آخر أيام بطريرك الإستقلال الثاني: يا جبل ما يهزك ريح – 2

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1695

آخر أيام بطريرك الإستقلال الثاني:

يا جبل ما يهزك ريح

قرأ «المسيرة» في عددها الخاص بمئويته صلى المسبحة وعبر إلى مجد السماء  (2)

 

الأحد 28 نيسان 2019، إنه يوم قيامة السيد المسيح من بين الأموات لدي الطوائف التي تتبع التقويم الغربي. الإستعدادات في الصرح البطريركي للإحتفال بالقداس الإلهي بدأت مع ساعات الصباح الأولى كما العادة. دقت أجراس الكنائس وبدأ القداس الذي يرأسه البطريرك مار بشارة بطرس الراعي بحضور رئيس الجمهورية وحشد من الوزراء والنواب وشخصيات وفاعليات. وحده وجه البطريرك مار نصرالله بطرس صفير كان غائبًا عن تلك المشهدية بسبب رداءة الطقس والأمطار.

ذاك الأحد الكبير، لم يشارك الكاردينال صفير في القداس الإحتفالي لكنه صلى وتناول جسد ودم المسيح في الكابيلا التي اعتاد أن يصلي فيها صباح كل يوم مع رفيق عمره (عمو) جورج صليبا، ولم يدرك أنه سيكون أحد القيامة الحقيقية في مشوار عمره على الأرض.

انتهى القداس. الكل توجه إلى صالون الصرح لتهنئة البطريرك الراعي بعيد القيامة يتقدمهم رئيس الجمهورية العماد ميشال عون. دخل الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير وجلس في كرسيه إلى جانب البطريرك الراعي. تقبّل التهاني وسلم على المهنئين فردًا فردًا، من دون أن تبدو عليه أية علامات تعب أو تذمر أو إرهاق. كان كما حتى آخر لحظة من مشوار عمره على الأرض حاضراً برهبته ومؤمناً بقيامة المسيح من بين الأموات.

ذاك الأحد الكبير كان آخر أحد يشارك فيه بطريرك الإستقلال الثاني في احتفالات يوم قيامة الرب من بين الأموات. الثلثاء 30 نيسان لم يتوجه البطريرك صفير إلى الكابيلا ليصلي مع رفيق دربه جورج بسبب إصابته بالتهاب رئوي كما شخّص طبيبه الدكتور الياس صفير وأمر بنقله إلى مستشفى أوتيل ديو ليخرج منها محمولا على الأكتاف بنعش المجد والكرامة ومنها إلى أحضان أمه العذراء.

الثانية و45 دقيقة من فجر ذاك الأحد 12 أيار وتحديدًا قبل ثلاثة أيام من عيد ميلاده المئة سكتت دقات قلب بطريرك الإستقلال الثاني وطوى صفحات من كتاب مجد لبنان الذي كتبه على الأرض ليكمل فصوله في السماء مع الأبرار والقديسين. وحدها الساعات الأخيرة التي سبقت تلك اللحظة سيبقى صداها كما المذكرات التي لم تنشر فصولها إلا بعد عبوره إلى مجد السماء بحسب وصيته صادحًا في ذاكرة التاريخ.

البطريرك صفير قال ما قال وبقي الكثير من صمت من أعطيَ مجد لبنان على الأرض ليستكمل فصوله  في السماء استقلالاً ثالثا.

 

ميلاني صفير: سيد الصمت باقٍ معنا

عندما أدخل البطريرك صفير إلى مستشفى أوتيل ديو (الثلثاء 30 نيسان) وتحديدا بعد يومين من احتفالات الكنيسة التي تتبع التقويم الغربي بعيد القيامة في 28 نيسان كانت شقيقته ميلاني صفير تلازم فراشها بسبب تعرضها لكسر في الورك وإصابتها برضوض. لم تتمكن من زيارته كما كانت تفعل في بكركي حيث كانت تزوره يوميا. «كنت إذا شي نهار مرق من دون ما شوفو بحس إنو في شي ناقص». اليوم صار النقص كبيرا لكنها تؤمن كما شقيقها البطريرك صفير وتردد كلامه: «نحن من التراب وإلى التراب نعود».

نهار الأحد 12 أيار كان مقررًا أن تزور ميلاني شقيقها البطريرك صفير في المستشفى. كانت ستذهب على الكرسي النقال. لكن ملاك الرحمة سبقها. «بس هوي معي متل ما كان مرافقني ع الأرض».

عندما فتحت ميلاني صغيرة البيت عينيها على الحياة كان كبير البيت البطريرك صفير يرتدي ثوب الكهنوت. ذكريات الطفولة مع سيدنا نادرة لكن ما حفر ولا يزال في ذاكرتها هي عظاته التي كانت بمثابة دستور. «زواروا كانوا كتار وكانوا يجوا يزوروه بجناحو بس ما بيحكوا سياسة. كان يردد قدامن إنو اليوم في بطرك (مار بشارة بطرس الراعي) وبوجودو أنا ما بحكي. وإذا حكي كم كلمة فبالمختصر المفيد والشاطر يفهم… وتستطرد: «أساسا البطرك صفير كان بيشبه بيي مارون. كان متلو كتوم وما بيحكي ولا بيتذمر من شي».

عند انتخاب العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية لمست ميلاني كما بعض المقربين منه علامات الرضى والراحة على ملامح وجهه. لكن حتى أمام هذا الحدث الوطني لم يخرج عن صمته: «بعد انتخاب الرئيس عون كان يردد قدام زوارو هلق صار عنا رئيس. والبلد بلا رئيس ما بيمشي». ويسكت عن الكلام.

بطريرك الإستقلال الثاني كان يتكلم ويقفل الباب ويصلي. لم يضطر يوما الى توضيح أي موقف ولا تبرير ما يقوله، لذا اعتاد عند كلّ محطة تكرار عبارة «لقد قلنا ما قلناه”…. لكن متى تكلم كان لا بد من أن يتغير شيء ما في المشهد السياسي. «قصر المهاجرين؟ أين يقع هذا القصر لا أعرفه لم أسمع به من قبل؟»، بهذه العبارات أجاب بطريرك الكلام مار نصرالله بطرس صفير عندما سأله أحد الصحافيين عما إذا كان سيزور قصر المهاجرين. كسر شوكة النظام السوري ولم يستسلم لإغراءاته. وقف صمد، عاند، دافع، ساند الحق اللبناني. في اختصار جعلنا نستمر ونصمد ونتعاضد… فعلا كان بطريرك لا يفسر تقول شقيقته التي لا تتمايز كثيرًا عن شقيقها في مسألة الكلام المقتضب واليوم صارت أكثر صمتا.

غالبا ما كانت تقصد ميلاني صومعة شقيقها البطريرك صفير في بكركي صباحًا. تغدو باكرًا لتلاقيه عند الساعة السادسة والنصف في الغرفة المجاورة لغرفة نومه والتي حوّلها إلى كابيللا صغيرة. ومع رفيق الدرب جورج صليبا يدخلون الصومعة للصلاة.. تصمت قليلاً كأنما تستعيد ذكريات جلساتها مع البطريرك صفير وتقول بصوتها الهادئ: «أساسًا حتى جورج ما كان يخبرني شي. فكرك كنت إقدر آخذ منو شي كلمة عن سيدنا؟ في إيام بكون معجوقة بالشغل بالمؤسسة (مؤسسة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير)  وما روح لعندو ع بكركي. بتصل بجورج وبسألو عن سيدنا. كيفو؟ منيح؟ متضايق من شي؟ بدو أخدلو شي بس إطلع لعندو بُكرا؟ ويجيب جورج: «لأ أبدا». 65 سنة مع بعضن ما افترقوا نهار إلا بس كان يمرض جورج ويقعد بالبيت. أساسا لو ما اتفقوا ما التقوا»… وتغرق في صمتها من جديد.

يوميات البطريرك مار نصرالله صفير لم تتغيّر منذ دخوله جناحه الخاص في بكركي بعد تقديم استقالته في 15 آذار 2011 وتروي ميلاني: «بعد القداس كان يعود سيدنا إلى غرفته لتناول الترويقة. «الله وكيلك ترويقة نسّاك. شو ما جابولوا كان ياكل. ما في مرة تذمّر من الأكل أو طلب شي معين. بس بالعادة كان ياخذ ع الترويقة زيت وزعتر وحبتين زيتون مع خيارة وحبة بندورة وأوقات لبنة وجبنة أو منقوشة جبنة أو صعتر. وما ياكل إلا ربع قطعة من المنقوشة. كان أكلو قليل. دغري بيقول الحمدالله شبعت».

وحدها القراءة لا تشعر البطريرك بالشبع. لعلها كانت الملاذ الوحيد الذي يترجم من خلاله صمته أو لعله كان يخاطب السطور وما بينها. والقراءة لا تقتصر على كتاب الإنجيل أو الكتب التي تروي سيرة القديسين إنما أيضا الصحف والمجلات اللبنانية والأجنبية التي يدأب على قراءتها يوميا بعد الترويقة ولمجلة «النجوى – المسيرة» تكرر ميلاني حصة واسعة في مساحة قراءات سيدنا. بعدها يبدأ بين الساعة التاسعة والنصف والثانية عشرة في استقبال زواره الذين يؤمون جناح البطريرك صفير وفق مواعيد مسبقة.

مائدة الغذاء لا تقل تواضعا وتقشفا. أطباق يحملها إليه في فترة النهار ممرض وافق البطريرك صفير على إقامته معه في الجناح منذ حوالى العامين بعد محاولات حثيثة ونقاشات طويلة مع شقيقته. ولموقفه الرافض أسباب تشرحها ميلاني: «أول شي رفض إنو يكون معو ممرض على اعتبار إنو جورج موجود معو وإذا ما كان حاضر بيجي لمجرد الإتصال فيه. وبعد نقاش طويل اقتنع سيدنا إنو يكون في ممرض معو لفترة النهار وآخر بفترة الليل». لكن جورج يلازمه كطيفه «تصوري إذا بدو يطلع من بكركي ما بيروح إلا مع جورج بسيارتو. أساسًا صارت ضهراتو قليلة ومحصورة إما بزيارة سيدة لبنان أو زيارة لمؤسسة البطريرك صفير بريفون. وهل كان يزورها في بيتها؟ نسأل. وتجيب: «ولا مرة شفتو بالبيت من 2011 لليوم. بس وقت كان بعدو بسدة البطريركية كان يزورني فجأة من دون ما حدا يعرف بالحي. وإذا عرفوا ما كان يلحّقوا يتصلوا بصحافي أو يطلعوا لعندي لأنو زيارتو ما كانت تستغرق أكتر من 10 دقايق. يعني كان يجي يرش مي مصلاية ويرجع ع بكركي».

بعد القيلولة يعود البطريرك صفير إلى كتاب صلاة باللغة الإنكليزية دأب على القراءة فيه يوميًا. هو ليس بكتاب إنجيل لكنه حتمًا كتاب يمت إلى الصلاة والإيمان وفلسفة الوجود بصلة «قد ما قرأ فيه اهتروا وراقو».

ليست حياة الزهد والتنسك وسط الناس بجديدة على سيد الصمت. فحتى في مرحلة توليه سدة بكركي كان البطريرك صفير يعيش حياة النسك والزهد لكن ضمن جماعة. حتى الموت ما كان يهزه. آمن أن الحياة ليست إلا مجرد رحلة على هذه الأرض وكلنا سائرون على هذه الدرب ومن دون سابق إنذار. «هذا لا يعني أنه لم يتأثر أو يحزن يومًا عند انتقال أحد الأحباء إلى جوار ربه، أو أمام قوافل الموت والشهداء الذين كانوا يسقطون يوميا خلال الحرب اللبنانية وما بعدها بس متل ما كان يقول عنو المطران الراحل رولان أبو جودة: البطرك صفير يا جبل ما يهزك ريح».

وحدها الرحلات إلى وادي القديسين ما عادت مدرجة على برنامج الحج الذي كان يقوم به سنويًا سيرًا على الأقدام وباتت «مشاوير» البطريرك صفير تقتصر على الباحة الخارجية للصرح البطريركي وصولا إلى حاجز الجيش عند بوابة الصرح أو في رواق جناحه وأحيانا يطلب من رفيق دربه جورج ان يصطحبه بسيارته إلى مقام سيدة لبنان في حريصا أو إلى مؤسسة البطريرك صفير في ريفون.

بعد تناول عشائه يختلي سيدنا في غرفته ويقرأ في كتاب الإنجيل وينتقل بعدها إلى كتاب آخر. طبق وحيد يصر عليه البطريرك إلى مائدة العشاء. طبق الحساء. ما كانت تفرق معو شو ما تكون الشوربا. ماجي، عدس، دجاج، خضرا بصل… المهم شوربا مع الخبز المحمص. كان يحب الخبز المحمص. وإلى الحساء الطبق الأساسي هناك حبة بطاطا مشوية أو سمك مشوي أو شريحة بيتزا «بس من تاني لقمة بيقول شبعت. استحليت شي مرة يقللي أختي طالع ع بالي هالطبخة أو أكلة حلو. حتى الفواكه إذا حضرت بياكل وإذا لأ ما بيسأل. أوقات بقللو ليش بتضل ساكت، احكي شي. بيطلع فيي بيبتسم وبيقللي ما في شي كتر خير الله».  وعند الثامنة مساء كان يقرأ في الإنجيل يصلي المسبحة ويخلد إلى النوم.

15 أيار2019. كان يفترض أن تتوجه ميلاني صفير إلى بكركي لمعايدته بمئويته. هناك كانت ستقف وجهًا لوجه مع سيد الصمت وبطريرك الكلام لتقول له «كل سنة وإنت بخير سيدنا». فقط معايدة من القلب إلى أعظم قلب وأكثره جرأة. وبعد المعايدة ينتقلان كما جرت العادة منذ العام 2011 إلى مائدة بكركي للإحتفال بعيد ميلاده الذي يجمع إلى ميلاني صفير البطريرك مار بشارة بطرس الراعي ورهبان ومطارنة وأعضاء مؤسسة البطريرك صفير والمؤسسة المارونية للإنتشار وطبعا رفيق العمر جورج صليبا. هو تقليد اتبعته الأخت الصغرى للبطريرك صفير منذ تقديم استقالته ودخوله جناح الزهد والتصوف في بكركي. تقليد يلتقي في خلاله البطريرك صفير بنحو 60 شخصا يأتون لمعايدته. لكن حتى في مثل هذا اليوم الذي أبصر فيه النور في بيت مسيحي في قرية ريفون لم يكن يخرج عن صمته. كان يشرب النخب ويكتفي بكلمة كتر خيركن بشكرككن وبحبكن كلكن».

هذه السنة كانت المعايدة مليئة بالغصة والدموع، معايدة اقتصرت على الصلوات وتلاوة أبيات المسبحة: «سيدنا قرر يعيّد هالسنة مع إمو العدرا. حملتلو باقة ورد وصليت بالمسبحة اللي كانت رفيقة عمرو وراح يبقى رفيق عمري ليوم لقاءنا بالحياة التانية».

 

عبدو متى: صخرة لبنان التي لا تتزحزح

منذ دخوله المستشفى واظب الزميل عبدو متى الذي واكب البطريرك صفير من ضمن فريق الإعلام المعتمد في الصرح البطريركي على زيارته. «كان يعاني من التهابات رئوية لكنه كان بكامل قواه الذهنية وكان يصر على إلقاء التحية ومصافحة كل زائر تماما كما عادته في بكركي حيث كان بطريرك التواضع يقف ليصافح زواره. وفي كل مرة أدخل فيها غرفته في المستشفى  أراه جالسا على حافة السرير وفي يده كتاب يطالعه أو أو مجلة «المسيرة» في عددها الأخير الخاص بمئويته. قرأ كل المواضيع وكنا نتناقش في الوقت المسموح للزيارة ببعض المواضيع كما يسألني عن الجميع. كان حاضر الذهن حتى لحظة دخوله في غيبوبة.

لا ينفك متى في استحضار محطات من مشوار العمر مع البطريرك صفير أو بطريرك التواضع كما يصر على توصيفه «عندما كنا نصل إلى جناحه في بكركي كان يصر على أن  يخرج من غرفته لاستقبالنا في الصالون الخاص بالجناح فيصافحنا باليد وعندما نبادره بالقول «صخرة لبنان» يقاطعنا ويضحك قائلا: «لبنان وشعبو صخرة». أكثر من ذلك لم يكن يتذمر من عجقة الزوار لا سيما في فترات الأعياد فكان يستقبلهم ببسمته المعهودة ويتصور مع الجميع. وأذكر أنه في كل مرة كنت أطلب منه صورة سيلفي كان يقول لي: «ما شبعتش صور بعد ك عبدو؟».

صلابته وقوة إرادته كانتا محط دهشة الحاضرين والمحيطين به حتى أنه كان يرفض أن يتنقل في المصعد الكهربائي ويتشارك مع البطريرك الراعي والمسؤولين في الوصول إلى الصرح عبر درج بكركي.

بطريرك التواضع كان بمثابة الأب الروحي للفريق الإعلامي الذي كان يرافقه في رحلاته إلى الخارج وحتى داخل الصرح البطريركي وكان يحرص على أن يجلسوا إلى مائدته في المحافل الرسمية أو على مائدة بكركي ويصر على أن  يُعامل ككل أبناء رعيته على رغم ثقل أعوامه. وخلال رحلاته الخارجية كان يواظب على كتابة خطاباته بيده وبلغة البلد، كان يتقن سبع لغات وكان يصر على أن يتغذى بالمعرفة والعلم والثقافة. وكان يدون مذكراته وخصوصا لقاءاته مع رؤساء الدول ولعل أبرزها زيارته إلى واشنطن حيث استقبل في البيت الأبيض استقبالاً تاريخيًا وأصر على رغم الإرهاق الذي عاناه كما كل الفريق المرافق له أن يصافح أبناء الجالية فردا فردا.

إيمانه المطلق وزهده بالحياة الكهنوتية جعلاه يتخطى فكرة الموت»ما كان يخاف من الموت حتى طبيبو الدكتور الياس صفير كان يخبرنا إنو سيدنا كان متصالح مع فكرة العبور للحياة الأخرى وكان يكرر دايما خلقنا من التراب وإلى التراب نعود.

الأحد 28 نيسان دقت أجراس بكركي احتفالا بقيامة السيد المسيح. البطريرك صفير صلى في الكابيلا بسبب الطقس العاصف الذي حال دون مشاركته في القداس الذي ترأسه البطريرك مار بشارة بطرس الراعي بحضور الرئيس ميشال عون ووزراء ونواب وشخصيات وفاعليات ومؤمنين، لكنه أصر على تقبل التهاني في صالون الصرح: «كان قاعد حد البطرك الراعي وكان حاضر بكل قواه الذهنية وتعرف على كل واحد. بس بعد يومين أصيب بالتهاب رئوي وفضل طبيبو الدكتور الياس صفير نقلو للمعالجة بالمستشفى. كان عم يستقبل زوار قلال وكان وضعو الصحي مستقر بس حصلت مضاعفات وبهالفترة وقف قلبو لمرة واحدة بس رجع على طبيعتو بعد عملية إنعاشو. نهار الجمعة بلشت صحتو تتدهور بعد توقف كليتيه عن العمل بس كان قلبو قوي وضغطو منيح 6/9. بس مشيئة ربنا أرادت إنو يفارقنا بالجسد بعد ما أدى رسالتو الكهنوتية على الأرض وهوي عم بيكملا بالسما».

الثانية و45 دقيقة من فجر الأحد 12 أيار رن الجرس في منزل الزميل عبدو متى. على الخط الآخر الدكتور الياس صفير . «عبدو سيدنا البطرك انتقل لرحمة ربو. رحنا ع المستشفى وعرفت منو إنو بلغ أختو السيدة ميلاني اللي كانت عم تحضّر حالا لا تزورو نهار الأحد وتجي لعندو ع ال»واكر»…. كان صخرة لبنان وراح يضل الصخرة اللي راح نلتجي لإلا ونتكي عليا بالإيام السودا. وكلمة حق تقال البطرك الراعي كرّم البطرك صفير وكان مأتم وداعو على مستوى عظمة الراحل».

الخميس 16 أيار الطريق إلى بكركي لم تكن تشبه نفسها. جحافل المعزين برحيل بطريرك الإستقلال الثاني توافدت منذ ساعات الصباح الأولى لوداع من أعطي له مجد لبنان البطريرك مار نصرالله بطرس صفير. وستبقى هذه الطريق الشاهد الأول على مواكب السيارات الرسمية والديبلوماسية والمقاومين الأحرار الذين كانوا يشقونها في اتجاه الصرح البطريركي للقاء البطريرك صفير للإستماع إلى كلماته المقتضبة التي كانت تحفر كما نقطة الماء في الصخر.

بكركي لا تزال بكركي وسيدها لم ولن يساوم على إرث البطريرك صفير الذي رفض أن يساوم على حقيقة بقي يرددها حتى آخر يوم من عمره على الأرض .حقيقة اختصرها بثلاث كلمات «لبنان حر ومستقل».

«قلنا ما قلناه» لكن لا يزال الكثير مما قاله بطريرك الإستقلال الثاني وأوصى بأن لا يُنشر إلا بعد رحيله… والوصية حتما في أيادي أمينة.

(انتهى)

إقرأ أيضاً: آخر أيام بطريرك الإستقلال الثاني: يا جبل ما يهزك ريح – 1

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل