كان حبراً قائداً ومقاوماً ومؤسساً

كتب أنطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1695

عندما نقول إن البطريرك مار نصرالله بطرس صفير من سلالة البطاركة الكبار، فلأنه يشبههم مضمونا وحتى شكلا، وربما تفوّق على بعضهم في بعض جوانب شخصيته الفذه ومواقفه.

في الشكل، ولا نعني اللحية فحسب كما يعتقد البعض، نعني أيضا الملبس والمأكل، فهو حرص دائما على ارتداء الثوب الحبري على اختلاف أنواعه والبسيط جدا منه، فلم يتخلّ عنه في أي ظرف ولو خلا أحيانا من أي علامات فارقة، بما في ذلك الجبة البيضاء التي كان يرتديها صيفا ويحلو له المشي بها إما في الأحراج المحيطة بصرح بكركي أو في وادي قنوبين وجوار صرح الديمان.

وفي المأكل كان أقرب إلى التقشف، فكان يقلُّ من الطعام ويبتعد من الأصناف الدسمة، ويكتفي بمائدة بسيطة يشاركه فيها الضيوف أحيانا.

أما في المضمون فكان مثالاً للكاهن الورع الذي يواظب على الصلاة لا سيما في خلواته، فهو كان يحب الصمت والهدوء، لكنه لا يقفل باب الصرح أمام كل من يقصده، وقد يكون من أفصح البطاركة الذين مروا في تاريخ البطريركية لتمكنه بل إتقانه اللغة العربية، وعرف كيف يجمع في كتاباته وأقواله بين قوة السبك شكلا وعمق التعبير مضموناً.

وعندما نقول سليل البطاركة الكبار نعني في مقدمهم البطريرك الأول يوحنا مارون، أول بطريرك إنطاكي ماروني وقد احتل المرتبة الثالثة والستين بعد القديس بطرس مؤسس كرسي إنطاكيا، علما أن كنائس أخرى تفرعت من الكرسي الإنطاكي وحافظت على هذه الصفة.

 

والبطريرك الأول الذي ولد حوالى العام 628 وانتخب في العام 685 وتوفي في العام 707 هو من رهبان دير مار مارون على العاصي، ودفعه الاضطهاد إلى الانتقال مع تلاميذه وجمهور من الرهبان إلى عمق جبل لبنان وتحديدا إلى كفرحي حيث الدير القائم على اسمه. وقد تميّز كما البطريرك صفير بجرأة كبيرة فكان حبرًا قائدًا ومقاومًا ومجاهدًا وبانيًا ومؤسساً.

بالطبع تمسك البطاركة على اختلافهم بالخط المقاوم في وجه التحديات الكبيرة التي عاشها شعبهم في لبنان. ولا بد من التوقف عند البطريرك جبرائيل الثاني الذي عرف بالبطريرك حجولا نسبة إلى مسقط رأسه في وسط بلاد جبيل، والذي امتدت حبريته من العام 1357 إلى العام 1367 تاريخ استشهاده حرقاً على يد المماليك خارج طرابلس، بعدما سلم نفسه فداء عن قادة المقاومة الذين اعتقلهم المماليك وهددوا بقتلهم.

ولم يخرج البطريرك صفير عن هذه الروح المقاومة، فقاد وحده عمليا المواجهة مع الوصاية ولم يتراجع عن مواقفه المبدئية متصدياً للتهويل ومحاولات الإبتزاز والإغتيال، كما أنه لم يحد عن قناعاته على الرغم من تعرضه للاعتداء الجسدي السافر والمهين في قلب الصرح البطريركي على أيدي بعض من أبنائه الضالين.

أما البطريرك دانيال الحدشيتي، فقاد مقاومة شرسة في وجه المماليك وسلطانهم قلاوون  الذين شنوا حملة عنيفة على إهدن ومن ثم على حدث الجبة ومغارتها، وانتهت المواجهة بتمكن العسكر التركماني من القبض على البطريرك فاحتفلوا بذلك احتفالا عظيما وقتلوه ليدفن شهيداً في دير سيدة إيليج.

 

ولا شك أن مار نصرالله بطرس صفير تشرّب تاريخ البطريركية المارونية وارتباطها الجذري بالرعية حتى التماهي، وهو الذي تحدث دائما عن هذا الارتباط من دون تمييز بين راع ورعية قائلا: «ونحن الذين لجأنا إلى المغاور والكهوف، في عهد الظلم والظلام طوال مئات السنين، ليسلم لنا الإيمان بالله وعبادته على طريقتنا في هذه الجبال وعلى هذه الشواطئ، ولتبقى لنا الحرية التي إذا عُدِمناها عُدمنا الحياة».

أما البطريرك أسطفانوس الدويهي الكبير فيمثل رمزًا تاريخيًا لما تميّز به من صفات ومواهب علمية وفضائل روحية وغيرة على الأمة المارونية  حتى سُمِّي فخر الطائفة، كما سمّى البطريرك مار بشارة بطرس الراعي البطريرك صفير أيقونة الكنيسة المارونية.

فالواقع أن صفير الذي ترك سلسلة مؤلفات وترجمات قيّمة وكان من بين أغزر البطاركة كتابة، يشبه الدويهي في حبه للكتابة وإن ركز البطريرك صفير على المواعظ والتأملات فيما انصرف الدويهي إلى التأريخ وحفظ تراث الكنيسة والموارنة.

وليس أدل على الروح المقاومة للبطاركة والتي تأثر بها كثيرًا البطريرك صفير وكان يحرص على استذكارها في مناسبات شتى، إلا المخابئ التي تعرف بمخابئ البطاركة والموجود أحدها حتى الآن في دير سيدة إيليج في ميفوق- القطارة، وآخر في دير مار إليشاع القديم في بشري في سفح وادي قنوبين حيث لجأ إليه البطريرك يعقوب الرابع عواد في العام 1726 هربا من الاضطهاد.

 

إن سلسلة البطاركة المقاومين لا تنحصر بالأسماء السالفة الذكر، إذ يمكن إضافة إسمي البطريركين يوحنا الجاجي في القرن الخامس عشر وموسى العكاري في القرن السادس عشر، فضلا عن الدور الذي لعبه البطريركان يوحنا الإهدني وجرجس عميرة في تثبيت حكم المعنيين وتعزيز أركانه عبر العلاقات مع أوروبا وحتى مع الباب العالي.

ولا يخفى هنا الدور الذي لعبه البطريرك صفير على مستوى العلاقات الدولية دفاعا عن لبنان وقضاياه، حيث التقى كبار القادة من معاصريه وحظي باحترام كبير تجلى بخاصة في التمثيل الدولي والعربي في مراسم جنازته وفي المواقف التي تناولت غيابه.

وقد يكون البطريرك يوسف التيان أحد أقرب الأسلاف إلى قلب البطريرك صفير، لأنه كان زاهداً متقشفاً ورفض سياسة الأمير بشير الثاني الكبير لا سيما لناحية فرض الضرائب على كاهل الفقراء والفلاحين، ما دفعه إلى الاستقالة نتيجة الخلاف المستحكم واستمر حتى مماته ناسكا ليدفن في دير سيدة قنوبين برائحة القداسة.

وبقدر ما كان البطريرك الياس الحويك صاحب الكلمة الفصل في نشوء دولة لبنان الكبير،  بما خصه به الله من مهابة وصلابة وقوة شكيمة، بقدر ما اعتُبر البطريرك نصرالله صفير صاحب الفضل الأول في إطلاق مسيرة الاستقلال الثاني لا سيما عبر نداء بكركي في أيلول 2000. ويمكن القول إن البطريرك صفير تلاقى في التأكيد على ميثاقية لبنان مع البطريرك الياس الحويك بطريرك الإستقلال الأول والبطريرك أنطون عريضة، والذي عرف كيف يستقطب محبة المسلمين بوقوفه في وجه الانتداب الفرنسي وكيف يحافظ على استقلال لبنان في وجه بعض النوازع لضمه إلى سوريا أو لإعادة تحجيمه.

 

لقد آمن نصرالله صفير بلبنان كما هو، مراهنا على جمع اللبنانيين حول مجموعة  قيم مشتركة يغلّبون فيها الاعتبارات الوطنية على ما عداها، ولذلك فإن إرثه سيتبلور أكثر فأكثر في ضمير اللبنانيين من مختلف المشارب، لأنه لم يتكلم مرة بمنطق طائفي او مذهبي بل بمنطق الحرص على حرية لبنان وسيادته وتنوعه، ويبدو أن البطريرك الراعي أدرك بعمق مكانة سلفه فكرّمه بما يستحق وعبّر في وداعه بأفضل صورة عن شعور وتقدير شرائح واسعة من أبناء الكنيسة واللبنانيين حيال ما تركه البطريرك صفير للوطن والرعية والتاريخ.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل