الجبل… معمودية المقاومين وجسر المتخاذلين

بين زحلة وجزين والبقاع الغربي والمتن وبيروت، مساحة من الأرض تختصر تاريخ جماعتنا في هذه المنطقة، وأنا الآتي من حضن الجبل، أعرف بلداته ودرب الجلجلة التي مرت به.

التهجير الذي شهدته منطقتنا، كان وليدة معركة لم يرد أبناء الجبل خوضها، فتأخرت ثماني سنوات بعد بدء الحرب اللبنانية. وكان استشهاد كمال جنبلاط وبشير الجميل تمهيداً لجعل الجبل ساحة مناسبة للجيشين السوري والاسرائيلي لتصفية الحسابات وتوجيه الرسائل السياسية.

في الحرب، لا مكان للفلسفة والنظريات والنقاشات. الحرب بارود ونار، ورجال أشداء ينظرون في عينيّ الموت مرددين “لن تنتصر اليوم”. الحرب ليست مسيرة شموع وحفلات دبكة، بل شاب يستشهد أخاه بين أيديه، فيحمل بندقيته ليُقاتل الى جانب رفيق آخر.

لم يكن خيار أهلنا يوماً الحرب. أرادوا هم أيضاً العيش والفرح والسهر. لكن ذلك لم يكن خياراً لأن الأولويات تغيرت، ولأن من كان مسؤولاً عن الدفاع عن أهلنا تقاعس، ومن كان دوره حماية الناس تراخى.

ولأن الحرب ليست نزهة، ولا مكان فيها للمنظرين، تُرك أهلنا وحدهم. وكما حصل في محطات عدّة خلال مئات السنين المنصرمة، تركت “القوات” وحدها من جديد في مواجهة مؤامرات الخارج التي تستغل الفرصة للسيطرة على الداخل.

وكما عرف التاريخ خونة، مرتزقة، ولصوص مغانم السلطة، هكذا حصل في ذلك اليوم. وكما قبلة يهوذا للمسيح، هكذا سلّم “المؤتمنون” الجبل إلى مذبحة التاريخ. تقدم سمير جعجع وأسعد سعيد وبول عنداري وكيروز بركات ومارون وديع ورفاقهم الآتون من كل صوب، وصعدوا الى الجبل ليقفوا الى جانب أهله المقاومين.

ولأن مساحة الوطن لا تختصر بقرية، ولأن كل هؤلاء اعتبروا أن كل بيت في الجبل هو بيت ذويهم، صمدوا وانغرس الكثير منهم في تراب الجبل، ليبقى لنا مساحة من الحرية في كل لبنان.

ولأن سمير جعجع ورفاقه في “القوات” تحملوا المسؤولية التاريخية، يوم غسل الكثيرون ايديهم من الجبل كبيلاطس، تقدمت “القوات” لحماية الجبل، وكنا أمام خيارين إما أن نبقي أرضاً بلا شعب وروح، أو نخسر الأرض لتبقى الروح سالمة.

وككل مرة في تاريخنا، تركنا السهل وذهبنا الى الوعر، وتهجرنا كما فعل أهلنا مراراً في الماضي. وكان ما كان، ومن تنصل من حماية الناس جلس ينتظر موت سمير جعجع في الجبل، وموت “القوات” واستسلامها، لا بل انتظر أن يمّحى أثرها من التاريخ. “انبذوهم. اقتلوهم. احرقوا أسماءهم من الكتب. هم الذين هجروا المسيحيين من الجبل”؛ كلمات ردّدتها أصوات من أراد صلب “القوات”.

وعلى الرغم من هذه الأصوات الشاذة، أهل الجبل كانوا يعرفون الحقيقة. وبدل كل قطرة دماء سقطت لشهيد في تلك الأرض، انضوى إلى “القوات” العشرات مرددين: “كيف نترك من لم يتركنا، لنذهب الى من لم يأت الينا”.

كانت الحرب صعبة جداً. يعرفها المقاتلون الذين تعبت أسلحتهم وجعبهم وأحذيتهم وهم لم يتعبوا. وكأن أرض الجبل وكل الجبهات قالت لهم “لقد مررتم علي في كل حين وأنا أحتضن رفاقكم، أما آن الوقت لكم لتستريحوا؟”. ولم يستريحوا.

مرت الأيام، وانتهت الحرب، وعاد المنظرون والمتفرجون والهاربون ليقولوا لمن قاتل: “ثيابك الملطخة بالدماء دفاعاً عن أهلي تُزعجني. تُذكرني بتخاذلي يوماً بعد يوم. هي الصفعة في وجهي أنني لم أكن حيث يجب أن أكون”.

وعادت الأصوات الشاذة ترتفع: “انبذوهم. اقتلوهم. احرقوا أسماءهم من الكتب. هم دافعوا عن المسيحيين في لبنان حين تخاذلنا، فلا يجب أن يبقى لما فعلوه أثر”.

وسُلمنا للجلجلة الجديدة، لندفع ثمن دفاعنا عن كل الجبهات. والأصح اننا دفعنا ثمن أجسادنا الممزقة بالشظايا التي تعري حقيقة عمالتهم. وكان صمتهم يقلقه صدى صلواتنا لشهدائنا. وعُلقنا على الصليب.

لكننا نحن المؤمنين بالله نعرف أن بعد الصلب قيامة. وكنا في عتمة الليالي نضيء مصابيحنا ننتظر القيامة. ويوم كانت المصالحة تلوح بالأفق، وقفنا كالرجال وصالحنا. مددنا أيادينا المصابة، وأصابعنا الخشنة من الوعر، وصافحنا يداً مصابة، وتحدثنا كالرجال وتصالحنا.

وارتفعت الأصوات الشاذة من جديد: “اصلبوهم. اقتلوهم. يتصالحون بعدما قتلوا الناس وهجروهم”، لكننا بالمحبة والشجاعة تصالحنا. وعدنا الى الجبل، وعدنا إلى الأرض، ونمنا في بيوتنا مطمئنين غير خائفين.

وذلك الشعب الذي عاد الى الجبل يعرف، أنه يعود اليوم سالماً لأن الكثيرين عادوا محملين في نعش البطولة يلفهم علم “القوات اللبنانية”، وأنه حين استشهد هؤلاء دفاعاً عن الجبل، كان الجميع يتفرج على الجبل يُذبح.

تاريخنا ناصع البياض. لا نخاف الغوص به. بل كل ما اعتبرتم تذكيرنا به مذلة، عدنا منه مشبعين بالكرامة والرجولة. وأنتم كما كنتم في كل التاريخ، انتهازيين وصوليين، تعبرون الجسر على أكتاف أبطالنا لتصلوا.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل