مجد لبنان في العلى

كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1695

 

هناك عند مدخل الصرح البطريركي في بكركي أمام البوابة الرئيسية حيث حفر على الصخر «مجد لبنان أعطي له» غفا بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للموارنة الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير غفوته الأبدية لينتقل من مجد الأرض إلى مجد السماوات. كان صرحًا كبيرًا في صرح كبير وسيبقى. كان تاريخًا في تاريخ الطائفة المارونية وسيبقى. كان مشهد تشييعه مهيبًا كمهابة الراحل الكبير الذي عرف كيف يكون كبيرًا وكيف يبقى كبيرًا. كيف يكون متواضعًا وكيف يبقى متواضعًا. كيف يكون خادمًا لرعيته وكيف يبقى خادمًا. كيف يكون مدافعًا وراعيًا لخرافه وكيف يبقى مدافعًا وراعيًا.

 

هناك في ساحات بكركي التي حفظت صورته وخطاه مشى البطريرك صفير مشواره الأخير على طريق حياته وترك بصماته وكلماته واختصر شهادة جماعة ووطن. هناك في تلك الساحة اختصر مشهد وداعه عظمة تجربته وسيرته ومسيرته للقاء سيِّده يسوع المسيح وأنزل عن كتفه الصليب وترك لنا الوعد بتحقيق وصاياه ومتابعة حمل هذا الصليب الثقيل صليب مسيحيي الشرق والكنيسة المارونية التي كانت وتبقى المؤسَّسة المؤسِّسة للكيان اللبناني.

 

هناك في ساحات بكركي اجتمع كل لبنان لوداع من صار مؤسس الإستقلال الثاني. وهناك اجتمعت كل الكنائس الشرقية مع كرسي الفاتيكان وبابا روما للتأكيد على مرجعية الراحل وتأكيدًا على أنه بحق أيقونة الكنيسة المارونية.

في تلك اللحظات مع غروب شمس السادس عشر من أيار كانت بكركي محط الأنظار لوداع من اتجهت إليه الأنظار طيلة أيام حبريته من دون أن يتخلى في أي وقت عن إيمانه وتواضعه ورسالته. كأن كل الذين أتوا للمشاركة كانوا يعبِّرون عن محبتهم وإيمانهم بأنه كان خشبة الخلاص التي أنقذت لبنان.

 

كبيرًا عاش البطريرك صفير وكبيرًا رحل. هز رحيله وجدان من أحبوه وراهنوا عليه، كما هزَّ الذين خاصموه واعتقدوا يومًا ما أنه يمكن أن ينهزم ويلين وينكسر ويتراجع ولكنه بقي دائمًا تلك الصخرة التي تكسّرت عليها أحلامهم.

تلك الصورة لذلك الغياب لا يمكن أن تتحقق إلا في بكركي. ذلك أن تاريخ لبنان لا يشهد حضور أي مؤسسة من المؤسسات المكوّنة له بهذا العمق في التاريخ والوجدان والبروتوكول والإستمرارية والتقاليد إلا في ذلك الصرح.

لم يسبق أن شهد لبنان والطائفة المارونية بطريركاً يترأس الذبيحة الإلهية لوداع بطريرك راحل إلا مرة واحدة عندما ترأس البطريرك صفير جنازة البطريرك الراحل أنطونيوس خريش. حتى في مشهدية رحيله كان البطريرك صفير صانع الحدث. في العام 2011 اختار أن يرتاح من مهامه البطريركية ليعود كاهناً عاديًا وبطريركاً سابقاً وكاردينالاً دائمًا. مع بلوغه التسعين من عمره وحرصًا منه على سمعة البطريركية أراد أن يتنحى. قال لمقربين منه أن العمر يدهمه وأنه يخاف أن يسبقه بحيث تؤثر صحته على مهمته وفضل أن يترك المنصب ليبقى في المهمة وأن يكون مجرد «أبانا الذي في بكركي» لأنه لو قدر الله له أن يمرض وتداهمه أعراض الشيخوخة فسيُقال عندها أن «الأبونا» صفير هو المريض وليس البطريرك. لقد استشرف كل ذلك بحكم معرفته بالأوضاع البطريركية ومعايشته لرحيل أكثر من بطريرك.

 

في 19 أيار 1955 توفي البطريرك أنطون عريضة. كان عمره ثلاثة وتسعين عامًا وكان مضى عليه ستة أعوام في المرض عاجزًا عن القيام بما يتطلبه منه الموقع. ولذلك اختار الفاتيكان منذ ذلك الحين أن يعيّن لجنة ثلاثية تتولى إدارة البطريركة ترأسها المطران بولس المعوشي الذي تولى إصدار بيان نعي الراحل قبل أن تتسرب أخبار عن خلاف بين المطارنة خصوصًا حول طريقة اختيارخلف له، هل ينتخبه مجمع الأساقفة أم يعيّنه قداسة الحبر الأعظم؟ ومن يحق له التصرف كأنه النائب البطريركي العام؟ المطران المعوشي أم المطران الأكبر سناً أم المطران الأقدم رتبة؟ وهل ما قام به المطران المعوشي هو الصحيح خصوصًا أنه أبرز قرارًا فاتيكانيًا «بقي سريًا» ينيط به وباللجنة الثلاثية القيام بالمهام البطريركية حتى إشعار آخر؟

 

في 22 أيار 1955 الساعة العاشرة أقيم القداس الرسمي لراحة نفس البطريرك عريضة في كنيسة الصرح وعند الساعة الثانية عشرة تحرك موكب الجنازة إلى مقر البطريركية المارونية الصيفي في الديمان حيث أقيم الجناز وتم دفن الراحل في مدفنه الخاص داخل الكنيسة بحسب وصيته.

 

في 28 أيار حسم البابا بيوس الثاني عشر اللغط الدائر حول اختيار البطريرك الخلف عندما وصل إلى بكركي المطران سيلفيو أودي القاصد الرسولي في القدس واجتمع إلى الأساقفة الموارنة وتلا عليهم الرسالة البابوية التي نصت على أن يكون المطران المعوشي البطريرك الرابع والسبعين للموارنة، فانتقل مباشرة ليجلس على كرسي البطريرك وتقبل المطارنة القرار وقدموا له الطاعة والإحترام.

كان قدر الأبونا نصرالله صفير مرتبطاً بقدر البطريرك المعوشي الذي اختاره أميناً لسره في بكركي ثم كرَّسه مطراناً في العام 1961 وعيّنه نائبًا بطريركيًا له. منذ ذلك التاريخ أصبح المطران صفير رجل المهمات الصعبة.

 

في 11 كانون الثاني 1975 توفي البطريرك المعوشي عن ثمانين عامًا قضى ثلاثين منها في سدَّة البطريركية. كان أيضًا بطريركاً كبيرًا رافق مراحل خطيرة في تاريخ لبنان وترك بصماته في اللعبة السياسية والدينية وكان ذا مهابة كبيرة. وقد تولى المطران صفير إصدار بيان النعي باسم بكركي محددًا يوم الجنازة والدفن يوم الثلاثاء في 14 كانون الثاني. كان لبنان ينحدر إلى الحرب الأهلية وكان موت البطريرك يترافق مع اشتباكات مع جماعة أحمد القدور في طرابلس وكان من بين الذين وفدوا إلى بكركي للتعزية رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات. سُجّي جثمان الراحل داخل كنيسة الصرح وأقيمت مراسم الجنازة في باحة الصرح الداخلية حيث وضع على محمل مائلاً في مواجهة المذبح وأمام الحضور وقد ترأس المطران صفير المراسم قبل أن يوارى الراحل في مدافن البطاركة في بكركي.

بعد وفاة المعوشي طُرح إسم صفير خلفاً محتملاً له من بين 14 أسقفاً كانوا يشكلون مجلس الأساقفة الذي سيتولى عملية الإنتخاب. ولكن لم تكن تلك ساعته فكان المطران أنطونيوس خريش هو البطريرك الخامس والسبعون الذي تم انتخابه ومعه بقي صفير نائبًا بطريركيًا وأيضًا رجل المهمات الصعبة خصوصًا أن شخصية البطريرك خريش بعد اندلاع الحرب سمحت له بهامش أكبر من الحركة.

 

في بداية العام 1986 عندما اختار الفاتيكان أن يستقيل البطريرك خريش وأن يعيّن المطران ابراهيم الحلو مدبرًا بطريركيًا برزت معارضة بين المطارنة الموارنة الذين لم تتم استشارتهم ولا تم الأخذ يرأيهم ولذلك لم يجدوا إلا المطران صفير يحمل ملف انتخاب خلف للبطريرك المستقيل لمقابلة البابا يوحنا بولس الثاني وعرض المشكلة عليه. نجح صفير في المهمة وأقنع البابا ودوائر الفاتيكان بوجهة نظره المطالبة بالإسراع في انتخاب بطريرك جديد في ظل تداعيات الحرب على الوضع المسيحي من أجل أن يضطلع بمهمة إنقاذية تاريخية. في 19 نيسان 1986 كان المطارنة الموارنة يختارون المطران صفير البطريرك السادس والسبعين.

أقام البطريرك خريش في بكركي حتى وفاته في 19 آب 1994. وكان البطريرك صفير حاضرًا لترؤس الذبيحة الإلهية عن راحة نفسه وهو بذلك البطريرك الوحيد الذي يترأس الصلاة في مأتمي بطريركين راحلين. هناك أيضًا داخل كنيسة الصرح سُجّي جثمان البطريرك الراحل قبل أن تجري مراسم الجنازة في الباحة الداخلية ويدفن في مدافن بكركي البطريركية.

 

وحده البطريرك صفير كانت جنازته في الساحة الخارجية. عراقة المناسبة تأتي من عراقة التاريخ الماروني والكنيسة المارونية ولكن مع شيء من العظمة التي اقتضتها المناسبة من أجل تكريمه، وهو الذي عاش بكل البساطة التي أرادها نهجًا في حياته وتقديرًا للدور الكبير الذي قام به والحضور الراسخ في ذاكرة شعب وجماعة ووطن.

من مستشفى أوتيل ديو حيت أمضى أيامه الأخيرة إلى بكركي كان الناس الذين احتشدوا على الطرقات كأنهم يودعون جزءًا منهم ومن تاريخهم ووجعهم وأملهم وعذاباتهم.

وداخل ساحات بكركي كانت الساعة قد حانت للوداع الكبير للرجل الكبير الذي عمل بما قاله السيد المسيح «أترك كل شيء واتبعني». لقد ترك كل شيء ولكنه لم يترك إيمانه بأنه منذور من أجل خلاص شعبه ووطنه. صحيح أنه بطريرك الإستقلال الثاني. وصحيح أنه قال يوم انتخابه إنه سينوء بحمل الصليب، صليب المسيحية في هذا الشرق وأنه دعا إلى حمله معه. ولكن الصحيح أيضا أنه ترك وصاياه التي ستبقى حية من أجل أن تكون هي الطريق لتحقيق هذا الإستقلال الذي لم يتحقق بعد. وهو عبء كبير تركه أولاً بطريرك الإستقلال الأول الياس الحويك ليبقى ذلك الإستقلال هو الصليب الذي ستنوء أكتاف الأجيال بحمله من أجل أن يكون استقلالاً حقيقيًا وناجزًا. صحيح أن البطريرك صفير قال ذات مرة إنه «إذا خُيِّرنا بين العيش المشترك والحرية سنختار الحرية»، ولكنه دائمًا كان بطريرك العيش المشترك والحرية في العيش المشترك. لقد صنع مجده على الأرض بتواضعه وبكلمته وبورقة وقلم وبجرأة الرجل الذي آمن بما قاله السيد المسيح «لا تخف آمن» وبقي متمسكاً بهذا الإيمان حتى عندما قلّ المؤمنون بأن القيامة ممكنة وأن الموت ليس إلا مرحلة عابرة بين مجد على الأرض وبين مجد في السماء.

لقد عاش البطريرك صفير من أجل الكنيسة ولبنان ومات لتحيا الكنيسة ولبنان وسيبقى حيًا فينا حتى تتحقق وصاياه.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل