#adsense

لبنان منصة لصناعة الاتصالات… حلم أم وهم؟

حجم الخط

تعتبر أسعار الاتصالات في لبنان من الأغلى بين دول العالم. وبدلاً من أن تشكل خدمة تؤمّنها الدولة للمواطنين بأفضل المعايير والتسهيلات، فيما يدفعون مقابلها كلفة معقولة وبالأسعار العالمية المنخفضة، هي في لبنان ضريبة “شبه كيفية” تجبيها الدولة، مقابل ضعف الخدمات مقارنة مع سائر الدول.

ويكثر الكلام عن هدر بمئات ملايين الدولارات في هذا القطاع الذي لا يزال كثيرون يعتبرونه “نفط لبنان”، بانتظار استخراج النفط الأسود الموعود. وبيّنت اجتماعات لجنة الإعلام والاتصالات النيابية الأخيرة أن هناك فعلاً مشكلة كبيرة في إدارة قطاع الاتصالات وشركتي الخليوي: في المناقصات التي تشمل التجهيزات والبرامج والمعدات والصيانة والسيارات والمحروقات والايجارات ورعاية الاحتفالات والإعلانات والخدمات الإضافية، وغيرها.

والفضيحة المدوية التي فجّرها رئيس شركة “تاتش” أمري فوركان خلال مثوله أمام لجنة الإعلام والاتصالات، حين سئل عن تلزيم كاميرات المراقبة للمحطات بقيمة 650 مليون دولار من دون مناقصة، وجوابه من دون تحفظ أنه طلب منه تلزيم جهة أو شركة محددة، بأمر سياسي، لا يجوز أن تمرّ مرور الكرام، خصوصاً في ظل مطوّلات مكافحة الفساد والإصلاحات التي يطالعنا بها الجميع، صبحاً ومساء وفي كل حين.

ولا ينفي رئيس لجنة الإعلام والاتصالات النائب حسين الحاج حسن وجود علامات استفهام كبيرة في هذا القطاع، ويعترف أن “هناك خللاً وهدراً في المال العام يجب وقفه ومعالجته”، معتبرا أن “السبب الرئيسي لذلك، هو السياسة”. فيما يرى كثيرون من النواب والخبراء أن “هذا الملف، هو كتلة من الفضائح التي لا تعد ولا تُحصى”، وتحوّلت الضرائب في هذا القطاع إلى مُموّل للإنفاق السياسي والمحسوبيات والامتيازات، كما يرى آخرون.

ويبرز التعثر في إدارة قطاع الاتصالات، بانخفاض توقعات إيراداته في موازنة 2019 عنه في موازنة 2018، بعد الفشل في تحقيق توقعات إيرادات الأخيرة. علماً أن وزير الاتصالات محمد شقير عزا السبب إلى تحسّن خدمة “واتساب”، فأصبح الكل يعتمدها بعدما بات لدينا نوعية جيدة لهذه الخدمة، وتحوّلت كل اتصالات اللبنانيين إلى “واتساب” التي حلت أيضاً محل الاتصالات الدولية.

شمس الدين: الدولة قادرة على إدارة القطاع

الباحث في “الشركة الدولية للمعلومات” محمد شمس الدين يرى أن “كل ما يحكى عن معالجات وحلول في قطاع الاتصالات، غير فعّال”، مذكراً بأن “عقد الخليوي أنهته الدولة عام 2002، ودفعت تعويضات بقيمة 186 مليون دولار للشركتين المشغلتين للقطاع في حينه. وبالتالي، كان يجب على الدولة أن تبدأ بإدارة القطاع عام 2003”.

ويشرح، في حديث إلى موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أسباب عدم تولي الدولة إدارة قطاع الاتصالات منذ الـ2003. فمن وجهة نظره، “لأن البعض يريد استمرار السرقة والهدر، مدّدوا للشركتين الموجودتين عامين، ومن ثم أجروا مناقصة عام 2004، وأكملت الشركات عبر التمديد سنة فسنة بحجة إنشاء دفتر شروط جديد. وانتهى الأمر في الـ2018 بإعلان الحكومة عن تمديد جديد للشركتين إلى الـ2019، مع تعهد بإجراء مناقصة جديدة”.

ويعتبر شمس الدين أن “هذا كله تحايل وطريقة لتهريب الأموال. ففي العام 2012 تغيّر العقد، بعدما كانت الشركات تأخذ مبلغاً مقطوعاً عن كل خط هاتفي (7.50$)، فقاموا بإعطائها مبلغاً مقطوعاً بقيمة 17 مليون دولار، علما أن كل ما تصرفه الشركات تدفع قيمته الدولة. مثلا، كل حفلات الرعاية والتقديمات التي تقوم بها الشركات ويعلن عنها بأسمائها، تدفع قيمتها الدولة، بخلاف ما يظن المواطن أن الشركات تدفع من أرباحها”.

ويوضح أن “الشركتين تديران عمليا القطاع لحساب الدولة، والوزارة وبعض القوى السياسية تقوم بالتوظيفات من خلال الشركتين. أي أن الشركتين تحوّلتا إلى طريقة للصرف من أموال الدولة، لكن من دون الخضوع لآليات ديوان المحاسبة ومراقب عقد النفقات، وكل منظومة المراقبة والمحاسبة، ما أدى إلى ارتفاع كلفة الشركتين إلى حدود 500 مليون دولار في السنة”.

ويؤكد الباحث في “الدولية للمعلومات” أن “كل ما يحصل خطأ، والحل ليس بحاجة إلى فذلكة. لدى الدولة القدرة على إدارة قطاع الاتصالات مباشرة، فلمَ تقوم بتلزيمه للشركات؟”. ويضيف: “الموظفون لبنانيون، والخبرات لبنانية، والوزارة قادرة في آخر هذه السنة على إدارة القطاع مباشرة من دون الحاجة إلى أحد، ومن دون القيام بأي مناقصة، أو مبالغ مقطوعة أو نفقات تشغيلية، وحصة الدولة وحصة الشركات، أو غير ذلك. بالتالي، استمرار تلزيم قطاع الاتصالات للشركات، ولو بمناقصة، هو هدر للمال العام”.

ويذكّر شمس الدين، أن “تقديرات إيرادات الاتصالات في موازنة 2018 كانت 1980 مليار ليرة، الأمر الذي لم يتحقق. ولذلك خفّضوا التوقعات في موازنة 2019 إلى1381 مليار ليرة، أي 599 مليار ليرة (400 مليون دولار تقريباً) أقل. ويجدد التشديد على “ضرورة أن تتولى الدولة إدارة هذا القطاع وتشغيله مباشرة وإلغاء قصة المناقصة، لأن ما يحصل هو هدر للمال العام، خصوصاً وأن البنى الأساسية التحتية موجودة، ولسنا بحاجة إلى استثمارات ضخمة بمليارات الدولارات لتطويرها، ويمكن للدولة تأمين الأموال اللازمة لذلك”.

بدارو: نظرتنا خاطئة… الاتصالات ستغيّر البشرية

من جهته، يلفت الاقتصادي الدكتور روي بدارو، في حديث لموقعنا، إلى أن “كل ما تم البحث به من أبواب لتحقيق التوازن بين مداخيل الدولة ونفقاتها في موازنة 2019، تم للأسف من باب واحد، هو إطفاء العجز”. ويلفت إلى أن “اعتماد إطفاء العجز فقط، يخلق مشكلة في أماكن كثيرة، ويؤدي إلى اختناق الأسواق وتراجع في النمو، إن لم نقل إلى نمو سلبي”.

ويعتبر أنه “في قطاع الاتصالات خاصة، يجب على الجميع أن يعلموا أن هذا القطاع، وما سيكون عليه في الخمس سنوات المقبلة، سيغيّر طريقة تعاطي البشرية جمعاء. خصوصاً من خلال الـ” Internet of Things” والـ”G5″.

ويشدد بدارو على “وجوب أن نحسن مواكبة كل هذه العملية بتنافسية عالية، بحيث لا تتكئ الدولة على عملية الربح من هذا القطاع بشكل مباشر، واستبدال إيراداته من خلال قطاعات أخرى. وذلك، كي نتمكن من تخفيف الكلفة في قطاع الاتصالات إلى أقصى درجة، وإطلاق لبنان كي يكون منصة على الأقل إقليمية، وتمنياتي أن تكون عالمية، لصناعة الاتصالات، التي تحقق ارتفاعا في نسبة النمو على الأقل 3 إلى 4 نقاط من الآن إلى عشر سنوات كحد أقصى”.

ويشير إلى “قطاعين أساسيين يتم النظر إليهما والتعاطي فيهما بطريقة غير صحيحة، وهما: الاتصالات والكهرباء، إذ دائما لدى البعض هذه النظرة أن الاتصالات، خصوصا، قطاع يجلب الأموال للخزينة”. ويعتبر أن “الهدر الأساسي ليس في قطاع الاتصالات كما هو حاصل الآن فحسب، بل هو في النظرة المنقوصة لهذا القطاع، وفي عدم فهم البعض أننا إذا خنقنا هذا القطاع، تحديداً بأسعاره غير التنافسية بين اللاعبين الحاليين وعدم وجود منافسة من قبل طرف ثالث أو حتى رابع”.

ويؤكد بدارو أن “قطاع الاتصالات سيكون قريبا مفتوحا على الاستقلالية، ويصبح قطاعا عالميا من خلال (الساتلايت)، والامكانيات التكنولوجية كبيرة لتحقيق ذلك. بالتالي، لن يعود بإمكاننا تحصيل أي مداخيل منه، لأنه سيصبح كالهواء، بحيث يمكن لمن يقوم بتركيب صحون لاقطة في منزله من التقاط الاشارات والموجات عبر الأقمار الاصطناعية. أما نحن، ومع عدم تحضير أنفسنا لمواكبة هذا التبدل والتطور التكنولوجي الحاصل حتما خلال عشر سنوات تقريبا، نكون قد خنقنا كل الامكانيات والفرص الممكنة، من خلال استمرارنا بنظرتنا المغلوطة وطريقة تعاطينا مع هذا القطاع”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل