكنه يستطيع إذا أراد أن يوجه نداء بمناسبة عيد القيامة الى المتقاتلين في الجنوب لوقف القتال. وهذا من صميم رسالته ولا يعرّضه لأي انتقاد. أما العمل على المصالحة، فلا أرى ما ستكون الفائدة من المسعى.

 

توصيتان

وفي نهاية الحديث سألت فخامته عما إذا كان في نيته أن يجري تعيينات جديدة في الإدارة، فقال: سنحاول أن نجري اللازم، وهذا أمر لا صعوبة فيه على الإطلاق. قلت له إذ ذاك: شاع أن مدير الأمن العام سيستقيل أو هو استقال والمركز تقليديًا يعود للموارنة، فإذا ظل العقيد دحداح يشغله فلا مطلب، وإذ كان سيتركه فإن العقيد بهجت عيسى الخوري يرغب فيه، وقد جاء غبطته وفود يطلبون وساطته لإيصاله إليه، وهو قضى سنوات طويلة في السلك، فأجاب: نعم أعرف ذلك وقد فاتحني بالأمر وجاء كذلك من يوصي به، ولكن الأمر صعب بالنسبة إليه.

ثم قلت إن مدير قوى الأمن الداخلي الأستاذ هشام الشعار يبدو أنه سيستقيل، فإذا كان الأمر صحيحًا، فلا أدري ما إذا كان يمكن أن يحل محله هشام قريطم، وهذا كذلك توسط غبطته للحصول على هذا المركز. فأجاب فخامته ببسمة رقيقة وقال: هذه المرة لن نتمكن من تلبية رغبة غبطته، ذلك أن الأمر قد صار منتهيًا، وقد فاتحت بالوظيفتين من ستسندان إليهما. وقال بالفرنسية: لقد أعطيت كلمتي وانتهى الأمر ولا يبقى إلا أن نعلن ذلك، ولذلك إني آسف.

 

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل