كلام من دون كفوف في دولة الكفوف

أطلّ البارحة دولة رئيس الحكومة سعد الحريري مخاطبًا اللبنانيّين جميعهم من دون أيّ كفوف، بصراحته وشفافيّته اللتين عهدناه متميّزًا بهما، واضعًا خارطة طريق للمرحلة المقبلة. وذلك على وقع الكفوف المتعدّدة التي تلقّتها الدولة ممّن وجب عليهم ردّ أيّ كفٍّ قد تتلقّاه من غريب ما، على الحكم ومن خارج الحدود. فهل يحتمل لبنان الدولة والجمهوريّة والكيان أيّ كفّ قد يتلقّاه بعد، سواء أمن أهل البيت، أم ممّن هم خارج هذه الدار، والمتربّصين شرًّا بها منذ ولادتها؟

لقد تلقّى لبنان الدولة أكثر من صفعة ولعلّ الأبرز خلال قرن من ولادتها هو بوجود من يتقاسم معها السيادة والسلاح. وهذا ما أدّى عبر التاريخ كلّه إلى نشوب حروب ونزاعات هشّمت الدولة وشكلها. ولعلّ هذه الأزمة هي من أبرز أزمات العصر، لا سيّما بعد انتهاء الحرب منذ أكثر من ثلاثة عقود، إذ فرضت هذه المرحلة وجود سلاح بديل حافظ بشرف على مؤسّسات الدولة؛ ولولا هذا السلاح لما بقيت اليوم الدولة دولة. لكن أن يبقى سلاح بعد الانتهاء من هذه المعضلة لتحرير العالم من العالم بأسره، ففي هذه إعجاز ما بعده إعجاز، وجب التخلّص منه.

أما لبنان الجمهوريّة فيتلقّى كلّ يوم صفعة بالتّجاوزات التي تقلّص دورها، إن في القضاء أو في التعيينات غير العادلة، وإن في المحسوبيّة والمحاصصة. وحتى في التفاوض لتحرير رهائن من وراء ظهر الجمهوريّة ومؤسّساتها. أو حتّى في إرسال إرهابيّين بباصات مكيّفة لحساب حزب ما بغية القيام بصفقة لتحرير أزلام تابعة لهذا الحزب أو ذاك تمّ أسرها في معارك خارج حدود الجمهوريّة. وصفعة الجمهوريّة الأكبر بنهب خيراتها من خلال صفقات مشبوهة تارة في البواخر وطورًا في العقارات والتلزيمات من دون المرور بدائرة المناقصات. وتطول اللائحة في صفعات الجمهوريّة التي حوّلتها إلى جمهوريّة الصفعات.

ولبنان الكيان الذي يكاد يحتفل بمئويّته، يتهاوى تحت ظلّ صراع الحضارات الاقليمي الذي يكاد أن يطحنه لولا وجود بعض الشّرفاء الذين هم مستعدّون كلّ يوم للذّود عنه. لبنان الذي يحمل في كيانه أبعاد الامتداد الإبراهيمي الحضاري من الشّرق إلى الغرب. لبنان الذي يحمل في تكوينته الجينيّة جينات الغرب قبل جينات الشّرق لأنّه يرتبط معه حضاريًّا، على قدر انتمائه لحضارة الشّرق السّريانيّة- الآراميّة.

يحاولون اليوم ضرب هذا الامتداد بصفعة حضاريّة من خلال أخذ التّراث المسيحي – اللبناني إلى بعد حضاريّ لا يشبهه حضاريًّا. وذلك تحت مسمّيات واهية حيث ينقلون حضارة شعب من وادي قدّيسيه إلى أرض ولادة شفيعه في “براد”. ولنا في هذا الوادي ألوف الشّهداء الذين حافظوا على قدسيّته، أمس واليوم وغدًا. هذه الصّفعة- الصفقة لن تمرّ، ولن يحقّقوا ما فشلوا في تحقيقه في الحرب أمس، في زمن السّلم، ولو منتقصًا، اليوم.

لذلك كلّه، نحن هنا، هنا كنّا وهنا سنبقى. سنذود عن دولتنا وجمهوريّتنا وكياننا متى دعت الحاجة لذلك. إنّ منطلق وجودنا في لبنان والشّرق هو امتداد حضاريّ لحضارة ما ماتت بموت لغتها لأنّنا نقلناها إلى لغة ارتضيناها للتّفاهم مع محيطنا وحافظنا فيها على جذورنا. لذلك نتكلّم اللغة اللبنانيّة وليس اللهجة اللبنانيّة. بهذا حافظنا على كيانيّة وطن لم تضمحلّ لوجوديّته في محيطه، بل العكس تمامًا فرض هذه الكيانيّة وجعل منها وطنًا بحدّ ذاته.

ومنطلق وجودنا في الجمهوريّة هو لجعلها جمهوريّة قويّة عن حقّ وعن جدارة بالممارسة الفعليّة للحياة السياسيّة كأشرف مهنة بحسب توصيفها في الارشاد الرّسولي الذي صدر في أيار من العام 1997 بعد زيارة البابا القديس للبنان إبّان سنين الاحتلال. ولشهادات الخصوم في أدائنا السياسيّ ألف دليل ودليل.

أمّا منطلق وجودنا في الدولة هو لنرجعها دولة القانون والمؤسّسات التي ما إن استلمناها في فترات خلت، جعلناها مثالا يُحتذى به من الأبعدين قبل الأقربين. والتاريخ شاهد على تجربتنا في إدارة الدولة.

وفي ظلّ هذه الأوضاع الاقتصاديّة والجيو-سياسيّة المحيطة بنا لا نستطيع أن نعرّض وطننا لمزيد من الصفعات. ولن نسمح بعد اليوم لأيٍّ كان أن يحاول بتسديد أيّ صفعة، من أينما أتت، ومن أينما كان هو نفسه. وكما كنّا وقت الخطر قوّات، هكذا سنكون وقت السّلم. ومن له أذنان للسّماع … فليسمع.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل