لم يكن رحيل رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي عن سدّة الحكم مبكراً، كما أنّه لم يكن مفاجئاً، على ضوء اخفاقها في التوصل إلى اتفاق مع الاتحاد الأوروبي يحظى بموافقة مجلس العموم، بينما كانت الأشهر والأيام تلتهم الزمن، والأوضاع على صعيد “بريكست” استمرأت المراوحة في المكان.
لكنّ رحيل تيريزا ماي عن سدّة الحكم، لا يعد اختراقاً للجمود السياسي في بريطانيا بشأن “بريكست”، بل يعمّق من الأزمة الحالية في حال اعتمد خليفتها حلاً أكثر حسماً بشأن الخروج من التكتّل، فذلك يفضي إلى صدام مع الاتحاد الأوروبي، أو يؤدي إلى إجراء انتخابات برلمانية مبكّرة لا يمكن لأحد التكهن بنتائجها، وهناك احتمالٌ ثالث، ربما هو الأضعف، ويقضي بإجراء استفتاءٍ ثان على الخروج من الاتحاد الأوروبي الأمر الذي سيتجلّى انقساماً في البلاد.
وإذا كان قادة حزب المحافظين يلتفّون بمعظمهم حول الخيار الأول، من بين الخيارات الثلاث المذكورة، فإن المعارضة العمّالية تفضّل الخيار الثاني.
وفي هذا السياق، قال زعيم حزب العمال جيرمي كوربن: إن على رئيس الوزراء الجديد أن يجري انتخابات برلمانية مبكرة “ليسمح للشعب بتحديد مستقبل بلدنا”، معتبراً أن “حزب المحافظين فشل تماما في مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ولا يمكنه تحسين حياة الناس أو التعامل مع احتياجاتهم الأكثر إلحاحا”.
ويرى الزعيم العمّالي أن “البرلمان وصل إلى طريق مسدود، ولم يقدم المحافظون أي حلول للتحديات الأخرى التي تواجه البلاد”، واستطرد إن “على زعيم المحافظين الجديد، أن يتيح للناس إمكانية أن يقرروا مستقبل البلاد، من خلال انتخابات عامة”.
ويريد معظم المرشحين البارزين لخلافة ماي، وهم من المحافظين، يريدون اتفاق خروج أكثر حسماً وإن كان الاتحاد الأوروبي قال إنه لن يعيد التفاوض على اتفاق الانسحاب المبرم مع بريطانيا في تشرين الثاني الماضي، هذا الاتفاق الذي لا يمكن له المرور عبر مجلس العموم.
أعرب وزير الخارجية السابق بوريس جونسون المرشح الأوفر حظا لخلافة ماي، عن تأثره من خطاب الاستقالة لماي، وقال في تغريدة له عبر “تويتر”: “خطاب سامٍ من تيريزا ماي، أشكرك على خدماتك الجليلة لبلادنا، ولحزب المحافظين، لقد حان الوقت لمتابعة ما عملت من أجله بشأن إنجاز خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي”.
وأسف رئيس الحكومة البريطانية السابق ديفيد كاميرون، على استقالة ماي وأكد على تقديره للجهود التي بذلتها في رئاسة الوزراء، وقال: “أشعر بالأسف الشديد لتيريزا، ما أريد قوله أنّها عملت بجد وإخلاص، إنها لحظة حزينة للغاية، لأن ماي تهتم بعملها وببلادها أشد الاهتمام، وإنها حريصة على الاستمرار بخدمة المواطنين، لكن عندما تأتي تلك اللحظة، تدرك أن الوقت قد انتهى ومن الصعب بمكان استرجاعه”.
وسجّلت ردود الفعل على الصعيد الدولي لما من لندن أهمية بالنسبة لألمانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي.
واعتبر الاتحاد الأوروبي فور إعلان الاستقالة أن مغادرة ماي سدّة الحكم لا تغير شيئا في موقف الدول 27 الأعضاء بشأن الاتفاق الموقّع في 29 تشرين الثاني حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
وقالت المتحدثة باسم رئيس المفوضية الأوروبية مينا أندريفا: “سنحترم رئيس الوزراء الجديد، لكن ذلك لا يغير شيئاً في الموقف الذي اعتمده المجلس الأوروبي حول اتفاق خروج” المملكة المتحدة من التكتّل.
وأعربت المستشارة الألمانية “أنغيلا ميركل” عن احترامها لقرار ماي بالاستقالة، ونقلت نائبة المتحدث باسم الحكومة الألمانية مارتينا فيتس عن ميركل قولها إنها تحترم قرار استقالة تيريزا ماي من زعامة حزب المحافظين البريطانيين، مؤكدة أنها تواصل التعامل معها طوال مدّة بقاء ماي في رئاسة الحكومة.
ورفضت المتحدث باسم الحكومة الألمانية التحدث بشأن نتائج استقالة ماي على ملف البريكست، معتبرة أنها ترتبط “بتطورات السياسة الداخلية البريطانية”.
وثمّن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ما قامت به ماي، معتبراً أنه عمل شجاع، مطالباً لندن بإعلان الموقف، على نحو عاجل بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وقال إن “ما قامت به ماي عمل شجاع لتنفيذ بريكست لما فيه مصلحة بلادها واحترام شركائها الاوروبيين”، وتقدّم منها بـ”رسالة دعم وشكر شخصية”.
واعتبر ماكرون في بيان بعد إعلان ماي استقالتها: “إنه من المُبكّر التكهن بشأن تداعيات قرار الاستقالة، لكنه أكد على ضرورة استمرار العمل بمبادئ الاتحاد الأوروبي، مستطرداً: “إن الحفاظ على الأداء المرن للاتحاد يتطلب توضيحاً سريعاً من قبل بريطانيا بشأن البريكست”، بحسب تعبيره.
وقال ديمتري بيسكوف المتحدث باسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للصحافيين إن “رئاسة ماي للحكومة جاءت خلال فترة صعبة جدا في علاقاتنا الثنائية”.
ردود الفعل على استقالة ماي لم تنحصر فقط في النطاق السياسي، بل كان لها صدّى على الصعيد الاقتصادي والمالي، فالجنية الاسترليني ارتفع 0.4 بالمئة مقابل اليورو اليوم الجمعة بعد تكبده خسائر على مدى 14 يوماً مع تحديد ماي موعد استقالتها.
ارتفع الجنيه الاسترليني مقابل الدولار0.4 بالمئة إلى 1.2713 دولار بعد إعلان ماي، ومقابل اليورو، ارتفع الاسترليني إلى 88.05 بنس بعد تكبده خسائر على مدى 14 يوماً على التوالي في الوقت الذي قلص فيه المتعاملون بعض رهاناتهم على انخفاض الاسترليني قبل عطلة نهاية أسبوع طويلة.