هل يكون صفير آخِر البطاركة العظام؟

كتب سركيس نعوم في “المسيرة” – العدد 1695

 

في السنة التي سبقت تقديم الكاردينال – البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير استقالته لبابا الكاثوليك في العالم بينيديكتوس السادس عشر، استقبل في بكركي شخصية وطنية مرموقة لكن غير سياسية بالمعنى الاحترافي للكلمة كان لعائلتها دور مهم بل أساسي في استقلال لبنان. دار الحديث بينهما حول الأوضاع في البلاد التي لم تكن تُسِرُّ على الاطلاق. فجأة سأل البطريرك ضيفه عن اسم شخص معروف في الحياة السياسية اللبنانية. خانت الضيف ذاكرته بعد خمس دقائق في محاولة التذكر وأظهر استسلامه أمامه. فما كان من سيد بكركي إلا أن ابتسم وقال معلِّقاً: «إذاً لست أنا الوحيد الذي ينسى». وفهمت الشخصية المرموقة التي كانت صديقة لبكركي وسيدها صفير مغزى سؤاله والهدف الذي سعى الى تحقيقه. فهو كان بدأ يتعرض قبل مدة من أخصام مواقفه الوطنية اللبنانية والوطنية المسيحية ومن أخصام سياسته المحلية ومن معارضي الدور الكبير الذي قام به، والذي تجلَّى أولاً بإصراره على رفض الطريقة التي أدارات بها سوريا  الراحل حافظ الأسد لبنان منذ كلفتها اللجنة الثلاثية العربية إنهاء الحروب فيه ورعاية انتقاله منها الى سلم فاستقرار ثابت ودائم ومساعدته على بناء دولته بكل مؤسساتها انطلاقاً من «إتفاق الطائف» الذي وضعه النواب اللبنانيون بمعاونة عربية معظمها سعودي والذي تمتعت سوريا بحق الاعتراض على بنود فيه وتغييرها او تعديلها، فهو كان بدأ يتعرض من كل هؤلاء الى مطالبة بالتنحي عن الكرسي البطريركي بداعي الاعتلال المتدرج في صحته وتحديدا في ذاكرته، وقد راح هؤلاء الاخصام ، كي لا نقول الأعداء رغم أنهم يستحقون هذا الوصف، بعيدا في محاولة التخلص منه. فتحدثوا الى السفير البابوي في لبنان وطلبوا منه إبلاغ ذلك الى الكرسي الرسولي بمسؤوليه الكبار وتحذيره من الآثار السلبية لاستمراره في موقعه على لبنان وتحديدا على مسيحييه. ولم يكتفوا بذلك بل وجهوا رسائل خطية مباشرة الى الفاتيكان. كما أن الذين منهم كانوا على اتصال مباشر بعدد من العاملين الكبار فيه او قادرين على الوصول الى هؤلاء أبلغوا قداسة البابا بذلك كله مضاعفين طبعا نسيانه الطبيعي في عمره بوصفه «خرفاً» كما كان يُسمى في قُرانا، أي «الزهايمر» بحسب المصطلحات الطبية الحديثة.

 

ماذا فعل الكاردينال – البطريرك حيال ذلك؟

راجع مسيرته الدينية ومسيرته الوطنية فلم يجد فيها «ارتكابا» قام به ألحق أذى بالكنيسة المارونية والكنائس الكاثوليكية عموما بل الكنائس الأرثوذكسية أيضا. ربما تذكر أنه لم يعطِ فرصة التجديد التي كان يحتاج اليها رجال دين كبار بإيمانهم وبثقافتهم الدينية وغير الدينية، وبمعرفتهم المتنوعة وبإدراكهم أن لبنان الذي هم شعبه في حرب ضروس أهلية وغير أهلية انعكست سلباً على وحدته وبدأت تشكل خطراً متصاعداً على مسيحييه كلهم وفي الوقت نفسه على كيانه التاريخي ودولته الحرة المستقلة والديموقراطية. لكنه في الميزان ربما اعتبر انه قام بواجبه الوطني والمسيحي. إذ ابتعد عن تبني العنف وسيلة لتحقيق الأغراض والطموحات، وهو يختلف طبعاً عن عنف الدفاع عن النفس وخصوصاً إذا  تحلى ممارسوه بالاخلاق والإيمان والقيم. وكثيرون منهم لم يكونوا كذلك وعند الفئات المتقاتلة جميعها. وتمسك باستقلال لبنان ودولته الحرة والديموقراطية وتنوع شعبه وعيشه المشترك. ورفض ممارسات سوريا الوصائية في لبنان وإدارتها لمؤسساته العامة كلها الدستورية وغير الدستورية والمدنية والعسكرية وتحويلها إياه محافظة يديرها والٍ مقيم في عنجر ويحكمها عملياً رئيس لجمهورية سوريا مقيم في دمشق، وطالب بتغييرها وبتنفيذ اتفاق الطائف الذي نص على إعادة انتشار للقوات السورية المنتشرة على أرض لبنان بعد سنتين من تطبيق إتفاق الطائف. لكنه لم يطالب بإنسحابها إلا بعد ما انسحبت إسرائيل من الأراضي التي احتلتها فيه منذ عام 1978 وبعد غزوها الواسع للبنان عام 1982 معتبراً أن الحاجة إليها التغت وأن على اللبنانيين أن يديروا شؤونهم بأنفسهم. وعندما وجد أن الاستجابة السورية لموقفه، هذا صعبة رعى تأسيس لقاء «قرنة شهوان» الذي قام بدوره برعايته باشراف المطران يوسف بشاره، والذي أدى طبعاً مهمته، وانتهى بعد انسحاب سوريا عسكرياً منه وليس مخابراتياً وتنفيذاً للقرار الدولي 1559 في نيسان 2005. لكن ذلك لا يعني انه كان منزها عن الأخطاء وعن الاغراض. إذ يبدو أن هذه حقيقة تشمل اللبنانيين جميعاً.

 

راجع البطريرك صفير مسيرته الصحية بعد ذلك فوجد أن الله أعطاه عمراً مديداً وأمده بصحة جدية في صورة عامة، لكنه شعر بأنه يسير ببطء نحو شيخوخة قد تكون صعبة صحياً و»ذاكرةً»، وأن أخصامه أو أعداءه سيستغلون ذلك لتشويه صورته الناصعة والنقية وربما للقضاء على إنجازاته، ولا سيما بعدما لم يوفروا وسيلة لإقناع بابا الفاتيكان أنه لم يعد صالحاً للإستمرار في مهمته. فاتخذ قرار الاستقالة بعد فحص ضمير عميق ووضع كتابا بها أرسله الى السفير البابوي في لبنان في إحدى الليالي. طبعا فوجئ الأخير واتصل بسفير لبنان لدى الكرسي الرسولي جورج صفير الذي كان في زيارة لبيروت وطلب منه إيصاله في سرعة الى المسؤولين المعنيين هناك. فاجأ الكتاب هؤلاء وفاجأ أكثر البابا بينيديكتوس الذي قرر قبوله. وضاعف ذلك من الاحترام الكبير أساسا الذي كان له في الدوائر الفاتيكانية وعلى كل المستويات.

أكتب عن البطريرك صفير الذي أنا محب له ومقدّر لجهوده ونشاطه من دون أن تكون لي به معرفة شخصية عميقة. كنت أزوره قليلاً. لكنه أشعرني دائماً بالثقة بي وبمتابعته مقالاتي اليومية في «النهار». وكان يناقشني في أكثر القضايا والمواقف دقة وتعقيداً وصعوبة لبنانية كانت أو عربية أو إقليمية أو دولية. وكنت بدوري لا أخفي عنه ما يجب أن يعرفه من الذي لا أكتبه وأنشره. اكتب عنه لأنني تابعت نشاطه كصحافي وكاتب تحليل معلوماتي يومي، ولأنني كنت شاهداً مرة على وعارفاً مرة اخرى ببعض المحاولات التي كانت جارية في حينه أي قبل الاغتيالات والانسحاب لاقناعه بزيارة سوريا والالتقاء برئيسها حافظ الأسد. وأرى من الضرورة الكتابة عنهما الآن لتأكيد ثباته على موقفه النابع لا من العناد وإنما من الحرص على مصلحة لبنان ومسيحييه، ومن الرغبة في التوصل الى نتائج ملموسة، ومن الخشية من أن تستعمل زيارته للـ»بروباغندا» والاستغلال من «تجار الهيكل» المسيحيين قبل المسلمين.

 

في يوم صيف حار اتصل مستشار له هو صديق لي من زمان طالباً حضوري الى بكركي للقاء البطريرك صفير ومحاولة اقناعه بضرورة زيارة سوريا. وصلت وسلمت وبدأت الحديث قائلاً» سيدُّنا أنا أدرك مخاوفك وأشاركك إياها وأنت تعرف أن سوريا في لبنان اليوم، وأن أحداً في الداخل ليس قادراً على إخراجها منه، وأن احداً من الخارج ليس راغباً في ذلك. أنا لا أطلب منك زيارتها بل أقترح، إذا كان هناك بين الموارنة من تصطفيه وتثق بنزاهته ورجاحة عقله وبعده عن الطموح السياسي، أن ترسله الى دمشق منفردا أو مع وفد أعضاؤه مشابهون له في الصفات وأن يبدأوا حواراً جدياً ربما يستغرق شهوراً. وأقترحُ ان تطّلع من الوفد على الحصيلة بعد كل جلسة، فإذا وجدت أن هناك أملاً في اقناع الرئيس حافظ الاسد بتعديل الممارسات السياسية والأمنية وبالكف عن التدخل في أوضاعنا الداخلية تزورها وتحصل في نهايتها على ما يسر اللبنانيين والمسيحيين، وإذا لم تقتنع بذلك تبقى على رفضك زيارة قد تتحول «درع تثبيت» للإدارة السورية للبنان او للوصاية عليه. تناقشنا وطبعا لم أكن أتوقع جواباً منه. لكن ما لم أتوقعه أن يبادر المستشار الصديق الى رفض الزيارة والى اعتباري مرِّوجاً لها أمامه وهو الذي أراد من ورائها إقناعه بالقيام بها.

 

وفي يوم آخر لم أعد أدري تاريخه لكنه قطعاً قبل العام 2005 وبكثير رتَّب المستشار «الصديق» نفسه زيارة صديق لي لبكركي وهو سوري الجنسية مسلم الدين وعلوي المذهب. كان من رفاق الأسد منذ الصغر، وبقيا معاً وعملا سويا لحين استقالته عام 1972 ومغادرته الى أوروبا وبقائه على علاقة متينة وتواصل شبه مستمر مع الأسد. وكان الهدف أيضا زيارة سوريا.

 

تحدث صديقي السوري بود ومحبة ولم يبخل وهو العارف بسوريا شعباً وحكماً وأجهزة وشخصيات ورئيساً على «سيدّنا» صفير بأي معلومة. وفي النهاية اقترح عليه ما يجب ان يقوم به إذا قرر زيارة سوريا وخصوصا في نهايتها التي لا بد أن يستقبله فيها الأسد وأبرزه إدلاؤه بتصريح من على باب القصر الرئاسي وربما في حضور الرئيس يتضمن ما اتفق عليه مع الأسد وما أثاره معه إذ بذلك لا يعود في إمكان أحد التراجع. لكن المستشار كرّر تصرفه المعترض وبلهجة مسرحية وبصوت عال بعض الشيء. فانزعج الصديق السوري وقال له أمام البطريرك: إذا قابلته مرة ثانية فلن تكون انت حاضراً أبداً. شعر صفير أن هذا السوري صادق ولا غرض له ولا دور في الماكينة السورية العاملة في لبنان فأراد لقاءه مرة ثانية. وعند الحاح المستشار زاراه معاً في بكركي. وفي اثناء الحديث فهم «الصديق» ان هناك تحريضا للبطريرك من بعض مسيحيي النظام السوري في لبنان على عدم زيارة سوريا. لكنه خرج من الاجتماع وهو أكثر احتراما لصفير وأكثر محبّة له. وعندما التقيته لاحقاً أي بعد اسابيع في بيروت التي كان يزورها بين حين وآخر أو في باريس قال: البطريرك صفير دهري، هو «قِرمة سنديانة لبنانية قديمة جداً» وهذا مدحٌ طبعاً وليس ذمّاً. (تحدث البطريرك عن هذين الاجتماعين في مذكراته التي كتبها الزميل انطوان سعد في صفحة ونصف). في النهاية، أشير الى أنني كتبت «موقفا هذا النهار» وهو مقالتي اليومية حيث أعمل (في «النهار») ووضعت له العنوان الآتي: «هل يكون البطريرك صفير آخر البطاركة العظام؟» وأعتقد الآن ومن دون أن يكون موقفي من كنيستي المارونية وبطريركها سلبياً، أنه آخر البطاركة العظام علما أنني لا أتمنى ذلك حرصاً على لبنان ومسيحييه وكنائسهم وفي مقدمها المارونية.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل