حلّوا ملف اللجوء ولا تقولوا عنصريين!

يخبرني أبي ان بداية السبعينات كان “تلفزيون لبنان والمشرق”، حينذاك، يبث حلقات “ابو ملحم” الشهيرة للفنان اديب حداد. كانت حلقات اسبوعية تروي حكايا الناس بأسلوب تمثيلي بسيط، وتنتهي بحكمة من ابو ملحم الذي أصبح كأحد افراد العائلة، ينتظره اللبنانيون بشغف كل اسبوع.

ذات يوم، وعندما بدأت المناوشات العسكرية بين الجيش اللبناني والفلسطينيين المسلحين، وكان اسمهم آنذاك “الفدائيون”، خرج “ابو ملحم” بحلقة قال في نهايتها “الغريب لازم يكون اديب”، وبعدها توقف بث الحلقات لفترة، اذ منعت مخابرات الجيش او ما كان يُعرف بـ”المكتب التاني”، بث حلقات “ابو ملحم” تأديبا له لما تركته الحلقة من اثر تجييشي على الناس، والدولة كانت تسعى للتهدئة!

دار الزمن دورته، احتل بدل الغريب غرباء ارضنا، تحررنا وتحولت ارض الغريب الذي احتلنا الى ارض محتلة بدورها. اكثر من مليوني نسمة صاروا لاجئين عندنا، يأكلون معنا في صحننا ومن معاجننا ومن قمحنا وارضنا ومياهنا، ونحن ننوء بحملنا ونقول “معليش منتقاسم اللقمة، حرام ما خصن بالمجازر ببلادن وين بدن يروحوا”. لكن لم يعد باستطاعة لبنان تحمُّل هذا العبء، بعدما دخل معظم النازحين إلى سوق العمل، فزاد الضغط على اللبنانيين الذين أصبح معظمهم عاطلين عن العمل، فاتسعت الهوّة.

بين فترة واخرى نسمع اشكالات من هنا وهناك تحصل في المخيمات. ربما هو امر طبيعي في ظل احتقان لبناني ووضع اقتصادي كارثي، لكن ما جرى في مخيم النازحين السوريين في دير الاحمر في الساعات الاخيرة، قد يزيد الأمر تعقيداً وخطورة ما لم يوضع حد نهائي لأزمة اللجوء تلك.

يتهم البعض اللبنانيين بالعنصرية، ومن بينهم لبنانيون أنفسهم. لا نعرف ما اذا كانت الكلمة في موضعها فعلا، فاذا كان الخوف على الجنسية اللبنانية عنصرية، اذاً هي عنصرية. واذا كان الخوف على مصير لبنان من المجهول عنصرية، هي اذاً عنصرية، وما حصل في دير الاحمر لا يوصف بأقل من كلمة خطير. وما جرى هناك قد يحصل في اي لحظة وفي اي بقعة من لبنان، حيث يتحول ملف اللجوء السوري تدريجا، الى كرة نار ملتهبة قد تشعل لبنان، تشعل لبنان وليس اقل من ذلك، ما لم تتحرك الدولة اللبنانية بشكل جدي وحاسم لإنهاء الملف قبل حصول كارثة.

ماذا حصل في دير الاحمر؟ تعرضت دورية للدفاع المدني للاعتداء من قبل لاجئين عندما كانت تحاول اخماد حريق قرب المخيم، بحجة ان آلية الدفاع المدني تسببت بغبار كثيف فعمد بعض اللاجئين ومن دون اي تردد الى تحطيم الالية وضرب عناصرها وجرح أحدهم جروحا بليغة في رأسه. امر اثار حالا من الغضب الشديد، كي لا نقول جنون الاهالي، فهرعوا الى المكان لحرقه وطرد سكانه، وتنادى رؤساء بلديات ومخاتير المنطقة وأصدروا قرارا برفض عودة النازحين الى البلدة. كما منع محافظ البقاع تجول اللاجئين السوريين حتى صباح الجمعة، منعا لاي احتكاك بين الاهالي والنازحين.

ما حصل في دير الاحمر كان سبق وحصل ما يشببه الصيف الماضي في بشري، وايضا في بعض بلدات كسروان، وسيحصل كل يوم وفي كل مكان ما دامت الازمة تتفاعل من دون حلول.

لم يتقاعس لبنان يوما عبر تاريخه الحديث عن ايواء “قاصديه”، وفي مد يد العون لهم الى اي جنسية انتموا، وغالبا ما اتى حسن الضيافة على حساب لقمة عيش اللبنانيين، لكن ولا يوم، ولا يوم قوبلت معاملة اللبنانيين “للضيوف” الاجانب بما يستحق من معاملة، اذ بالعكس، يتناسى بعض هؤلاء انهم في بلد مضيف، وعليهم التصرف من ضمن قوانين تلك البلاد، وهنا خطأ الدولة، اذ لم تفرض الدولة قوانينها ليرتاح الطرفان، الضيف والمضيف.

يرتاح النظام السوري على وضعه، فهو يعمل على تقسيم بلده وفقاً لأهوائه، لا يريد إعادة النازحين الذين قد يتحوّل ملفهم إلى قنبلة موقوتة في أية لحظة، اذا ما استمرت أوضاعهم على ما هي عليه. لا لظلم النازحين بالتأكيد ولكن لا لظلم اللبنانيين ايضا والتمادي في الاعتداء عليهم ثم اتهامهم بالعنصرية، كي لا تتهاوى الامور فعلا لتصل الى مرحلة العنصرية الفعلية. حلوا ملف اللجوء السوري وأنقذوا اللبنانيين من العنصرية.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل