مرض مجتمعنا “الخبيث” والمُتستّر عنه

النجاح عار في مجتمعنا. النجاح ممنوع، وإذا كان لا بد منه، فهو مصحوب بعواصف تزلزل عالمك. تزلزل لأنها فعلا تأتي من جوف الإنسان من دون سابق إنذار بأكثر الطرق خبثاً. لذا يتحول النجاح إلى عار، قد يتفاداه المرء للحفاظ على صورة اجتماعية “مقبولة”.

“القصور العقلي” المصاب به عدد لا بأس به من أفراد مجتمعنا يفتك بالأصحاء بطريقة أو بأخرى. لكن ذلك لا يعني أن النجاح، في الجوهر هو للآخرين، وعلى الرغم من قيمته للذات، هو فارغ المحتوى إن لم نتشارك به مع الآخرين. عملا بطبيعتنا كبشر نتشارك معظم محطاتنا الحياتية مع شركائنا على هذا الكوكب، وهنا نتخبط ببعضنا. على أي أساس تقوم عملية الانتقاء وأي قدر من المعلومات يُنشر؟ وما يجب الاحتفاظ به لأنفسنا إلى دهر الدهرين؟ هنا تتفاوت النسب بين الغرائز والأشخاص.

سرّ نجاحات عظماء المجتمعات يعود إلى السرية الدائمة، وتكون سقطاتهم مدوية عند سقوط “عازل” السرية. فالتحضير للنجاح بالإمكان التكتّم عليه، لكن النجاح يصعب طمره، كما الفشل. فرأس الجبل وقعر الوادي موقعان ترّن أصداؤهما في الآذان.

وهنا تكمن المشكلة، عندما يدوي نجاح الفرد في المجتمع قد يأتي البعض مهنئا، ويا ليته لا يأتي.

طبعاً لا يصحّ التعميم، لكن جزءا لا يستهان به من المجتمع اللبناني يعيش حياته اليومية تبعاً للمثل القائل “يا رب اتدحرج الوقية تنصير كلنا سوية”.

لا يستطيعون فهم نجاح الآخرين كي يتقبلوه. فكيف يأتون مهنئين؟ واجبات. وأكثر من ذلك يأتون في مهمات أشبه بالتقصي، ليفبركوا بعدها أسبابا “وهمية” يبررون فيها نجاح الآخرين، وكل هذا والنميمة متغلغلة في عمق العلاقات بين الفاشلين أنفسهم والناجحين أنفسهم والناجحين والفاشلين سوياً.

النجاحات لا تبرر، ولا “قصور” البعض العقلي. النجاح يُتعلم منه، و”القصور” يعالج.

نجاح الآخرين لا يعني أننا كأفراد فاشلين، أساسا ليس هنالك أفراد فاشلين لا بل محاولات فاشلة. علينا تلقف نجاحات الآخرين، والتعلم منها، واستخدامها درجة في سلم حياتنا الشخصي، فنجاح الأفراد يعني نجاح الجماعة ككل، والعكس.

لترك البغض والكراهية والغيرة، بعيداً، ولنكن سويا “غيورين” على مصالحنا الشخصية لا حسودين. الانفتاح على البعض أمر بالغ الأهمية، ومن خلاله يصبح نجاح الفرد أمثولة للجماعة.

النجاحات اليوم تشكل تهديدا مباشرا على الأفراد، ما يدفعها للمحاربة بكل الطرق الممكنة، علناً أو سراً. تأخذ الأمور منحى شخصياً، ويعتبر هؤلاء أن مسؤوليتهم هدم هذا النجاح وبناء نجاحهم الشخصي على أنقاده، غير مدركين أن النجاح يتطلب سنين من المثابرة، ولو استطاع البعض هدم أثاره الآنية، فإن الشخصية المبنية خلف النجاح لا يمكن تحطيمها، فالساعي خلف أي هدم أو تحطيم يعمّق في فعله ارتداد سقوطه الشخصي ويبعد نفسه عن أي إنجاز فعلي مستدام.

لو استطاعت هذه الشخصيات المصابة بـ”القصور”، يوما، تقبل نجاح الآخرين لا مواصلة البحث الدائم عن أي خلل أو ثغرة في النجاح أو صاحبه، “لأصبحنا في الفشل سوية”؛ لو أدركوا استعمال الوقت وبدل الوقت المبذول على تحطيم النجاحات، لجهدوا في تطوير النفس وسبقوا الآخرين بأشواط لتميز قدراتهم، لكن بئساً وظفوها.

لنبتعد سويا عن المقارنة، ولنتفق على اختلافنا، عندها نتقبل الآخر ونعلم حينها أن نجاح الآخرين ليس تهديدا بل تقدم للمجتمع بأسره وعلينا المشاركة في التهنئة والتعلم. لنعالج “القصور”، نوسع الآفاق ونرتقي سويا بالمجتمع. فلننتبه جيدا لمعتكفي التصفيق عند النجاح، وأكثر للمصفقين بخبث.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل