بطريرك القضية اللبنانية – 1

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1695

بطريرك القضية اللبنانية

البعد الكياني في فكر البطريرك صفير (1)

 

ظهر جليًا في وداع البطريرك صفير والمشاركة الشعبية العارمة في جنازته، أن البطريرك الكبير شكّل في حياته رمزًا وطنيًا من خلال سلوكيات وطنية عابرة للطوائف تستهدف الكيان بالذات، يقينًا منه أن مصلحة المسيحيين، والموارنة خصوصًا، هي في الحفاظ على لبنان بصيغته الفريدة وانفتاحه المميّز وتكافل كل أبنائه في تكامل الدفع نحو الوطن المرتجى. وأهمية هذا الموقف في أي حال، أنه يحافظ على استمرار الخط التاريخي للبطريركية المارونية عبر مئات السنين والأزمات، أكثر مما هو اجتراح لخط جديد، إذ إن التحدي خلال العقود الأربعة الأخيرة، كان الحفاظ على الوحدة الوطنية والتمسّك بها نموذجًا مثاليًا للبنان على الرغم من كل ما عصف بهذا المفهوم من تصدعات وما أصابه من وهن بسبب الحرب الأهلية، وما يرافق مثل هذه الأزمات عادة من تجييش وعمل على التفرقة والحقد تأمينًا للوقود اللازم للحرب. وخلال تلك المراحل العصيبة تجلّى دأبه على مستويين: حماية لبنان الكيان من التفكك والتسيّب، وحماية المسيحيين أولا من استهدافهم كجماعة وكعقيدة وطنية وإيمانية، وثانيا حماية دورهم في تحقيق المستوى الأول. وتحقيقًا لذلك، كانت للبطريرك صفير مجموعة واسعة من الخطوات والمواقف والإجراءات، طبعت بقوة تلك الحقبة المميّزة من تاريخ لبنان وسائر المشرق.

 

شكّل المثلث الرحمات البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، خلال ربع قرن من حبريته، وربما قبل ذلك، علامة فارقة في تاريخ لبنان. فخلال السنوات الـ25 تلك شهد لبنان أعنف الحروب وأبلغ الإنقسامات على المستويات كافة، ما هدد مرتكزات النظام الديمقراطي وعرّض الكيان لشتى أنواع المخاطر. عرف اللبنانيون الحرب الطائفية والمواقف الفئوية، كما عرف المسيحيون التهديد الفردي والسياسي والديمغرافي وصولا إلى الوجودي بكل معانيه. فكان لا بد للقيادات المسيحية ومنها البطريرك الراحل من التصرف بحكمة، للحفاظ على الوجود الحر المتكامل الأسس من جهة، وعلى الوحدة الوطنية المهددة هي الأخرى، من جهة ثانية.

 

معلوم أنه عندما تسلم البطريرك صفير سدة البطريركية في العام 1986 كان البلد غارقاً في أتون صراعاته، لا سيما بعد حرب الجبل، التي اعتبرها حربًا بين أهل من جهة وأبناء طائفتين مؤسستين للبنان التاريخي من جهة ثانية. وكان مرتابًا خائفاً على تصدّع الأساسات الوطنية، لكنه مدرك بعلمه وإيمانه أن عزمنا قادر على حماية لبنان كياناً وثقافة وعيشاً واحداً، لكنّ الدرب طويل… وبدأ المسيرة. وفي انعكاس لهذا الواقع قال يوم انتخابه: «إنتخبتموني بطريركاً فحمّلتموني صليباً ثقيلاً تنوء كتفاي بحمله، لكني متأكد أنكم ستحملونه معي».

تسلمه السدة البطريركية أتى أيضًا بعد سلسلة تداعيات على الساحة المسيحية، فاتسع الجرح في قلب البطريرك وكبر الصليب. لكنه واصل معالجة الأمر بخلفية وطنية وإن بروح مسيحية، كما يقول من واكبوه في تلك المرحلة… وتوالت الأحداث مسرعة وزادت الأخطار من كل جانب، فرفع التحدي وواصل العمل على حلها، أو أقله الحد من أخطارها وتداعياتها. في الواقع كان مدركاً لثقل الصليب الذي سيحمله وللمهمة التي تنتظره.

 

حمل صليب لبنان ومشى جلجلته

وضع البطريرك الراحل نصب عينيه أهدافاً عمل على تحقيقها خلال ولايته البطريركية، ومنها وقف الحرب الأهلية، إعادة إحياء الدولة ومؤسساتها، بوصفها ضمانة عيش اللبنانيين مجتمعين، إعادة وصل ما انقطع بين اللبنانين خلال الحرب، عبر المصالحات واللقاءات. وليس صدفة أن تكون أولى زياراته خارج بكركي بعد انتخابه، لدار الفتوى ولقاء سماحة مفتي الجمهورية الشيخ حسن خالد، وسعيه إلى إنجاز تفاهم مع نائب رئيس المجلس الشيعي الأعلى الشيخ محمد مهدي شمس الدين. وليس صدفة أن تكون كبرى المصالحات برعايته وبدفع منه، مصالحة الجبل وما تبعها من لقاءات وتبريد أجواء.

توسم البطريرك في الرئيس الشهيد رفيق الحريري شريكاً مسلماً، للعمل على استنهاض الدولة. فكانت بداية علاقة توّجت في اتفاق الطائف، الذي رغم ملاحظات البطريرك على بعض بنوده، إلا أنه دعم الإتفاق وموقعيه من النواب الموارنة والمسلمين. وكانت خيبة أمله أكبر حين أوكل أمر تنفيذ الإتفاق إلى سلطات الوصاية السورية. وكان البطريرك أول ضحاياه بنتيجة التظاهرة التي توجهت إلى بكركي ووجهت الإهانات إليه وللصرح. ولأن المصالحات كانت في صلب اهتماماته لم يتوان لحظة عن الإقدام على قرار المصالحة في الجبل.

وبعد الإنسحاب الاسرائيلي، بأربعة أشهر، أدرك حجم التخاذل المحلي في المطالبة بالسيادة، فأطلق في 20 أيلول 2000 من خلال مجلس المطارنة الموارنة النداء الشهير، الذي أسس للاستقلال الثاني، ورعى لقاء قرنة شهوان، بعد أن أوكل إلى المطران يوسف بشارة رعايته. فكان اللقاء الذراع السياسي للبطريرك ولنداءات مجلس المطارنة الموارنة وعظات الأحد للبطريرك صفير، وجسر العبور إلى المكوّنات اللبنانية باسم البطريرك الرافض لاستمرار الوصاية السورية على لبنان.

ويقول الدكتور رضوان السيد: «لا يعرف اللبنانيون في العقود الأخيرة رجل دينٍ وقف في المسألة الوطنية اللبنانية بالصلابة التي وقف بها البطريرك مار نصرالله بطرس صفير: في موقفه الحازم مع العيش المشترك وإنهاء الحرب الأهلية، وإلى عقد مؤتمر الطائف واشتراع الدستور حفاظاً على لبنان، فإلى الإصرار على خروج الجيش السوري من لبنان، ونداء المطارنة الموارنة من بكركي عام 2000 ومصالحة الجبل عام 2001، ونهضة مجموعة قرنة شهوان 2001، ودعم ثورة الأرز وجبهة 14 آذار إثر استشهاد رفيق الحريري عام 2005، ووثيقة المجمع البطريركي (الكنيسة والسياسة) عام 2005».

وتابع: «في أواسط الثمانينات، تسلَّم صفير سُدّة البطريركية، قال المفتي الشيخ حسن خالد: «أنا واثقٌ من ثلاثة أمور: أنّ البطريرك صفير مؤمن بلبنان وبالعيش المشترك، ويريد الخروج من النزاع الداخلي والحرب الأهلية، ولا يرى بديلاً عن الاستقلال الوطني، وهذه القناعة يشاركني فيها الشيخ محمد مهدي شمس الدين». وتبعاً لهذه القناعة تشارك المفتي مع البطريرك في الإجتماعات مع اللجنة العربية المشكلة لحلّ النزاع، وذهبا إلى الكويت للغرض نفسه. وعلى طريق تلك المساعي سقط المفتي الشيخ حسن خالد شهيداً عام 1989».

وكشف أن البطريرك صفير قال له في العام 1993 في تذكُّرٍ لاغتيال المفتي حسن خالد: «لقد تركني وحيداً في ظروفٍ قاسيةٍ، صارت اليوم أقسى! (…)». بينما وقف البطريرك شامخاً في وجه الغوغاء التي هاجمته في بكركي (…). لقد اتصل البطريرك بالجميع، واجتمع إلى كل الذين قصدوه من المسيحيين والمسلمين، وحثّهم على الذهاب إلى الطائف لإنهاء النزاع، ووضع الأُسس للبنان الجديد بالدستور الذي رأى أنه يحفظ وحدة البلاد واستقرارها وتوازُنَها. وعندما قابلتُه مع أصدقاء عام 1994 كان غاضباً وحزيناً لحلّ «القوات اللبنانية» واعتقال الدكتور جعجع واضطراره إلى تأييد المقاطعة المسيحية للانتخابات عام 1992، وقال: «الجنرال عون والرئيس الجميّل في المنفى، والدكتور جعجع في السجن، وممثلو المسيحيين في مجلسي النواب والوزراء قوتهم التمثيلية ضعيفة.. كيف تريدون أن لا يخامر المسيحيين الإحساس بأنهم مغلوبون؟! لا أُريد أن يتسلل إلى المسلمين الإحساس بأنهم غالبون، فاللبنانيون جميعاً مغلوبون، والمنتصرون معروفون، ومهمة الرئيس رفيق الحريري في بناء لبنان القوي والمستقل وسط هذه الأحاسيس والوقائع، بالغة الصعوبة. بكركي لا تمارس دوراً سياسياً، بل دورها وطني. وسنظل نعمل من أجل التوازن والقرار الوطني الحر». وهو الأمر الذي وفى البطريرك به عبر محطات عدة تالية.

هذه المرحلة من التعاون مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري يصفها مستشاره يومها الدكتور داود الصايغ بأنها كانت غنية وواعدة لو قدر لها أن تصل إلى نهاياتها. ويعلق متابعون أن يد الغدر لم تترك للبطريرك صفير أن يحقق كل أهدافه من المشروع الذي عمل عليه حتى قبل اعتلائه السدة البطريركية، فاغتالت في البداية المفتي حسن خالد وكل من وقف في طريق سيطرتها على لبنان وصولا إلى الرئيس الحريري وما تلى ذلك من اغتيالات. وأكد الصايغ أن البطريرك صفير كان المحاور الصلب ولعب دوراً وطنياً مفصلياً. واعتبر أن الشعوب لا تخطئ في ردود فعلها تجاه الأشخاص الذين يتركون أثراً في حياتها. في وصف للإلتفاف والتكريم الذي لقيه الراحل الكبير.

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل