«النداء ـ الإنتفاضة»

كتبت لوسي خوري في “المسيرة” – العدد 1695

صُنِّف الكاردينال البطريرك مار نصرالله بطرس صفير من سلالة البطاركة التاريخيين والإستثنائيين الذين لعبوا دورًا وتركوا أثرًا وصنعوا أحداثاً واتخذوا قرارات. في عهده كان لبنان حاضرًا بقوة في حاضرة الفاتيكان، من إعلان قداسة أكثر من راهب ماروني، الى السينودس الخاص للبنان، الى سينودس الشرق الأوسط الذي كان صفير يتقدم بطاركة الشرق فيه. وفي الفترة التي أمضاها في بكركي، وتُعتبر الأدق والأخطر في تاريخ لبنان الحديث، كان الكاردينال صفير من المساهمين في التأثير على مسارها في محطات مفصلية عدة كان أبرزها: إتفاق الطائف الذي يعود للبطريرك صفير دور أساسي في ولادته وتغطيته مسيحيًا، والمصالحة المارونية ـ الدرزية في الجبل التي كرّسها بزيارته التاريخية والتي أسست لاستعادة قلب لبنان النابض بعضًا من حيويته، وإنتفاضة 14 آذار أو ثورة الأرز التي أطلق البطريرك صفير شرارتها في العام 2000 في النداء الأول لمجلس المطارنة الموارنة.

 

إتخذ البطريرك صفير مواقف تاريخية في ظروف أقل ما يمكن أن توصف بأنها صعبة ومعقدة، لا بل مصيرية. عرف متى يتكلم وعرف متى يصمت. لم يضطر يوما الى تصحيح كلامه أو إعطاء إيضاحات في أي شأن كان. كان يكتفي لدى مراجعته في شأن تصريح ما أدلى به بالرد المعهود: «قلنا ما قلناه».. رفض أن يتاجر به أحد وحافظ على المقام البطريركي. حال دون أن تكون الكنيسة المارونية، عماد الكيان اللبناني، مطية لأحد. كان فوق السياسة والسياسيين. وضع اللبنة الأولى لثورة الإستقلال الثاني في العام 2005 ووقف باكرًا ضد الظلم والظالمين والمتاجرين بالعرب والعروبة رافضًا الخضوع لهم على رغم كل أنواع الإغراءات.

 

عندما أدرك البطريرك صفير أن الأمور لم تعد تُطاق والكيل طفح، والوضع بات في حاجة الى تغييرات جذرية بعدما بات الكيان اللبناني هو المتضرر والمستهدف ويواجه خطر التفكك والإنهيار… إضطُر الى إتخاذ موقف حاسم، تمثل بالنداء المدوّي في 20 أيلول عام 2000 الذي طالب بانسحاب الجيش السوري من لبنان تنفيذا لإتفاق الطائف. وعندما سُئل البطريرك صفير: «على من تتكل؟»، أجاب: «متّكل على الروح القدس وعلى شعبي». وكان النّداء العظيم… من أجل لبنان.

 

النداء أحدث عاصفة سياسية، ما أدخل الوضع اللبناني في أجواء من التوتر والإنفعال ومن الإصطفاف الطائفي وتسبب بإدخال تعقيدات جديدة عليه. وبقدر ما كان «البيان ـ النداء» الصادر عن مجلس المطارنة الموارنة إستثنائيًا في شكله ومضمونه وتوقيته، بقدر ما شكل مفاجأة وصدمة قوية وأثار الدهشة والذهول، وأدى الى حال إستنفار سياسي بحثاً عن خلفياته ودوافعه، وقراءة في مضمونه وأبعاده، وترقبًا لنتائجه وانعكاساته.

في مضمون النداء، فتح موقف بكركي النار سياسيًا على سوريا ودورها في لبنان ووجودها العسكري على أراضيه. وهو بهذا المعنى بدا أقرب في مضمونه وصياغته المباشرة والصريحة والحادة أقرب الى «بلاغ رقم واحد» الذي يُذاع في مستهل إنقلاب أو إنتفاضة أو ثورة ويعلن بداية مرحلة جديدة.

«النداء ـ الإنتفاضة» ذهب بعيدًا في وضع «مضبطة إتهام» وإدانة شاملة بحق النظام السوري وسياسته في لبنان. و«لبّ» النداء ومحوره الأساسي هو الدعوة الى إعادة إنتشار الجيش السوري تمهيدا لانسحابه نهائيًا من لبنان إنفاذاً لاتفاق الطائف وللقرار الدولي رقم 520… وهذه الدعوة سبقتها مقدمات وحيثيات ركزت على إبراز سلبيات الدور والوجود السوريين في لبنان سياسيًا واقتصاديًا وعدم التكافؤ في العلاقات على مختلف أنواعها ومستوياتها. لقد ضرب بيان بكركي عرض الحائط كل المقولات والنظريات التي بنيت عليها فلسفة الوجود السوري واستمراره في لبنان، وحيث أن هذا الوجود ليس حاجة للإستقرار الداخلي وليس مانعًا لفتنة داخلية، وإنما هو مصدر وسبب للمشكلات ولكل ما يشعر به اللبنانيون من ضيق اقتصادي وانعدام فرص العمل وامتهان في الكرامة الوطنية وانتقاص في السيادة…

 

أما في الأسباب والخلفيات والظروف التي أدت إليه وأحاطت به، فلا يمكن إطلاق تقديرات وتفسيرات نهائية وحاسمة أو رد إقدام بكركي على قلب الطاولة الى سبب محدد، كون جملة ظروف وعوامل وأوضاع، داخلية وخارجية، ساهمت في تكوينه وإحداث هذا الموقف المتفجّر:

* ما صدر ناجم عن تراكمات وضغوط أدى به الى أن ينفجر على هذا النحو والى نفاذ قدرة الإحتمال لديه. لقد تحولت بكركي الى حائط مبكى للسياسيين والى مركز مراجعة وشكوى لكل الذين يشكون ضائقة اقتصادية أو أزمة إجتماعية ولكل من يريد فرصة عمل ولكل الذين يتعرضون لمضايقة أو ملاحقة أو توقيف… وتفاقم هذا الوضع حدا لم يعد معه البطريرك قادرًا على التصرف ومواجهة الضغوط، خصوصًا وأنه لا يلقى مساندة  حقيقية من الدولة ولا يرى معالجات وحلولاً في  الأفق المنظور…

* الشعور بأن الوضع في لبنان بلغ درجة الخطر الشديد والخط الأحمر بحيث لم يعد ممكنا السكوت عنه… وبالتالي إرتبط النداء بوضع عام سائر الى التفكك والإنهيار أكثر منه بتوقيت أو ظرف سياسي ملائم…

* إنزعاج البطريرك من التجاهل الرسمي لموقفه وإدارة ظهر له وعدم الأخذ بطلباته ومواقفه من مختلف القضايا الهامة… وهو بادر الى رفع السقف السياسي لحمل أصحاب القرار على الإلتفات نحو الوضع المسيحي وإجراء تغييرات وتحسينات في التمثيل المسيحي الحكومي تدعيمًا للوفاق والتوازن الوطني…

* ما أقدم عليه مجلس المطارنة هو إمتداد وتتويج  لحركة شعبية شهدها الشارع المسيحي وكان ينقصها العنوان والمرجعية والإطار السياسي… لذلك كان من أهداف البيان إحتواء الحركة الشعبية المسيحية ووضع سقف لها، ولو عال، فلا تفلت أو تنهار أو تسقط في إنقسامات جديدة. والبطريرك العازم على إبقاء بكركي مرجعية لا يتخطاها أحد في الحركة السياسية الداخلية والخارجية على السواء، أراد القول من خلال هذا البيان: «الأمر لي»، وأراد ضبط الحال المسيحية الجديدة التي بدأت تعيد إنتاج الزعامات السابقة وتجاربها المريرة، وهو ما قد يهدد ما راكمته بكركي في الأعوام الماضية وطنيًا وسياسيًا وشعبيًا.

 

ولكن، وفي قراءة متأنية في موقف بكركي، يمكن الإستنتاج أنه بقدر ما كانت تعابيره حادة وسلبية وكان ظاهره تصادميًا، بقدر ما كان عمقه حواريًا وروحيته إيجابية هادفة الى التطوير والتصويب في العلاقات السورية ـ اللبنانية وتنقية أجوائها. فقد جاء في النداء: «حرصًا منا على توثيق أحسن علاقات الأخوة بين لبنان وسوريا وفي مطلع عهد فيها نريده لها زاهرًا، نرى أنه آن الأوان لإعادة النظر في طريقة التعاطي بين البلدين بحيث يقوى أحدهما بالآخر فيتكاملان تكاملاً صحيحًا، مفيدًا لكليهما… وإبقاء على ما بينهما من روابط تاريخية وجغرافية وبين شعبيهما من وشائج قربى ونسب وصداقة ومصالح مشتركة… لبنان إذا كان متعافيًا كان عوناً لسوريا، وأما إذا ظل عليلاً كان عالة عليها… ونحن نريد له ما نريده لسوريا من عزة وكرامة وازدهار وسلام…». أي أن بكركي دعت عمليا الى إعادة إنتشار للقوات السورية (تحت سقف الطائف) ولم تدعُ الى إنسحاب فوري، وعلاقات متكافئة على صعيد التبادل الزراعي والتجاري، والحرص على توثيق أحسن علاقات الأخوة بين لبنان وسوريا وإبقاء ما بينهما من روابط تاريخية وجغرافية، وبين شعبيهما من وشائج قربى ونسب وصداقة ومصالح مشتركة، والدعوة الى إعادة النظر في طريقة التعاطي بين البلدين، فيتكاملان تكاملاً صحيحًا، وتعليق الآمال على عهد الرئيس بشار الأسد الذي تريده بكركي زاهرًا لسوريا، وتريد لسوريا العزة والكرامة والإزدهار والسلام.

نداء بكركي الذي بدا لوهلة أولى مادة سجال طائفي وانقسام بين اللبنانيين، هو في الواقع منطلق للحوار بين اللبنانيين حول مستقبل العلاقات مع سوريا، وحيث يتفق الجميع على أن تكون مميّزة وتكاملية، ويختلفون في تقييم الطريقة والأساليب والوسائل المعتمدة… كما أنه دعوة الى القيادة السورية الجديدة للبدء في حوار هادئ صادق وصريح يهدف الى رفع أسس العلاقات اللبنانية ـ السورية شرط أن يسبق ذلك بين القادة اللبنانيين أنفسهم حوار وطني صريح، إلا أن الأجواء الداخلية اللبنانية كانت غير مهيأة للتوافق حول هذا الأمر، فأتت ردات الفعل سلبية متجاهلة ايجابيات هذا البيان…

الحر الشجاع، أيقونة لبنان، حمل صليبه ورحل… فهل من يتعِّظ؟

 

***«لن نصمت بعد اليوم»

البطريرك صفير كان يتوقع ردود الفعل السياسية على بيان المطارنة ولكن ذلك لم يثنه عن إصداره، مؤكدًا أنه لا يتكل على أي جهة إنما هو يتكل «على الله الذي أوصانا بقول الحقيقة». وأضاف: «إن على الذين يوجهون إلينا الإنتقاد أن يأتوا الى بكركي فيجلسوا مكاننا ويستمعوا الى ما نسمعه من الناس وقد صرنا بالنسبة لهم حائط  مبكى وليس فقط كرسي إعتراف».

وأكد صفير: «إننا لن نصمت بعد اليوم ولن نترك أحدًا يخيفنا، لقد قالوا لنا في الماضي إن الكلام عن الموضوع السوري من شأنه أن يخدم إسرائيل ويساهم في إطالة أمد أحتلالها للبنان، فصمتنا قناعة منا بأن إسرائيل هي عدو، أما اليوم فالإحتلال قد اندحر، فلماذا دعوتنا الى السكوت؟ وهل بإمكان أي كان أن يقول لنا متى يحين الوقت لنطالب بما نراه في مصلحة  وطننا؟ السوريون يهيمنون على كل شيء، وإذا كان للبلدين أن يتعاونا فيجب أن يترك للشعب اللبناني قراره واستقلاله وسيادته بعد أن إنسحبت منه إسرائيل».

وفي حديث الى هيئة الإذاعة البريطانية، ولا يقل أهمية في مضمونه السياسي عن نداء مجلس المطارنة الموارنة، قال صفير: «لست ضد سوريا أو ضد علاقات أخوية معها، إنما يجب أن تكون هذه العلاقات متكافئة. العلاقة بين لبنان وسوريا يجب أن تكون علاقة ود وصراحة وثقة، وذلك لا يمكن فرضه عبر الوجود المسلح».

وحول القول إن وجود القوات السورية شرعي وموقت، قال صفير: «كل شيء له نهاية، حتى الشرعي. أما مفهوم الموقت فيجب إعادته الى الإتفاقيات»، مشيرًا الى أنه لا يفهم ولا يدري ما هي المبررات الاستراتيجية لهذا الوجود، معربًا عن أمله بأن يبادر الرئيس لحود الى إصدار عفو خاص عن سمير جعجع.

وفي رد على ما قاله نائب رئيس الوزراء السوري العماد مصطفى طلاس حول دخول السوريين الى لبنان بطلب من المسيحيين، قال صفير إنه يحيل الذين يقولون هذا الكلام الى خطاب للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد بتاريخ 20 تموز من العام 1976 وفيه قوله إنه دخل الى لبنان من دون أن يستأذن أحدا.

وحمّل صفير سوريا الجزء الأكبر من مسؤولية الأزمة الاقتصادية لأنها لم  تترك للبنانيين أن يقرروا بأنفسهم ما يجب أن يقرروه.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل