غرامات السير بالمليارات لـ”الأمن والقضاء” لا الطرقات

منذ نيسان العام 2015، مع بدء تطبيق قانون السير الجديد الصادر بتاريخ 22/10/2012، والمؤلف من 420 مادة تضمنت مختلف الغرامات المفروضة على كل مخالفة، بقي هذا القانون مجهولاً في الكثير من مواده بالنسبة لعدد كبير من المواطنين، خصوصاً في ما يتعلق بتوزيع الغرامات التي يدفعونها عند المخالفة.

وعلى الرغم من أن واضعي القانون استقوا مواده من دول عصرية ومتقدمة في مجال السلامة المرورية، بقيت المواد المتعلقة بتوزيع غرامات مخالفات السير، والتي تتخطى الألف يومياً، بحسب قوى الأمن الداخلي، قاصرة عن تلبية هذه الحاجة، وفق خبراء سير.

وقدّرت “الدولية للمعلومات” قيمة عائدات غرامات السير في موازنة العام 2018، بـ38 ملياراً و800 مليون ليرة، بمعدّل يومي بلغ 106 ملايين ليرة. وأشارت الى أن بعض الغرامات التي فرضها قانون السير الجديد وصلت أحياناً الى نصف رواتب المخالفين. ونصت المادة 401 من قانون السير على توزيع قيمة الغرامات على الشكل الآتي:

أولا: يخصص 25% من حاصل كامل غرامات السير المستوفاة لصالح صندوق الاحتياط في قوى الأمن الداخلي.

ثانيا، يخصص 20% من حاصل كامل غرامات السير لصالح البلديات، وتوزع هذه المخصصات على البلديات وفقا للأسس المعتمدة في توزيع مخصصات البلديات من الرسوم المشتركة.

ثالثا، تقتطع نسبة 30% من الغرامات المحصلة من الأحكام القضائية الصادرة وفقا لأحكام هذا القانون لصالح صندوق تعاضد القضاة. كما تقتطع نسبة 25% من الغرامات نفسها لصالح الصندوق التعاوني للمساعدين القضائيين وفقا لأحكام المادة 131 من المرسوم الاشتراعي 150 تاريخ 16/09/1983 المعدل، والمادة 5 من المرسوم الاشتراعي رقم 52 تاريخ 29/07/1983 المعدل.

وتحوَّل النسب المتبقية إلى خزينة الدولة.

ومما لا شك فيه أن سهر السلطات المسؤولة على حسن تطبيق قانون السير والالتزام بمواده يصب في مصلحة المواطنين، ويخفف من حوادث السير التي تحصد سنويا مئات القتلى وآلاف الجرحى. غير أنه لا يمكن إغفال مسؤولية الدولة عن تأمين أفضل شروط السلامة المرورية على الطرقات، والتي يكون عدم تأهيلها وصيانتها دورياً، سبباً رئيسياً في الكثير من الحوادث، فضلاً عن رعونة بعض السائقين وعدم التقيد بشروط القيادة الآمنة.

فكما أن على المواطنين الالتزام بقانون السير لسلامتهم، على الدولة أن تقوم بواجبها في تأهيل الطرقات المزروعة بالحفر و”الخنادق” وتجهيزها بإنارة وإشارات سير وحواجز فاصلة، وتأمين جسور للمشاة، ومواقف عامة، ومراقبة سير الشاحنات، وتعزيز قدرات القوى الأمنيّة لتفعيل تطبيق القانون وتكثيف دوريات شرطة المرور، خصوصاً على الطرقات الرئيسية، وغيرها، مما يؤمّن الشروط المعتمدة عالمياً لأفضل معايير السلامة المرورية وتخفيف الخسائر البشرية والمادية إلى حدها الأقصى.

ابراهيم: الأولوية يجب أن تكون للسلامة المرورية

مدير الأكاديمية اللبنانية الدولية للسلامة المرورية LIRSA، كامل ابراهيم، يرى أنه “من الصعب معرفة المبالغ الفعلية التي يتم تحصيلها من غرامات السير إلى خزينة الدولة، إذ لدينا مئات آلاف محاضر مخالفات سير سنوياً، لكن يجب أن نعرف كيفية توزيعها وتقسيمها ونوع المخالفات ومتى يتم التحصيل، نسبة إلى التبليغ، أو بالنسبة للأحكام التي تصدر عن المحاكم وقيمة الغرامات ومن ثم تنفيذها، وغير ذلك”.

ويعرب ابراهيم، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، عن اعتقاده أنه “حتى المؤسسات المعنية في الدولة، لا تملك الأرقام النهائية، بسبب عدم وجود آلية واحدة واضحة محددة لذلك”.

ويشدد على أن “الأساس في الموضوع يكمن في أن أموال غرامات السير توزع بموجب قانون السير على جهات عدة، كما ورد في المادة 401”. ويلفت إلى “المشكلة الكبرى التي نعانيها في لبنان، والمرتبطة بعدم صيانة الطرق، والنقص في تجهيز القوى الأمنية المختصة بقضايا السير، وسائر هذه التفاصيل، التي يخسر بموجبها لبنان سنويا أرواحاً عزيزة بشكل كبير، بالإضافة إلى الخسائر الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي يتكبدها المجتمع نتيجة الحوادث”.

ويعتبر أنه “بالتالي، لمعالجة كل هذه المشاكل والحد منها إلى أقصى ما يمكن، يجب أن يكون لدينا تمويل ثابت للسلامة المرورية في لبنان، وتحسين أوضاع طرقاتنا، لنزيل الحجة الدائمة القائلة بألا أموال لتمويل ذلك”.

ويؤكد ابراهيم أن “المطلوب اليوم أن يُخصص جزء من هذه الأموال لتحسين السلامة المرورية وتطويرها، كي لا نعود ونشاهد كل هذه المآسي التي نراها على الطرقات. وأن يكون للبلديات دور في هذه الأموال، من خلال القانون، لتحسين واقع الطرقات في مختلف البلديات، عبر تمويل مشاريع واضحة تخصص للسلامة المرورية، لا أن تذهب هذه الأموال إلى البلديات وتقوم بصرفها على مشاريع أخرى مختلفة”.

ويشير مدير الأكاديمية اللبنانية الدولية للسلامة المرورية LIRSA، إلى أن “العديد من الدول الأوروبية والمتطورة التي سبقتنا في هذا المجال تعتمد هذه الطريقة، إذ تتقدم البلديات بمشاريع محددة لتطوير السلامة المرورية، ويتم تمويل هذه المشاريع من الأموال التي تُحصَّل من غرامات السير”.

ويلفت إلى أن “نسبة الأموال التي تذهب إلى الصناديق المختلفة باتت كبيرة جداً، بعد زيادة الغرامات على مخالفات السير في القانون الجديد إلى حد يفوق 10 أضعاف أحياناً عما كانت عليه في العام 2014 وما قبله، بحسب نوع الغرامة”. ويشدد على “ضرورة إيجاد آلية تسمح بذهاب أموال غرامات السير إلى الخزينة العامة، وأن يخصص الجزء الأكبر منها لتمويل تحسين شروط السلامة المرورية في لبنان. كما أن تضمن هذه الآلية، في حال اعتمدت، قيام وزارة المال بتخصيص هذه الأموال لتحسين شروط السلامة العامة، لا أن تعود وتوجَّه باتجاهات أخرى. بمعنى أن الأموال التي تأتي من مخالفات السير، تخدم معالجة مشاكل السير والسلامة المرورية”.

ويؤكد ابراهيم أنه “أمام مشكلة التمويل والتقشف، والبلديات لا تقوم بالتحسين بحجة نقص الأموال، ومن وجهة نظر تقنية، وكخبير في السلامة المرورية، يجب أن توجَّه أموال غرامات السير لتحسين وضعية الطرقات في لبنان وتأهيلها دورياً، كما يطالب كل الشعب اللبناني، وكما يحصل في سائر البلدان المتطورة، وأن تجد الدولة في الوقت ذاته، آلية أخرى لكيفية تمويل صناديق التعاضد المختلفة”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل