«وأنا كمان بحبكن كتير»… وغاب

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1695

من الشرفة أطل سيدنا وقال:

«وأنا كمان بحبكن كتير»… وغاب

 

16 نوّار 2019، كأن الأرض أزهرت بشرًا، فصاروا ينقلون رحيق الوفاء من قلب الى آخر، وتناثر كل ذاك العبق منذ لحظة دخول البطريرك المستشفى، الى لحظة خروجه منها الى بيته الأبدي. 16 نوّار والشهر مريمي، لفحت أرض لبنان رياح عاتية غير مسبوقة، ما كان ذاك مأتمًا، بل ثورة وفاء من شعب لبطريركه، ثورة تاريخية لأجل رجل تاريخي عبر في البطريركية المارونية، وعبق حضوره في تاريخ لبنان ثورة إستقلال وثورة إيمان وثورة إنسان. لم يمت في حينها البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، بل عاش أبدًا في ضمير أمة.

 

كمن نهض مع شعاع الصباح، تعطّر من عبق تراب ارتوى بعد عطش، لملم قطرة ندى عن خدّ وردة، ومشح بها بسمة حزينة دافئة، لبس كل ما عند البطريرك من حضور في قلبه، صلّب يده على وجه ربّه، أعلن الحب للحظة كبيرة مع أنها تحمل فراقاً كبيرًا ما، وذهب الشبّ الحلو، حلو كتير، ذهب لبنان للقاء حب مع سيّدنا! لبسنا وجه البطريرك وقلبه، ورحنا إليه في يومه الأخير معنا، كمن يلتقي حبًا ما الى جلسة خاصة فيها ما فيها من أسرار ومناجاة وكل اللقاء.

 

من يفعل أمرًا مماثلاً في لحظة وداع أبدي؟! بدت الدنيا وكأنها بألف خير… كلا، الدني بخير ولم تبدُ كذلك، الدني بخير سيدنا على رغم الزمن البائس الذي يعتريها. إذ مذ لحظة الإعلان أن وضع البطريرك صفير حرج جدًا، إنقلبت الحال على الأرض! كلام قد يبدو متناقضًا مع واقع الحدث الحزين، لكن ما حصل بين بطريرك القلوب وشعبه يكاد يكون حال الإستثناء الإيجابي الوحيد في زمن استثنائي بمصائبه، حال إستثنائية لم يشهدها لبنان في تاريخه الحديث في وداع بطريرك! قبل إعلان الوفاة بأيام، تحلّق اللبنانيون، أمام مستشفى أوتيل ديو، وخصوصًا القواتيين منهم، أضاؤوا له الشموع ورفعوا الصلوات الحارة، وتحوّلت صفحات التواصل الإجتماعي الى مذابح متنقلة تتلو الصلوات للرب، ليطيل بعمر الكبير، وانتشرت صوره كحبوب حنطة في أرض الخير، لكن الرب شاء أن يأخذ أمانته، بعد تسعة وتسعين عامًا، بدت لنا وكأنها عز الصبا لبطريرك، حتى اللحظة لم يكبر إلا بالحكمة والتجربة، وتعتّقت مواقفه فينا كخمرة من خوابي لبنان الحلو.

الثالثة إلا عشر دقائق من فجر الأحد 12 نوار، سلّم البطريرك الكبير قلبه لربّه، مد يديه الى فجر السماء وعانق عمر قلبه، المسيح، ولد في 15 نوار 1920، ورحل في 12 من الشهر إياه 2019، ولد ولبنان يعلن أنه لبنان كبير، ورحل بعدما أعاد الى لبنان قلبه، ذاك الكِبر وتلك القيمة التي لا تضاهى، الكرامة والإستقلال، وذهبنا لوداع سيدنا… أو لنقل للقاء سيدنا.

#مثله_لا_يموتون، صرخنا مع الشعار الذي نشرته «القوات اللبنانية» وتصدّر أعلى المراتب عبر وسائل التواصل الاجتماعي. «التحية الى من سيبقى نابضًا في قلبنا، حاضرًا في وعينا، راسخاً في ضميرنا، وحيًا في ذاكرتنا. التحية لمن غفت عيناه ليسهر علينا من فوق. التحية لحارس الحراس»، قال له سمير جعجع في ما قاله، وزحف لبنان بأطيافه كافة لوداع حارس الحراس ذاك الذي لا يموت، يعيش فينا نبضًا، قيمًا، تواضعًا وشجاعة، وهكذا مثل جرس كنيسة يقرع في ضمائرنا حبا واستقلالا وإيمانا. لا البطرك الحويك مات ولا الدويهي ولا يوحنا مارون، وها الكنيسة تعيش قيمهم عبر البطريركية المارونية العريقة التي صنعت أمجاد لبنان لأجيال وأجيال متعاقبة. هذا بطريرك لن يموت أبدًا، هذا رجل ماروني لأجل لبنان، لبناني لأجل كل الطوائف.

 

«عشت بطريركاً كبيراً ومت بطريركاً أكبر. لقد كنت حلقة مشرقة في سلسلة البطاركة المقاومين، هكذا كان قنوبين، هكذا كانت بكركي، وهكذا ستبقى»، كتب الحكيم في سجل البطريركية، بعدما ألقى النظرة الأخيرة على جثمانه. جثمانه؟ كأنه رجل يغط في نوم عميق هانئ. وجه أبيض يعلوه صفاء الأزمان، وكيف لا يكون كذلك هو من زرع في وعر الإحتلال مصالحة، وفي أشواك الإضطهاد نضالاً، وفي عمق الذل كرامة ومواجهة. والبطريرك نائم والناس بالآلاف تدور من حوله تباعًا كفراشة حول ضوئها، بدا وكأنه سيستيقظ في الصباح الباكر ليشاركنا في وداعه! «نطروني يا ولادي رح نمشي سوا خلف هالنعش» أففف كيف يمشي رجل في دفنه؟! لم ينم سيدنا في النعش التحفة الذي أعده له المبدع رودي رحمة، بل في نعش آخر بسيط متواضع كمسيرة حياته، ووقف يوم وداعه الكبير الى شرفة بكركي يراقبنا بفرح  مشوب بالخوف، هو الهادئ السمات الذي يكبت مشاعره الكبيرة، لم يتمالك عن الإبتسامة العريضة حين رأى ما أُعِدَّ له من حفاوة، حفاوة الحب وليس حفاوة المظاهر. زحف لبنان إليه صعودًا، مسيحيون ومسلمون، كبار وصغار، وكما اجتاحت قلوب الوفاء الشوارع قبل يوم لمواكبته في رحلته من أوتيل ديو الى بكركي، وأقفلت الطرقات بالحب ونهر الوفاء، كذلك اجتاحت القلوب إياها باحة بكركي الفسيحة لمواكبة سيدنا ولقائه قبل ارتفاع النعش في لحظاته الأخيرة وغيابه في مدافن الصرح التي بناها بنفسه. «كل لبنان متأثر وحاسس بهالغياب الكبير، لكن هالغياب أخد اللبنانيين الى فحص ضمير عميق على المستويات كافة، نحنا وين ككنيسة وكشعب وكوطن، لبنان بلد تعايش القيم والأخلاق والحوار مع الآخر، والبطرك صفير كان الأقوى للدفاع عن هذه الهوية المنفتحة، كان ينادي اللبنانيين وليس فقط المسيحيين. الكنيسة المارونية متأثرة جدًا لكن إيماننا كبير أنو الرب لـ أعطى البطرك صفير سيعطينا أشخاصًا يشبهونه بالرسالة، لأن المشعل يجب ان يبقى مشتعلاً ويتنقل من يد الى أخرى والمشعل الآن بيد البطرك الراعي»، قال المطران حنا رحمة.

 

يومان ونحن مع البطريرك، لم نبارح بكركي، لم نستطع ذلك، مرة خمسة عشر مرات وربما أكثر، دخلنا إليه وهو مسجّى في الكنيسة الصغيرة، كمن يريد التأكد ان سيدنا لن يتركنا ولو رحل، لم نعش في زمننا حدثاً كهذا، عشنا الحزن القاتم على استشهاد شباب لنا، لكن لم نتمناهَ يومًا مع غياب بطريرك كما فعلنا ونفعل، بدا الأمر عائليا بامتياز، كل منا يودع شيئاً ما من والده فيه، هذا «أبانا الذي في بكركي»، راعينا، ملهمنا في الكرامة والشجاعة، وهو مسجّى في نومه الأخير. ولعله وبعدما ذهبت الحشود في الليلة الأولى الى رقادها، نهض ليلاً وقام بجولة تفقدية، يعرف ان في هذا المكان تعمّدت البطريركية المارونية بالنضال، غسل المسيح أقدامها ذات خميس غسل وقال للبطرك صفير، كما قال لبطاركة التاريخ الذين سبقوه «إذهبوا وتلمذوا كل الأمم على المحبة والغفران والكرامة الإنسانية». لم ينتظر البطرك صفير ان تجف مياه المسيح عن قدميه، نهض وحمل قطرات الماء العالقة ومشحها على جبين لبنان… فكان العنفوان وكان الحب وكان الإستقلال… أنهى البطرك جولته بعيدًا عن عيون الناس وعاد الى رقاده في عيونهم لكنه فوق لا ينام. عن جد بدا لوهلة كأنه سينهض من فرط خوفه على بلاده ليستحلفنا ألا نتخلى عنها، ألا نترك حالنا ونتوه في الخيانة أو الضياع، ووحياتك سيدنا لن نفعل. وأنت تراقب الحشود تعلن لك الوفاء والإنتماء، تعرف تمامًا أننا لن نفعل، وبكركي وطرقات لبنان شهدت على بعض قليل من بحر الوفاء لك.

 

…. وجاء المساء الأخير، إنتهت مراسم الوداع المهيب، قال البطرك الراعي أجمل الكلام فيه، إرتفع النعش فوق أكتاف المطارنة، نحو عشرة آلاف شخص في صمت مهيب وكأنهم واحد، لا همس يُسمع إلا دقات القلوب المودعة لسيدنا، وشوي شوي غاب النعش خلف السطور الكبيرة والشمس قرمزية تغيب في أفقها، وسيدنا يغيب في ضياء المسيح، «أنا كمان بحبكن» قال وأشاح بعينيه الى مشلح العذراء مريم، ورحنا نحن الى الزمن البائس نخبره عن بطريرك عظيم عظيم من بلادنا قد لا يتكرر، وانتبهنا أننا صرنا فعلاً في الغياب الكبير وبدأنا نزعل…

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل