عبور صعب بين “الاشتباكات” و”الخطوط الحمر”

خطت موازنة 2019 أولى خطواتها في مجلس النواب، أمس الاثنين، مع اجتماع لجنة المال والموازنة النيابية وإقرارها قانون تمديد الصرف على القاعدة الاثني عشرية حتى منتصف تموز المقبل. لكن الخلافات والسجالات المستعرة بين أطراف التسوية والحكومة الأساسيين، تشير إلى أن “الأميال اللاحقة” في “رحلة العبور” من ساحة النجمة، ستكون صعبة.

السجال الناري من “العيار الثقيل” بين التيار الوطني الحر وتيار المستقبل، على خلفية كلام الوزير جبران باسيل حول السنية السياسية، إضافة إلى الحكم الصادر عن المحكمة العسكرية في قضية (الحاج ـ غبش ـ عيتاني)، والذي اعتبرت مصادر رئيس الحكومة سعد الحريري أنه “حكم كيديّ مسيّس… وسياسة ورقة التين لم تعُد تنفع”، ترك ندوباً على العلاقة بين الطرفين لا يمكن إغفالها. كما أن “ربط النزاع” (الرئاسي والحكومي والسياسي) القائم، اهتز بعنف، ويخشى أن يتوسع في الأيام المقبلة.

ويسجَّل أن “الاشتباكات” التي بدأها باسيل والردود عليه أصابت المؤسسات السياسية والأمنية والقضائية والإدارية المختلفة. علما أن باسيل لا يوفّر مختلف الأطراف السياسيين، لكن هجوماته الأخيرة مسّت قضايا أساسية وجوهرية، من وجهة نظر البعض، مثل مصالحة الجبل واتفاق الطائف، ما استوجب ردوداً، إضافة إلى “المستقبل”، من “القوات اللبنانية” و”الحزب التقدمي الاشتراكي” وسياسيين آخرين، لوضع الأمور في نصابها. من دون نسيان علاقة باسيل “الملتبسة” (ضمناً) مع حزب الله، بحسب بعض المراقبين، والاشتباك السابق بين “الحزب” و”الاشتراكي”. مع الإشارة إلى أن باسيل أعلن أنه تم اجتزاء مواقفه، مؤكداً تمسكه بالتسويات والتفاهمات القائمة.

فكيف ستسلك الموازنة طريقها في مجلس النواب وسط كل هذه الأجواء المشتعلة، بسلاسة؟ مع العلم أن غالبية القوى السياسية المؤثرة في الحكومة والبرلمان، أعلنت تباعاً عن نيتها مناقشة بنودها، بشكل “متشدد”، من حزب الله إلى “القوات” فـ”الاشتراكي”، والنواب المستقلين، على الرغم من إمرار الموازنة في الحكومة كما بات معروفا بنسبة عجز بلغت (7.59%)، مع تحفظ البعض.

هذه المواجهة المتوقعة في البرلمان تبدو ضرورية، من وجهة نظر المراقبين، “لتصحيح بعض مسارات الموازنة، خصوصاً أن الدول المانحة ومؤسسات التصنيف الدولية لا تخفي تشكيكها بقدرة لبنان على الوفاء بالتزاماته التي تعهد بها في مؤتمر “سيدر” حول إجراء إصلاحات بنيوية، مثل المكافحة الفعلية للهدر والفساد، وتعيين الهيئات الناظمة في الاتصالات والكهرباء والطيران المدني ونواب حاكمية مصرف لبنان الأربعة وغيرها، ومدى دقة نسبة العجز المتوقعة والالتزام بها. فالأموال مشروطة بتحقيق سلة المطالب والتعهدات وليست (كرماً على درب)”، بحسب تعبير هؤلاء.

عون: شد الحبال على خلفية الأمن والقضاء وراء التشنج

عضو تكتل “لبنان القوي” النائب ماريو عون، يرى، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “السجالات التي نشهدها لا تخرج عن طبيعة السياسة وتعاطي الشأن السياسي في لبنان. فنحن نشهد تباعاً أياماً بيضاء، وأخرى فيها شد حبال وصدامات سياسية”. ويشدد على “ضرورة فصل موضوع الموازنة عمّا عداها، بعدما أخذت الكثير من التمحيص والدرس على مدى عشرين جلسة في مجلس الوزراء، على أمل أن يقرّها مجلس النواب قريباً”.

وإذ يؤكد أن “مجلس النواب سيد نفسه، وسيناقش طبعا الموازنة”، لكنه يعرب عن اعتقاده أن “الاشتباك السياسي الحاصل لن يؤثر على مجرى النقاش، وهو اشتباك مرحلي ولن يصل إلى إعادة رسم البانوراما السياسية في الداخل، وستعود الأمور إلى مجراها الطبيعي في وقت قريب كما نأمل”.

واللافت، إشارة عون إلى أن “للموضوع صلة بشد الحبال القائم على خلفية أمور تتعلق ببعض الأجهزة الأمنية، وما جرى في ملف قضائي معين شهدناه أخيراً. هذان الملفان أكثر ما أزَّما الأمور ورفعا السقوف بالنسبة إلى الردود المتبادلة بين المستقبل وفريقنا”. ويشدد على أننا “لن نساير في أي ملف. نحن في عملية إصلاحية كبرى، تبدأ اليوم في الموازنة وستنتقل إلى ملفات عدة، وطموحنا كبير في الوصول إلى تعيين الأكفاء وأصحاب السمعة النظيفة، سواء من فريقنا السياسي أو من أي فريق سياسي آخر، لأن البلد يعنينا جميعا”.

ويضيف: “نحن مصرون على مواقفنا بتحقيق عملية إصلاحية في البلد، وعلى الفريق الآخر أن يتفهم ما يعنيه الوزير باسيل حول هذه المواضيع. ونحن على ثقة أننا سنتوصل بالنتيجة إلى تفاهم على هذه المواضيع في المرحلة المقبلة”. ويلفت إلى أن “ملف التعيينات المقبلون عليه، قد يكون ما يجعل السقوف تعلو قليلا، لكن لن تذهب الأمور إلى إعادة طرح العملية السياسية بمجملها على بساط البحث، لتطاول الموازنة”، مشددا على أننا “محكومون بأن يكون لدينا موازنة تقشفية، تحت طائلة سقوط البلد على رؤوس الجميع”.

الحجار: لن نسكت بعد اليوم

في المقابل، يحدّد عضو “كتلة المستقبل” النائب محمد الحجار المسؤوليات حول الاشتباك الحاصل، ويقول لموقع “القوات”، إن “ما حصل كان نتيجة مواقف أطلقها التيار الوطني الحر ومن حوله”، مؤكدا “اتخذنا قراراً أننا لن نسكت بعد اليوم على أي أمر يتناول قياداتنا أو تيار المستقبل أو الرئيس سعد الحريري”.

ويضيف، “سكتنا في المرحلة السابقة وامتنعنا عن الرد، على أمل ألا تستمر الأمور على ما هي عليه. لكن حين نرى أن هناك استهدافاً دائماً للمواقع حيث يوجد أشخاص يُحسبون في خانة تيار المستقبل أو قريبون من أجوائه، ويتم استهدافهم فقط لأنهم في هذا الجوّ السياسي، فهذا أمر غير مقبول، ولن نقبل باستمراره”.

ولا يوافق الحجار على “وجود علاقة بين ما يحصل وملف التعيينات”. ويعتبر أن “هذا الكلام يقع في باب تغطية السماوات بالقبوات، ولا علاقة بين المسائل”، مستبعداً أن “يكون له انعكاسات على الموازنة”.

ويؤكد أننا “لن نقبل أن تبقى هذه المواقف المتجنيّة المفترية على تيار المستقبل، من دون رد. فإذا لم تعد هذه التسوية تخدم الهدف الذي أقيمت من أجله، في تأمين الاستقرار وانتظام عمل المؤسسات والنهوض الاقتصادي، ما الجدوى من استمرارها، وما هو مبرِّر البقاء فيها؟”.

مصادر مقربة من حزب الله: لن نقبل بتجاوز الخط الأحمر

من جهتها، تؤكد مصادر مقربة من حزب الله لموقع “القوات”، أن “الحزب لن يقبل خلال مناقشة الموازنة في مجلس النواب بتجاوز الخط الأحمر، أي الاقتراب من الطبقتين الوسطى والفقيرة”. وتشير إلى أن “هناك مصادر كثيرة وأبوابا كبيرة لم يتم العمل عليها أو الاقتراب منها، ويمكن أن تغطي الموازنة بالشكل المطلوب”، مع إشارتها إلى أنه “لا يمكن القول إن ما تم في مجلس الوزراء غير جيد، بل فيه الكثير من الانجازات قياساً إلى ما قبل موازنة 2019”.

وتعتبر المصادر ذاتها، أن “الموازنة حققت إنجازات مهمة، غير أن في بعضها كان هناك اقتراب من الفقراء مباشرة، مثل ضريبة 2% على الاستيراد التي تشبه ضريبة الـTVA في مكان ما. وحاول وزراء الحزب، مع فرقاء آخرين في الحكومة، أن تطاول هذه الضريبة الكماليات وليس الضروريات، ونجحوا بالنسبة إلى بعض السلع”.

وتشدد المصادر المقربة من حزب الله على أن “الحزب يرى أن المهم، ليس القيام بلعبة على مستوى الأرقام لتحقيق رقم التقشف المطلوب. فأحيانا، يجب أن يتم الصرف في مواقع معينة ويزاد، على الرغم من سياسة التقشف”. وتوضح أن “الصرف على الكماليات يجب خفضه إلى أدنى المستويات، وهذا صحيح، لكن لا نضرب الحركة الاقتصادية التي تضخ الأموال في الأسواق وتمكّن البلد من النهوض والوقوف على رجليه، ولا نضرب القوة الشرائية لدى المواطنين ونوقف الحركة التجارية. وإلا، ما نفع التقشف؟ الذي يصبح عندها بمثابة قصاص للشعب”.

وتكشف عن أن “هذه النظرة يلتقي فيها حزب الله مع فرقاء كثيرين في الحكومة. فالموضوع هو في موازنة ذكية، تركز على ما يسمح بإطلاق العجلة الاقتصادية أكثر، وتخفيف المصاريف غير الضرورية”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل