حبس أنفاس في المنطقة

يصح القول إن المنطقة دخلت مرحلة حبس الأنفاس، استناداً الى تطورات متسارعة، منها ما هو دراماتيكي كما حصل في اسرائيل، ومنها مع هو تكتي – استراتيجي كما حصل وسيحصل على خريطة سوريا، والتحول في التنسيق بين الولايات المتحدة وروسيا، وانعكاس ذلك على الملفات الاخرى برمتها.

المؤكد الى الآن ما يلي:

اولاً: فشل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تشكيل حكومة “مرحلة صفقة القرن” والتي كان من المفترض أن تكون منبثقة عن الانتخابات النيابية الأخيرة في إسرائيل، لحاجة نتنياهو الى صوت واحد من حزب اليمين المتطرف الذي يزعمه أفيغدور ليبرمان، كي ينال اكثرية 61/ 120 صوت من أعضاء الكنيست،  سيؤخر موعد انطلاق صفقة القرن – الى ما بعد ايلول المقبل، الموعد الذي حدد لانتخابات نيابية مبكرة جديدة.

والجدير ملاحظته أن تنظيم إجراء انتخابات نيابية ثانية في غضون أشهر معدودة في إسرائيل – وفضلا عن كونها سابقة تاريخية – تشي بدقة ومصيرية المرحلة التي تمر بها المنطقة، استنادا الى أجندة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يريد إنجاز صفقة القرن او إنطلاق اجراءاتها التأسيسية قبل الدخول في مرحلة الانتخابات الرئاسية الأميركية، رغم شبه إجماع استطلاعات الرأي على اعادة انتخاب الرئيس ترمب لولاية ثانية.

اذا استندنا الى شهر ايلول المقبل موعداً لإجراء انتخابات نيابية جديدة في إسرائيل، فهذا يعني أن موعد إطلاق صفقة القرن سيؤجل الى الخريف، ما قد يشجع إيران على مزيد من الصمود انطلاقاً من ضيق الوقت الزمني للأميركيين للسير في الصفقة، ورهان متجدد على ضيق هامش الضغوط التي يمكن أن يمارسها المرشح ترمب، أثناء حملته الإنتخابية، سواء لتسريع تشكيل حكومة جديدة في إسرائيل او حتى لزيادة الضغط على طهران.

ثانياً: اعلان البيت الابيض منذ يومين عن لقاء امني ثلاثي (اميركي – روسي – إسرائيلي) حول إيران ووجودها في سوريا، قد لا يكون الأول في مضمونه انما الأول في شكله، اذ إن انخراط الروس علناً في مثل هذه الاجتماعات الثلاثية مع الثنائي الأكثر عداء  لطهران، لا يمكن أن يخلو من رسائل روسية محددة للنظام الإيراني خصوصاً وان اللقاء سيتم في تل ابيب، وقد تكون أبرز رسالة روسية لطهران، أن الشراكة في الملف السوري لا تعني تحالفاً شاملاً على سائر قضايا المنطقة ولا سيما إسرائيل، الأمر الذي سيتلقفه الإيرانيون بقراءتهم المعمقة، منذ “أستانة الأولى” والى يومنا هذا.

كما أن انعقاد مثل هذا اللقاء الثلاثي، رسالة الى تركيا التي يعاني رئيسها رجب طيب اردوغان حالياً من ازمتين. سياسية نتيجة نتائج الانتخابات البلدية المخيبة له والتي تحققت والتي حاول تطويقها بإعادة الإنتخابات لا سيما في اسطنبول التي انطلق سياسيا منهاً، وأخرى إقتصادية بدليل الإنكماش الإقتصادي الذي سجل نسبة 4% في العام الماضي ودخل للمرة الأولى منذ عشر سنوات، حالة الركود، مع تدني سعر صرف الليرة التركية الى مستوى قياسي غير مسبوق، واستمرار معدل التضخم تصاعدياً، وارتفاع نسبة البطالة خلال الربع الأول من العام الحالي الى 14,7 % بزيادة قدرها 3.9% على أساس سنوي.

يضاف الى كل هذا المشهد المرتبك والمتدهور، ازدياد التوترات مع واشنطن والحلفاء الغربيين الى حد التلويح بطرح مصير تركيا في الناتو، نتيجة انفتاح اردوغان عل الروس وصفقة صواريخ “اس 400″، وسواها من ملفات ساخنة تصادمية بين انقرة وحلفائها الغربيين، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.

فاللقاء الأمني الثلاثي المتوقع في شهر حزيران، وإن كان يخدم إسرائيل بشكل مباشر، الا انه في الوقت عينه يخدم موسكو التي كرّست رقماً أساسياً في المنطقة، وبات الرئيس بوتين لا يستطيع تفويت فرصة اقتطاف ثمارها مع واشنطن وتل ابيب.

وبالتالي، فإن هذا اللقاء سيأتي في إطار تنسيقي لخرائط جديدة في المنطقة لا سيما خرائط الجزئين الشمالي والشرقي من الشرق الأوسط، ويضمان سوريا وايران وتركيا، لتُفعَّل مع حلول ساعة إطلاق صفقة القرن مهما تأجلت. وقد يأتي التأخير بخطوات أمنية منسقة، تبقي الخرائط العسكرية والإستخباراتية والأمنية موزعة بين الدول الثلاثة “للامساك” أكثر بالأرض، كل من طرفه، تمهيداً لأجواء الصفقة.

قد ينتج من التنسيق الأمني الثلاثي الرفيع المستوى، إنهاء الروس السيطرة على ريف ادلب وحماة لتعزيز ما تريده موسكو من سوريا وإقامة دولة متناسقة السكان لأكثرية طائفية ومذهبية موالية لروسيا، مقابل مباركة خطوات اطلاق وإنجاز صفقة القرن للفلسطينيين، عندما يحين وقت اطلاق المشروع ومباركة الروس للقمة الإقتصادية لفلسطين وهي بوادر قوية في الإعداد للصفقة.

ثالثاً: تحاول إيران الالتفاف على الحصار الأميركي لها بعرض معاهدات أمن وسلام مع حلفاء واشنطن الإقليميين وفي طليعتهم المملكة العربية السعودية ودولة الامارات والكويت والبحرين وسواهم، لمحاولة انتزاع أحد أهم أسباب الحصار المعلنة وهي منع تهديد أمن وسلامة حلفاء واشنطن في الخليج، ووقف دعم التدخل في شؤونهم.

لكن طهران تنسى او تتناسى انه لا يكفي توقيع مثل هذه المعاهدات التي لا تلزم الا المؤسسات الإيرانية النظامية من سياسية وعسكرية وأمنية، فيما لا تأثير لهذه المعاهدات إن وقعت، على الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس، وهم الأساس في تصدير الثورة ودعم المنظمات والميلشيات في العالم العربي والخليج، ودعم عملياتهم ضد الدول الخليجية والعربية، ما يفرغ المبادرة الإيرانية للوزير محمد جواد ظريف من أي مضمون وفعالية، تماماً كإفراغ الإتفاق النووي من مضمونه بمجرد انسحاب واشنطن منه، رغم بقاء الأوروبيين في تأمين الرافعة المطلوبة للإتفاق.

رابعاً: إن “الهجمة ” الأميركية المركزة على ملف ترسيم الحدود البرية والبحرية بين لبنان واسرائيل والتطورات الايجابية التي سجلت الى الان ولو بحذر، تحمل في طياتها امرين اساسيين:

الاول:  رغبة أميركية باقفال ملف التوتر اللبناني – الإسرائيلي الأكثر تفجراً والذي يشكل ذريعة لإيران وحزب الله لتصعيد الوضع في أي وقت، اذا اضطرت طهران لاستخدام اوراقها الاقليمية في مواجهتها الكبرى . والملاحظ أن حزب الله الذي أعطى موافقته على السير بالتفاوض الذي يقوده ساترفيلد، اشترط الإبقاء على مزارع شبعا خارج الترسيم، كي يحافظ على مبرر بقائه العسكري – الاستراتيجي في هذه المرحلة الإقليمية الحرجة، كذلك للمحافظة على إحدى اوراق الضغط الإيرانية.

الثاني: اسرائيل مهتمة باقفال ملف النزاع الحدودي مع لبنان وخصوصاً الملف البحري، تكريساً لواقع الهدوء المطلوب في الفترة المقبلة على جبهتها الشمالية، مع ما يحمله التفاوض والإتفاق، من اعتراف بها.

ويبقى السؤال، “هل تأخير إطلاق صفقة القرن نتيجة تعقد الوضع السياسي في اسرائيل، سيلقي على ملفات المنطقة سحابة من التراجع في الحرارة والتنشيط، ام ان المرحلة الحالية في الوقت الضائع ستُستغل للمزيد من الإنجازات، إعداداً للأرضية المطلوبة للصفقة الكبرى؟”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل