لن نسمح لكم بتزوير التاريخ!

بعد أن وضع اللبنانيون الحرب ومآسيها وراءهم وحصنوا أنفسهم بمصالحات بدأت مع إتفاق الطائف وصولاً الى باكورة المصالحات تلك التي حصلت في الجبل عام 2001، وأسدلت الستارة على صفحة سوداء من تاريخ الحرب اللبنانية، يأتيك بعض مَن يمتهن ويبدع في حفر القبور ليُعيد نكء الجراح من أجل تغطية فشله المدقع بالحرب والسلم وخارج السلطة وداخلها وفي أي مؤسسة إئتمن عليها!

 

ولأن ملف حرب الجبل يمس بالعيش المشترك والهدوء الذي يعم الجبل اليوم، فمن الجرم السكوت عن كل مَن يحاول تعكير هذا الهدوء أو الضرب على وتر العصب الطائفي. كنا ننتظر من مَن كان وقتها في موقع المسؤولية في كافة المواقع، الحزبية والرسمية، من رئاسة الجمهورية الى قيادة الجيش وقيادة القوات اللبنانية والكتائب وكل مَن كان في موقع مسؤولية مباشرة آنذاك، أن يتجرأ ويقف ويقول الحقيقة بوجه مَن يُزور الوقائع ويقلب الحقائق… لكن للأسف، لا نراهم إلا عندما يُطلب منهم مهاجمة القوات اللبنانية وقائدها!

 

في كل الأحوال، لسنا بحاجة لمن يدافع عنّا، نحن “قدّا وقدود”، والقليل الذي قاله الدكتور سمير جعجع بعد اجتماع تكتل الجمهورية القوية، أكثر من كافٍ ليُسكت حفاري القبور.

وبالعودة الى حرب الجبل، واستناداً الى كل ما صدر من مذكرات لسياسيين وقادة ميدانيين، وكتب أرّخت هذه الحرب، من الواضح أنها كانت حرب إقليمية بين محور سوريا وحلفائها والإتحاد السوفايتي، بمواجهة المحور الإسرائيلي – الأميركي – الفرنسي، ومن أسبابها المباشرة ردّ الإعتبار لجيش الأسد وحلفائه الذين هزموا خلال الإجتياح الإسرائيلي للبنان.

 

يقول رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط في مذكراته عام 1994، رداً على سؤال إن كان الجيش السوفياتي قدّم لهم دبابات ومدافع، “نعم لقد قدموا لنا مساعدة عسكرية محترمة”.

وعن أسباب الحرب يقول، حرب الجبل كانت نتيجة لثلاثة قرارات التقت في وقت واحد. قرار اتخذته أنا وقرار سوري وقرار سوفياتي. واذا شئت وضع هذه الحرب في اطارها، فهي جاءت رداً على حرب اسرائىلية – اميركية – كتائبية – قواتية بعد هزيمة القوات الوطنية وسوريا عام 1982. في العام 1983 جاء الرد. كما يمكن اعتبار حرب الجبل رداً على سياسة فرنسية محدودة، انساقت كالعادة وراء السياسة الاميركية.

 

هذه شهادة مَن كان رأس الحربة وقائد حرب الجبل في المحور المقابل، يعني لا يمكن لأحد أن يزايد ويتنكر ويزور هذا الواقع.

ورداً أيضاً على سؤال مَن كان يقاتلكم في المحور المقابل، يرد جنبلاط، “سمير جعجع”. المُحاور دُهش للجواب وسأل ضيفه، “سمير جعجع وحده”؟ فأكد له جنبلاط ذلك، “نعم وحده”.

ماذا حصل على ذاك المحور المقابل وإستناداً الى نفس المذكرات والكتب… سنختصرها بالمفيد.

بعد الإجتياح الإسرائيلي بدأ بعض المسيحيين بالعودة الى قراهم الذين تركوها، في الجبل، بعد إغتيال كمال جنبلاط، وبعد المشاكل التي تطورت الى نزاعات، يقول الوزير السابق كريم بقردوني في كتابه لعنة وطن، “شعرت قيادة القوات ان الامور اخذت تفلت من يدها، موازين القوى تنقلب لغير مصلحتها. وازداد حجم الهجرة المسيحية من الجبل كأنه انذار مسبق، وكان لا بد من اتخاذ  قرار لطمأنة مسيحيي الجبل عن طريق ارسال رجل معروف بجرأته و قدرته. فاختارت سمير جعجع قائد جبهة الشمال، ليتوجه الى الجبل بانتظار وصول الجيش اللبناني. و تردد سمير في قبول المهمة، لأنه كان يعرف ان المعركة خاسرة سلفاً… فصعد مع قواته الى الجبل علّه يحوّل معركة خاسرة الى معركة متوازنة”.

يُضيف بقردوني، “لم تكن القوات قادرة على الإنسحاب من الجبل إذا لم يحل الجيش مكانها، خوفاً من مجزرة مسيحية – درزية، ولم يكن أمين الجميل مستعداً لإيجاد مخرج للقوات عن طريق الجيش، مع العلم، أنه عندما أصبح واضحاً بأن الجيش الإسرائيلي سينسحب، كان الطلب من رئيس الجمهورية وقيادة الجيش بأن تصمد القوات 12 ساعة فقط، لإتاحة المجال للجيش للدخول الى منطقة الجبل، فكان ردّ الحكيم بانه يمكنهم الصمود 24 ساعة ليس أكثر، بسبب الطبيعة الجغرافية للمنطقة، وأيضاً لأسباب تتعلق بالعتاد والعتيد… وبعد أن بدأت المعارك إنطفأت الأجهزة ولم يعد أحد على السمع”!

 

لمن يريد أن يعرف التاريخ عليه أن يقرأ ويبحث عن سياق الأحداث وتطوراتها ويتعلم كيف يكون الأبطال والقادة العظماء، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بموضوع دقيق وحساس مثل حرب الجبل.

حرب الجبل التي سطّر فيها بضعة عشرات من الرجال الرجال مع قائدهم المارد، ملاحم نادرة من البطولة والصمود في وجه جيوش عاتية للدفاع عن أهلهم، ليأتيك بعض الجهلة وبعض المتأثرين بأفلام “جيمس بوند”، مزورين تاريخ الأحداث وبطريقة ساذجة وسخيفة.

 

المفارقة أن الأطراف المعنية بحرب الجبل رضيت وإتفقت وتصالحت وإعتذرت وتوافقت على طي تلك الصفحة الأليمة وتخطي مآسيها وأخذ العبر منها، وهم اليوم في أحسن حالاتها، بينما مَن كان متفرجاً يومها أو هارباً أو مختبئاً تحت سابع أرض… لا يرضى!

لن نسمح لأي كان مهما علا شأنه، أن يزور تاريخ نضالنا الشريف الناصع البياض، الذي لولاه لكان كل هؤلاء يجولون في أصقاع الأرض يبحثون عن وطنهم الضائع.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل