أهمية مشروع قانون الاقتصاد الاجتماعي التضامني

مع تزايد الأزمات الاقتصادية الاجتماعية البيئية التنموية ومحدودية قدرات القطاعين العام والخاص منفردين في التصدي لها، يتنامى دور مؤسسات تعمل وفق مبادئ خاصة بالاقتصاد الاجتماعي-التضامني (جمعيات، تعاونيات، صناديق تعاضد، ومؤسسات ناشطة في الريادة الاجتماعية…) تختلف عن مبادئ كل من القطاعين العام والخاص وتشكّل فيما بينها “قطاعا مستقلا” له خصوصيته التنموية وغاياته الأساسية غير الربحية. فما هو التعريف الشامل للاقتصاد الاجتماعي التضامني والمبادئ المشتركة بين مكوّناته؟ وبماذا خصّت د سهام رزق الله جريدة “الجمهورية” حول اقتراح القانون الرامي الى تعريف وتصنيف هذا القطاع غير الربحي؟

********

انطلاقا من مفهوم التضامن، يُظهر الاقتصاد الاجتماعي جملة مبادئ وقيم تختلف من جهة عن تلك التي تطبع كل من القطاعين العام والخاص. وتشرح الأستاذة المحاضرة في جامعة القديس يوسف حيثيات تقديم اقتراح قانون بإشرافها من قبل مجموعة من الطلاب في كلية العلوم الاقتصادية لتعريف وتصنيف مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي التضامني عبر منحها “علامة تميّز” أيا تكن طبيعة تأسيسها من جمعية أو تعاونية وصندوق تعاضد، مؤسسة تعمل في الريادة الاجتماعية… فتكون هذه المنصّة من جهة مساحة تلاقي وتشبيك في ما بينها ومن جهة أخرى فرصة اكتساب علامة مصداقية تجاه المموّلين المحتملين لمشاريعها (من جهات رسمية او مؤسسات قطاع خاص راغبة بدعم مشاريعها التنموية تحت راية المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات أو منظمات دولية تعطي الأولوية تبحث عن شركات موثوق بهم). هذه المنصّة الرسمية لا تغيّر بوجودها المسار المعمول به حاليا لتسجيل الجمعيات والتعاونيات وصناديق التعاضد، كما أن تقديمها “علامة التميز” للراغبين بها لا يمس باستمرار عمل من لا يرغبون بالالتزام بمبادئها ومعاييرها، إنما يقدّم بطاقة تعريف ومصداقية وإقرار بتميّز الملتزمين بمبادئها مع بفضل علامة تميّز تعكس إقرار جهة رسمية تضم خبراء متخصّصين بذلك على غرار بلدان عديدة تشهد تطوّر متقدّم في الاقتصاد الاجتماعي التضامني.

وتؤكد د. رزق الله أنه حرصا على دعم الاقتراح من قبل المعنيين الأساسيين به، تمت صياغة النص الحالي بعد دراسة مقارنة مع القوانين المثيلة في كل من فرنسا (التي تتقارب معها معظم القوانين اللبنانية) وتونس التي تشكّل النموذج الأبرز عربيا في تنظيم الاقتصاد الاجتماعي التضامني. كما تمّ في مرحلة لاحقة الأخذ برأي عدد من أبرز “مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي التضامني” من الجمعيات والتعاونيات وصناديق التعاضد ومؤسسات الرعاية الاجتماعية من مختلف المناطق والأطياف بما يعكس تنوّع النسيج الاجتماعي اللبناني. كذلك تم الأخذ برأي وملاحظات كبرى المؤسسات الخاصة التي تعتمد برامج المسؤولية الاجتماعية في لبنان حول أهمية حصول المؤسسات المعنية على “علامة تميّز” من قبل “منصة رسمية” تؤكد التزامها بمبادئ الاقتصاد الاجتماعي التضامني وتطمئنها الى إمكانية الثقة بها كشريكة في تحقيق التنمية الاقتصادية الاجتماعية المطلوبة.

وقد نصّ الاقتراح على تكليف مصلحة التنمية الاجتماعية في وزارة الشؤون الاجتماعية بوضع السياسات والبرامج المساعدة على تحفيز الاقتصاد الاجتماعي التضامني بمختلف مكوّناته (جمعيات ومنظمات غير حكومية، تعاونيات، صناديق تعاضد، المؤسسات العاملة في مجال الريادة الاجتماعية) وعلى أن استبدال تسميتها لتصبح مصلحة التنمية والاقتصاد الاجتماعي وتوسيع نطاق اختصاصها ضمن الاعتمادات المرصدة لها، لتشكّل المنصة الحاضنة المطلوبة والمخوّلة إعطاء “علامة التميّز” لمؤسسات الاقتصاد الاجتماعي التضامني (بعد التأكد من استجابتها للمبادئ الخاصة به. ولتشمل مساهمة هذه “المنصّة” في تطوير ريادة الأعمال ودعم مشاريع الشراكة مع القطاع الخاص وتعزيز المسؤولية الاجتماعية للشركات والمؤسسات.

وتلخّص د. رزق الله المبادئ التي على أساسها يمكن تصنيف مؤسسات على أنها مكوّنات اقتصاد اجتماعي تضامني ب: اعتماد هدف اجتماعي والسعي لإرساء العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة، تسيير ديمقراطي بالاعتماد على قاعدة صوت واحد لكل عضو مع ضمان شفافية التسيير وفق النظام الخاص بالشخصيات المعنوية، أي ليس تبعا لحصة الأفراد في رأس المال أو قيمة أسهمهم كما في الشركات الخاصة، إدارة تتناسب مع المبادئ التالية: الغاية الأساسية من العمل ليست تحقيق أعلى نسبة أرباح بل تخصيص معظم الفوائض المحقّقة لتأمين استمرارية العمل والمساهمة في الغايات التنموية الاقتصادية-الاجتماعية، ملكية جماعية وعمل تضامني تكافلي والفوائض المالية المسجّلة تستخدم وفق ما تنص عليه القوانين المرعية الإجراء وفق الفئة التي تنتمي إليها الشخصيات المعنوية، كذلك في حالات التصفية أو حل الشخصيات المعنوية، يخصّص فائض التصفية كله وفقا لأحكام الفئة التي تنتمي اليها الذات المعنوية، حرية العضوية والانسحاب الطوعي من الشخصيات المعنوية دون تمييز مبني على الجنسية أو الدين أو الجندر، فضلا عن الاستقلالية تجاه السلطات الرسمية والأحزاب السياسية.

فهل يكون هذا الاقتراح الخطوة الأولى للتعريف بوجود قطاع غير ربحي بمختلف مكوّناتها والمباشرة باحتساب المؤشرات التي يتّسم بها من مساهمة بالناتج المحلي’ خلق فرص عمل، زيادة المداخيل والمساهمة في التنمية المستدامة؟ لا شك أنها رحلة ألف ميل لتنظيم قطاع متشتّت المكونات ومرجعياتها التنظيمية حتى الآن ولكن هذه المبادرة تفتح الباب على مصراعيه أمام مستقبل تنظيمه وتمويله وتحفيزه، فهل يتم التقاطها؟

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل