صفير وسيطاً بين قصر المهاجرين وقصر صربا

كتبت “المسيرة” في العدد – 1694

شهاب: غايتهم التفرقة والتقسيم ليسودوا ولكني لن أترك لهم منفذاً

 

ليس صحيحًا أن البطريرك صفير لم يكن يعرف أين يقع قصر المهاجرين في دمشق. فهو كان يدرك جيدًا أهمية نفيه لمعرفته بمكان هذا القصر عندما سُئل عما إذا كان سيزوره، وهو يدرك جيدًا أنه مقر رئيس النظام السوري، وأنه كان أخذ عهدًا على نفسه أنه لن يزوره، ولذلك فقد أزاله من ذاكرته.

صحيح أن البطريرك صفير لا يعرف قصر المهاجرين الجديد الذي اتخذه رئيس النظام السوري مقرًا له. ولكن الصحيح أيضًا أن سيد بكركي لم يكن غريبًا عن حي المهاجرين في دمشق وعن قصر المهاجرين الأول الذي كان مقر الحكم في النظام السوري في ستينات القرن الماضي.

 

بحكم كونه نائبًا بطريركيًا عامًا على أبرشية دمشق عندما كانت لا تزال وكالة بطريركية يمّم المطران نصرالله صفير شطر العاصمة السورية في 9 شباط 1963. لم تكن مهمته رعوية فقط لإقامة قداس في مناسبة عيد مار مارون، إنما كانت زيارة سياسة رفيعة المستوى تخفي مهمة كُلِّف بها وسيطاً بين الحكم في سوريا والحكم في لبنان، بين قصر المهاجرين في دمشق وقصر صربا في كسروان، بين الرئيس السوري ناظم القدسي والرئيس اللبناني فؤاد شهاب. ومن كان مُكلّفاً بتلك المهمة في ذلك الزمن لا يمكن أن تُخفى عليه تفاصيل العلاقات اللبنانية ـ السورية الشائكة وأطماع النظام السوري في لبنان ووقوفه الدائم ضدها ومحاربتها والتصدي لها.

 

من اللافت جدًا أن موعد الزيارة المهمة التي قام بها صفير كان قبل شهر واحد من إنقلاب حزب البعث في سوريا في 8 آذار 1963 الذي أوصل لاحقاً بعد سبعة أعوام حافظ الأسد الى حكم دمشق بقبضة عسكرية بعدما أبعد منافسيه على السلطة في داخل الحزب والجيش.

مواعيد المطران اللبناني الماروني في العاصمة السورية كانت سياسية أكثر منها دينية، وقد حرص على تدوين تفاصيلها بخط يده منذ إنتقاله من بكركي ودخول الحدود السورية، وصولاً الى قصر المهاجرين ولقاءاته مع رئيس أركان الجيش السوري الفريق عبد الكريم زهر الدين، ورئيس الجمهورية السورية السابق شكري القوتلي، ورئيس الجمهورية في تلك المرحلة ناظم القدسي. كان ذلك في مرحلة عهد الإنفصال الذي قام على أنقاض عهد الوحدة بين مصر وسوريا وسدَّد ضربة الى الرئيس المصري جمال عبد الناصر في العام 1961 بعد إنقلاب عسكري وجد صداه أيضًا في لبنان على عهد الرئيس فؤاد شهاب الذي كان الحكم في سوريا يأخذ عليه تنسيقه مع عبد الناصر، وقد أتت هذه الوساطة التي قام بها صفير في وقت حصلت فيه مناوشات عند الحدود اللبنانية ـ السورية، خصوصًا في منطقة دير العشائر، في ظل تهديدات سورية للبنان واجتياز الجيش السوري للحدود اللبنانية، وانتقاد بعض الصحافة اللبنانية للنظام في دمشق، خصوصًا تلك المحسوبة على عبد الناصر.

 

في 15 شباط 1963 كان المطران صفير ينقل مشاهداته السورية الى الرئيس فؤاد شهاب ويبلغه عتب النظام السوري على النظام في لبنان، وهو يخفي تحذيرات واضحة لم يتوانَ الرئيس شهاب عن الرد عليها، معتبرًا أن النظام في سوريا لا يمكنه أن يهدد، «يريدون أن يجتاحوا لبنان؟ ليقفوا على رجليهم أولاً…»، مضيفاً أن الرئيس السوري ناظم القدسي «سجين الجيش الحاكم فعلاً، وما رجال السياسة سوى دمى يحركهم الجيش».

وساطة المطران صفير لم تقف عند هذا الحد. في 26 نيسان 1963، كان يقابل السفير الأميركي راين ماير في مقر السفارة الأميركية في بيروت موفدًا من البطريرك المعوشي ناقلاً طلبًا من رئيس الحكومة السورية السابق خالد العظم باللجوء السياسي، بعدما نجح في اللجوء الى السفارة التركية في دمشق وأرسل من يسأل البطريرك الوساطة من أجل ذلك، فكانت المهمة على عاتق المطران صفير. سأله السفير الأميركي عما إذا كان يقبل لجوء خالد العظم الذي كان يهاجم لبنان بشراسة، فأجابه صفير: ليست هي المرة الأولى التي يتصرف فيها خالد العظم والسوريون إجمالاً مع لبنان على هذا الشكل.

 المحاضر من كتاب «حارس الذاكرة»: البطريرك مار نصرالله بطرس صفير

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل