من كان للعذراء عبداً فلن يدركه الهلاك أبداً

كتبت “المسيرة” – العدد 1695

رسالة الصوم الكبير 2009

من كان للعذراء عبدًا

فلن يدركه الهلاك أبدًا

 

الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير

بنعمة الله

بطريرك أنطاكية وسائر المشرق

إلى جميع إخواننا المطارنة، وجميع أبناء كنيستنا المارونيّة

إكليروسًا وعلمانيين

أيّها الأخوة والأبناء الأعزاء

السلام والبركة الرسوليّة

 

يسرّنا أن نتوجّه إليكم، في مناسبة الصوم المبارك، لنحدّثكم عن أمر يفرضه علينا ما يمرّ بنا من أحداث وما نشهده من شؤون في وطننا العزيز لبنان. وهو القيم الأخلاقيّة التي يحزّ في نفسنا أن نراها تتدنّى، يومًا بعد يوم. ويظهر هذا التدنّي خاصة في لغة التخاطب، والمواقف المتّخذة، وطريقة التعامل، التي لم تكن سابقًا مألوفة بين اللبنانيين. وهي ظاهرة تتجلّى خاصة على الصعيد الشخصيّ والإجتماعيّ، والتربية العائليّة والوطنيّة، ومؤسّسات الدولة على اختلافها. وهذا ما يشير إلى فساد في الأخلاق أصبح مستشرياً. لذلك أردنا أن نشير إليه، قبل أن يستفحل، ويتأصل في النفوس، فيصعب إستئصاله فيما بعد. وما من أحد يجهل ما ستكون العاقبة لأذا استشرى، لا سمح الله، وتعذّر اجتثاثه من جسم الوطن.

 

القيم الأخلاقية

أولا: على الصعيد الشخصيّ والاجتماعيّ

ما هي القيم؟ القيم هي ما يجعل الإنسان موضع إحترام، سواء أكان في المجال الأدبيّ، أم العقليّ، أم المهنيّ. والكنيسة رفضت كلّ ما يمسّ بالقيم الأصليّة وبخاصة رفضت «النظريات الشموليّة والملحدة المشتركة، في الأعصر الحديثة، مع «الشيوعيّة» أو «الاشتراكية». وعلاوة على ذلك، أنكرت في واقع «الرأسماليّة» الفرديّة وأولويّة قانون السوق المطلقة على العمل البشري. وتنظيم الاقتصاد عن طريق التخطيط فقط المركزيّ يفسد في الأساس العلاقات الاجتماعيّة، وتنظيمها فقط بواسطة قانون السوق يمسّ بالعدالة الإجتماعيّة، «لأن هناك حاجات إجتماعيّة كثيرة لا يمكن سدّها بواسطة السوق» لذلك يجب إيثار تنظيم معقول للسوق والمبادرات الاقتصاديّة، وفق سلّم قيم عادل، نظراً إلى الخير العام».

 

إنّ الدين المسيحيّ يوجب على معتنقه أن يسير السيرة الحسنة، وأن يكون سلوكه الشخصي سلوكاً مثاليًا في بيته، ومجتمعه ومكان عمله، وأن ينتهي بنواهي ضميره ويأتمر بأوامره، شرط أن يكون هذا الضمير مستقيمًا، وليس معوجّا أو منحرفًا. والضمير يظلّ دائمًا في حاجة إلى تدريب على ما يقول بولس الرسول: «لذلك أنا ايضًا أدرّب نفسي ليكون لي دائمًا ضمير سليم أمام الله والناس». وهناك أناس، يقول أحد مشاهير الواعظين: «يسيّرون ضميرهم، كما يسيّر بائع الفواكه عربته». وهذا ضلال مبيّن. وعلى الإنسان أن يسير بهدي ضميره المستقيم، وليس عليه أن يسيّر ضميره على هواه. وعلى المسيحيّ أن يعيش في ظل الحقيقة، لأنّ الله هو ينبوع الحقيقة، وكلمته هي حق، على ما يقول سفر الأمثال: «لهاتي تهزّ بالحق وشفتاي تمقتان النفاق». والسيّد المسيح يقول: «فكلّ ما تريدون أن يفعله الناس لكم، إفعلوه لهم أنتم أيضًا. هذه هي التوراة والأنبياء».

لقد أبان تعليم الكنيسة الكاثوليكيّة ما هي واجبات المواطنين فقال: «عليهم أن يعملوا مع السلطات المدنيّة لصالح المجتمع بروح الصدق، والعدالة، والحريّة. إنّ محبّة الوطن وخدمته يوجبهما الإعتراف بالجميل، ونظام المحبّة. والخضوع للسلطات الشرعيّة وخدمة الخير العام يتطلبان من المواطنين القيام بدورهم في حياة الجماعة السياسيّة».

 

والخضوع للسلطة، والمسؤوليّة المشتركة عن الخير العام يقضيان أدبيًا بدفع الضرائب، وممارسة حقّ الإنتخاب والدفاع عن الوطن. إنّ القديس بولس يقول: «أدّوا إلى كلّ حقّه: الضريبة إلى من تجب له الضريبة، والجزية إلى من تجب له الجزية، المهابة إلى من تجب له المهابة، والإكرام إلى من يجب له الأكرام». لذلك تدعو الكنيسة السلطات السياسيّة إلى العودة بأحكامها وقراراتها إلى استلهام الحقيقة عن الله والإنسان.

والتعليم المسيحيّ يقول أيضًا: «المسيحيون يقيمون في وطنهم، ولكن كغرباء ساكنين. وهم يقومون بجميع واجباتهم بوصفهم مواطنين، ويتحمّلون أعباءهم كغرباء… ويطيعون الشرائع القائمة، وطريقة حياتهم تفوق الشرائع… وأن المقام الذي وكّله الله إليهم هو من السموّ بحيث لا يسمح لهم بالهرب». «ومن تهاون في الصغائر وقع في الكبائر» يقول الكتاب. لذلك على المؤمن أن يسهر على لسانه وسلوكه وتصرّفه، ليعيش عيشة ترضي الله ولا تتسبّب بضرر للنّاس: «والكنيسة، التي بسبب مهمّتها وصلاحيّتها، لا يمكنها أن تختلط بأيّ شكل من الأشكال بالجماعة السياسيّة، هي معًا علامة الشخص البشريّ الفائقة الطبيعة وضمانته». إنّ الكنيسة تحترم الحريّة السياسيّة وتعمل على تقدّمها وتحترم مسؤوليّة المواطنين».

ويستحثنا بولس الرسول على الصلاة والشكران من أجل الملوك وجميع الذين يمارسون السلطة «لنتمكن من أن نعيش عيشة هادئة بكل تقوى وكرامة». ومن كان صريحًا وواضحًا مع نفسه، لا يمكنه إلا أن يكون صريحًا وواضحًا مع الناس، هذا إذا أراد أن يكون ذا مصداقيّة واحترام.

 

ولا تستقيم أحوال المجتمع وتزدهر إلا إذا تقيّد المواطنون بالمبادئ الأساسيّة التي ارتضوها بارتضائهم ما نصّ عليه دستور بلدهم من قواعد تلزمهم العمل بمقتضاها في مختلف الميادين التي يمارسون فيها نشاطهم. ويقول تعليم الكنيسة الكاثوليكيّة: «في العمل يمارس الشخص جزءًا من القدرات المكتوبة في طبيعته. وأن قيمة العمل الأساسيّة تتعلّق بالإنسان عينه الذي هو ربّ العمل والموجّه إليه. إنّ العمل هو من أجل الإنسان وليس الإنسان من أجل العمل. ويجب أن يستخرج كلّ من الناس من العمل وسيلة لسدّ حاجات حياته وحاجات ذويه، وتقديم خدمة إلى الجماعة الإنسانية».

«ولكلّ الحقّ في أن يأخذ المبادرة في الحقل الاقتصاديّ، وأن يستعمل إستعمالاً مشروعًا مواهبه ليضافر في توفير الرخاء المفيد للجميع، وليقطف ثمار جهوده العادلة. وعليه أن يسهر على التقيّد بالتنظيمات التي تأتي بها السلطات الشرعيّة بغية توفير الخير العام».

وليس من العدالة في شيء ألاّ يُدفع لأجهزة الضمان الإجتماعيّ الموجبات التي وضعتها السلطات الشرعيّة. والحرمان من العمل بسبب البطالة هو، تقريبًا دائمًا، لمن وقع ضحيّته، إنتهاك لكرامته وتهديد لتوازن الحياة. وما عدا الضررالشخصيّ، هناك مخاطر عديدة تتفرّع عن هذا الأمر.

 

ثانيا: على صعيد التربية العائليّة والوطنيّة

إنّ واجب تربية الأولاد هو واجب مقدّس بالنسبة إلى الوالدين. وأكبر إهانة توجّه إلى أحد الناس، ولا سيّما إلى الأحداث من بينهم هي القول عنه: «إنّه بلا تربية». والعائلة هي الخليّة الأساسيّة للمجمتع. «وهي المجتمع الطبيعيّ حيث يُدعى الرجل والمرأة إلى هبة الذات في المحبّة وهبة الحياة. والسلطة، وثبات العلاقات وحياتها في حضن العائلة تشكّل أسس الحريّة، والأمان والأخوّة، ضمن المجتمع. والعائلة هي الجماعة التي يمكن الإنسان فيها أن يتلقّن منذ سنّ الطفولة، القيم الأخلاقيّة، ويبدأ بتكريم الله، وممارسة الحريّة. والحياة في العائلة هي تعليم الحياة في المجمتع.

وعلى العائلة أن تعيش بحيث يتعلّم أعضاؤها الإهتمام بالشبّان والشيوخ، والمرضى والمعاقين، والفقراء. وكثيرة هي العائلات التي تجد نفسها، في بعض الحالات، عاجزة عن تقديم هذه المساعدة. فيصبح إذذاك من واجب أشخاص وعائلات أخرى، والمجتمع مدّ يد المساعدة إليهم. «إنّ التديّن الطاهر النقي عند الله الآب هو هذا: إفتقاد اليتامى، والأرامل في ضيقهم، وصون النفس بلا وصمة من العالم».

 

ومن واجب الجماعة السياسيّة أن تكرّم العائلة وتساعدها، وتضمن لها خاصة: «حريّة بناء عائلة، واقتبال أولاد، وتربيتهم وفق معتقداتهم الأخلاقيّة والدينيّة، وحماية إستقرار الرباط الزوجيّ والكيان العائليّ، وحريّة ممارسة الإنسان إيمانه ونقله إلى أولاده وتربيتهم فيه، بالوسائل والمؤسّسات الواجبة، وحقّ الملكيّة الخاصة، وحرية القيام بعمل واقتناء منزل، والهجرة، والحصول على عناية طبيّة، بحسب البلدان، ورعاية الشيوخ، وضمان العائلة، وحماية الأمن والمناخ، واتقاء مخاطر الكحول، والصور الإباحيّة إلى ما سوى ذلك، وحرية إنشاء جمعيات مع عائلات أخرى ممثلة تجاه السلطات المدنية».

 

وهناك واجبات البنين تجاه والديهم». الأبوّة الإلهيّة هي ينبوع الأبوّة البشريّة. وهي التي تولي الوالدين ما لهم من إكرام. واحترام الأولاد، صغاراً وكباراً، لوالديهم يتغذّى من المحبّة الطبيعيّة المنبثقة من الرباط الذي يشدّهم إلى بعضهم، وهذا ما تتطلّبه الوصيّة الإلهيّة».

وما من شكّ في أن التربية الوطنيّة لها تأثير كبير على الأولاد إذا تأمّنت لهم منذ الصغر. ومحبّة الوطن، كمحبّة الوالدين، واجب مقدسّ. والوطن له على أبنائه ما للوالدين على أبنائهم. وهو الذي وفّر لهم ما توفّره الأوطان عادة لأبنائها، ما عدا الغذاء الماديّ، الغذاء الروحيّ والمعنويّ. وللأوطان تاريخ يكون عادة حافلاً بالمآتي الكبيرة، وهي التي تبقى ويتوارثها الأبناء والأحفاد، ويروون قصصها، ويفاخرون بها، سواء أكانت واقعات تاريخيّة، أم إختراعات، أم نتاجاً فكرياً أضاف إلى الثروة الفكريّة ما كثّفها وعزّز مكانتها.

 

وقد تحرص المدارس عادة على تلقين الأولاد تاريخ أوطانهم. ولكنّها لا تروي لهم، على وجه الإجمال، سوى وقائع حربيّة، تروي بطولات قام بها أبناء بلدهم وانتصر فيها على من سواه من البلدان. هذا، على الأقل، ما درجت عليه كتب التاريخ. وهذا لا يغني البشريّة، بل يدّل على ما يهمّها من بطش وقّوة.

فيما التاريخ الحقيقيّ لا يكتفي برواية المعارك، بل يتخطّاها إلى ما مدّ به بلد أو شعب ما البشريّة جمعاء من إختراعات سواء أكان في مجال الطبّ، أم في العلوم على أنواعها، أم في ما سوى ذلك من وسائل من شأنها أن ترتفع بالإنسان إلى ما فوق لتمدّه بما يكثّف فيه إنسانيّته، ويصقل أخلاقه، ويجعل منه إنساناً كامل الإنسانيّة.

 

والعاقل هو من عرف كيف يستفيد من أخطاء من تقدّمه من الناس، ليتجنّبها ويبتعد عن الوقوع في معاثرها، ليُقبل على الإفادة مما يكون قد أتاه سواه ممّن تقدّموه في الزمن، ليطوّره ويحسّن وضعه، فيجعله في متناول البشريّة التي تستخدمه لفائدة الأجيال الطالعة.

وهذا ما يدلّ عليه تاريخ البشريّة التي تقدّمت خطوة خطوة على طريق الإختبار والتجدّد. ومحبة الوطن تقضي بالتضحية حتى بالنفس في سبيله. ولكن المواطنيّة الصحيحة قد فقدت معناها لدى بعضهم، وبدلا من أن يحبوا وطنهم محبّة تفضي إلى التضحية بالنفس في سبيله، فهم يضحون بوطنهم وبمصالحه على مذبح مطامعهم وطموحاتهم الشخصيّة. وهذا بعيد كلّ البعد عن محبّة الوطن الحقيقيّة. أن تحب وطنك المحبّة الصادقة معناه أن تبحث عمّا بإمكانك أن تعطيه، وليس أن تبحث عمّا بإمكانك أن تأخذ منه. وهو قد سبق له أن أعطاك الكثير، فأورثك ما فيه من غنى روحيّ ومادّي وأخلاقيّ وثقافيّ. فبات من واجبك أن تخضع للسلطة الشرعيّة فيه وتدفع ما يطلبه من ضرائب، وتمارس فيه حق الإقتراع والدفاع عنه.

 

ولكن «إذا تجاوزت السلطة العامة صلاحيتها، وظلمت المواطنين، فعلى هؤلاء ألاّ يرفضوا ما هو مطلوب منهم بموضوعيّة للخير العام. غير أنّه يجوز لهم أن يدافعوا عن حقوقهم، وحقوق مواطنيهم، ضدّ تجاوزات السلطة، مع احترامهم للحدود التي رسمتها الشريعة الطبيعيّة، والشريعة الإنجيليّة».

ومقاومة جور السلطة السياسيّة لا تلجأ شرعاً إلى السلاح، إلاّ إذا توفّرت الشروط الآتية:

 

1-في حال انتهاك أكيد وخطير وطويل الأمد للحقوق الأساسيّة.

2-بعد أن تكون قد اسُتنفدت كلّ الوسائل الأخرى.

3-دون أن تتسبب بفوضى أسوأ.

4-أن يكون هناك أمل بالنجاح.

5-إذا كان مستحيلاً أن نرى بصورة معقولة حلولاً أجدى.

 

ثالثاً:  على صعيد مؤسّسات الكنيسة والدولة

لا دولة دون مؤسّسات. وهذه لا بدّ منها للحياة الإجتماعيّة. وللمؤسّسات أهداف وغايات ترمي إلى تنظيم حياة المواطنين وفق قواعد ونماذج معروفة، تساعدهم في حياتهم ضمن الدولة. يقول التعليم المسيحيّ الكاثوليكيّ: «على العلمانيين، فضلاً عن ذلك، أن يجمعوا قواهم، ويحملوا إلى المؤسّسات، وظروف الحياة في العالم، عندما تستدرج إلى الخطيئة، ما ينظّفها تنظيفاً مقبولاً، لتصبح كلّها متوافقة وقواعد العدالة، وتساعد على ممارسة الفضيلة، بدلاً من أن تقيم في وجهها الحواجز.

وبفعلها هذا، فهي تُدخل قيمة أدبيّة على الثقافة والأعمال البشريّة».

و«العلمانيون بامكانهم أن يشعروا أيضاً بأنهم مدعوون، أو مستدعون، لمعاونة رعاتهم في خدمة الجماعة الكنسيّة، لنموّ هذه الأخيرة وحياتها، فيمارسون خدمات مختلفة كلّ الإختلاف، وفق النعمة والمواهب التي يحسن للربّ أن يضعها فيهم».

«يستطيع المؤمنون في الكنيسة أن يساعدوا وفق الحق في ممارسة سلطة الإدارة. وهكذا بحضورهم في اللجان الخاصة، ومجامع الأبرشيّات، واللجان الراعويّة، وفي ممارسة المهمة الراعويّة في إحدى الرعايا، والمساعدة في لجان الأعمال الاقتصاديّة، والمشاركة في المحاكم الكنسية».

وكلّ جماعة بشريّة هي في حاجة إلى سلطة تتدبّر شؤونها. وهذه السلطة تجد جذورها في طبيعة الإنسان. وهي لا بدّ منها لوحدة الأمّة. ويقوم دورها على تأمين الخير العام للمجمتع، على قدر الإمكان.

والسلطة التي يتطلبها النظام الأدبيّ تأتي من الله. يقول بولس الرسول: «ليخضع كلّ إنسان للسلطات العليا، فلا سلطة إلاّ من الله، والسلطات القائمة هي من تدبير الله. فمن يجابه السلطة يقاوم تدبير الله. والذين يقاومون يجلبون العقاب على أنفسهم».

وبإمكان العلمانيين أن يؤدّوا خدمات جلّى للدولة بانخراطهم فيها، وممارسة ما يوكل إليهم من وظائف ومهام، فيقومون بها من وجه الدّقة والضبط، ويخدمون مواطنيهم أحسن خدمة بإنجازهم ما لهم من معاملات، واكتفائهم بما تضمنه لهم الدولة من رواتب.

وقضايا الرشوة والبخشيش وما سوى ذلك من أساليب موروثة عن العهد التركي ولا يزال يعمل بموجبها بعض الموظّفين.

والخطيئة، يقول تعليم الكنيسة الكاثوليكيّة، «تحمل الناس على التواطؤ فيما بينهم، وتجعل الشهوة، والعنف والظلم، تبسط ملكها عليهم. والخطايا تستدعي حالات إجتماعيّة ومؤسسات تخالف الجودة الإلهيّة. و«بنى الخطيئة» هي تعبير عن الخطايا الشخصيّة ونتيجتها. وهي تستحث ضحاياها على ارتكاب الشرّ بدورها. وهي تشكّل، عن طريق المشابهة، «الخطيئة الإجتماعية».

والموظّف إنّما هو موظّف ليقوم بخدمة معيّنة ترشده إليها الأنظمة والقوانين. وهو بالتالي في خدمة المواطنين ليقضي لهم أمورهم، وفقاً للقوانين المحدّدة. ولكنّه إذا تجاوز القوانين، وظلم الناس فهو مسؤول إذذاك أمام ربّه وضميره، قبل أن يكون مسؤولاً أمام القوانين والرؤساء. فهو في خدمة المواطنين، وليس للتعالي عليهم.

 

وواجب الطاعة يفرض على الجميع أن يؤدّوا للسلطة الإكرام الواجب لها، وأن يحيطوا الأشخاص الذين يمارسونها بالإحترام، وفق ما لهم من فضل، وبعرفان الجميل، والحسنى. وقال البابا اكليمنضوس الرومانيّ في صلاة له من أجل الحكّام: «أعطهم يا ربّ، الصحة، والسلام، والوفاق، والإستقرار، ليمارسوا دونما خلل السلطة التي منحتهم إيّاها. أنت، أيها السيّد السماويّ، ملك الدهور، تعطي أبناء البشر المجد، والقدرة، والإكرام، والسلطة على شؤون الأرض. دبّر، يا رب، مشورتهم، وفق ما هو خير، وما ينال رضاك، لكيما إذا مارسوا بتقوى وسلام ودماثة خلق، السلطة التي أعطيتهم إيّاها، يجدوك عطوفاً».

لا شكّ في أنّ الدولة يعتورها عراقيل كثيرة متأتية عن سوء أداء القيّمين عليها وعن سواهم. وكلٌّ يريد أن يستغلّها لمصلحته الخاصة. وهي تجب أن تكون للجميع دونما تفرقة. وهي من طبعها يجب أن تسعى إلى رعاية جميع المواطنين دونما استثناء، فتشجّع المخلصين لها، العاملين على تحقيق مصالح الشعب، وتكافئهم، وتعاقب المتوانين في خدمتها أي خدمة الناس، وتقاصّهم. ولا تستقيم أهدافها، إذا كانت لا تحرص على مصالحها، وتترك القيّمين عليها يستغلّونها لمصالحهم الخاصة. يقول المجمع المسكونيّ الفاتيكانيّ الثاني: «هذه الجماعة السياسيّة (أي الدولة) وُجدت للخير العام، الذي يبرّر وجودها ويضفي عليها المعنى الكامل، ويمكنه تتبع حقوقها الخاصة. ويشمل الخير العام أوضاع الحياة الإجتماعيّة برمّتها، التي تسمح للأفراد والعائلات والجماعات بأن يكتملوا بطريقة أوفى وأسهل».

 

غير أن الناس الذين تضمّهم الجماعة السياسيّة متعدّدون، ومتنوّعون، ويستطيعون أن يميلوا إلى آراء مختلفة. وبما أن لكلّ واحد رأياً خاصاً، كان لا بدّ من سلطة تقدر على توجيه قوى الجميع، نحو الخير العام، وتحول دون تفكّك الجماعة السياسيّة، لا بطريقة إستبداديّة أو آلية، بل تعمل كقوّة أدبيّة، تجد في الحريّة ومعنى المسؤوليّة سنداً لها».

«ومن الواضح تماماً أن أساس الجماعة السياسيّة والسلطة العامة هو في الطبيعة البشريّة. وكلتاهما مرتبطتان بنظام حدّده الله.

غير أن تحديد نوع الحكم السياسيّ، وتعيين القادة، متروكان لحرية المواطنين وإرادتهم».

ويتابع المجمع قائلاً: «ينتج أن ممارسة السلطة السياسيّة، في الجماعة نفسها أو في الأجهزة التي تمثّل الدولة تتمّ دوما ضمن حدود النظام الأدبيّ ومن أجل المصلحة العامة، التي نتصوّرها بطريقة ديناميكيّة، ووفقا لنظام قانونيّ وُضع، أو يجب وضعه، بطريقة شرعيّة. فالمواطنون مجبرون حينئذ على الطاعة، ومن هنا تنشأ، دون شك، مسؤوليّة الذين تسلّموا مقاليد الحكم وعظمتهم ودورهم».

 

وهناك قول جار يلفت النظر إلى حالة الفقراء فيقول: «إن البطون الخاوية لا تسمع». وهذا صحيح. وأكثر الثورات التي قامت في العالم مردّها إلى حالة الفقر التي يتخبّط فيها الفقراء على وجه الإجمال، ويستجيرون للخروج من حالتهم، وليس من مجير، فيلجأون إلى العنف، وهو مدمّر.

وقد لفت قداسة الحبر الأعظم البابا بندكتوس السادس عشر النظر، في رسالته التي أصدرها في الأول من كانون الثاني من هذه السنة في مناسبة الإحتفال بيوم السلام العالميّ، إلى الفقر في العالم، فقال: «هناك مكان ثالث هو موضع إنتباه في برامج كفاح الفقر، ويُظهر الحجم الأدبيّ الباطنيّ لهذه الآفة، وهو فقر الأولاد. عندما يضرب الفقر إحدى العائلات، فالأولاد هم ضحاياه السريعة العطب: إن نصف الأشخاص الذين يعيشون في حالة فقر هم اليوم تقريباً من الأولاد. واعتبار الفقر، بوضع أنفسنا إلى جانب الأولاد، يقود إلى الأخذ بعين الإعتبار كأولويات الأهداف التي تهمّهم مباشرة كمثل العناية بأمهات العائلات، والعمل التثقيفيّ، والوصول إلى التطعيم، والعناية الصحيّة، ومياه الشرب، والمحافظة على البيئة، وخاصة، الإلتزام بالدفاع عن العائلة، واستقرار العلاقات في داخلها. وعندما تضعف العائلة، يقع الضرر، دونما شك، على الأولاد. وحيثما لا حماية لكرامة المرأة، فالذين يتحمّلون العواقب هم الأولاد أولاً ودائماً».

 

وينهي قداسته هذه الرسالة بالقول: «إن البابا يوحنا بولس الثاني في رسالته السنة المائة حذّر بالنسبة إلى الفاقة من «تطليق العقلّية التي تعتبر الفقراء ـ أشخاصاً وشعوباً – كعبء، وكمزعجين يزعمون أنّهم يستهلكون ما ينتجه الآخرون. إنّ الفقراء – على ما كتب – يطالبون، عن حقّ، بنصيبهم من الخيور الماديّة، وبوضع إمكانيات العمل، لديهم لكي يوجدوا عالماً أكثر عدالة، وأكثر إزدهاراً، بالنسبة إلى الجميع. وفي الواقع المعولم الحاليّ، يبدو دائماً بوضوح أكبر أنّ السلام لا يُبنى إلا إذا تأمّنت للجميع إمكانيّة نموّ معقول: عاجلاً أم آجلاً، في الواقع، يجب على الجميع أن يدفعوا نتائج إعوجاج الأنظمة الجائرة. إنّ بإمكان عدم الإدراك وحده أن يقود إلى بناء بيت مذهّب وحوله صحراء مقفرة. إن العولمة وحدها لا يمكنها أن تبني السلام، وخلافاً لذلك، في أحوال عديدة، إنّها تتسبب بانقسامات وصراعات. وهذه تكشف بالأحرى عن حاجة: وهي حاجة التوجّه إلى هدف تضامن عميق يريد الخير لكلّ من الناس ولهم جميعاً. يجب إعتبار العولمة، بهذا المعنى، مناسبة مؤاتية لتحقيق شيء هامّ في كفاح الفقر ووضع الموارد، التي كان حتى اليوم يصعب تصوّرها، في تصرّف العدالة والسلام».

والعالم يعاني اليوم من الخلل في النظام المالي الذي يسوده. وهناك خسائر كبيرة جدًّا أصابت بعض البلدان، ومنعتها من التقدّم المرتجى، وهي تتخبّط اليوم في أزمة كبيرة لا تعرف كيف تخرج منها. وهذا ما يتسبب بعجز يعوق مثلا محاربة الأمراض المنشرة في أحد البلدان.

 

وقد لفت قداسة البابا بنديكتس السادس عشر في رسالته في مناسبة يوم السلام العالميّ لهذه السنة إلى وجوب محاربة الأمراض المستشرية بقوله: «هناك مصدر آخر للقلق، وهو الأمراض المستشرية، مثلاً، الملاريا، والسلّ، والسيدا، التي، بقدر ما تضرب قطاعات السكان المنتجة، تؤثّر تأثيراً كبيراً على تضخيم أوضاع البلد العامة. والمحاولات للجم عواقب هذه الأمراض على السكان، لا تبلغ دائمًا نتائج كبيرة. وقد يصدف، علاوة على ذلك، أن البلدان التي وقعت ضحيّة هذه الأمراض المستشرية، يجب أن تحتمل، لمواجهة هذا الأمر، إبتزاز الذين يشترطون المساعدات الاقتصادية بانتهاج سياسة تضاد الحياة. ومن الصعب خاصة محاربة السيدا، التي هي سبب مأساوي للفقر، إذا كانت الإشكاليات الأدبيّة المرتبطة بانتشار الداء لا تواجه. يجب أولا أن توضع موضع العمل الحملات التي تعلّم، خاصة الشباب، مبادئ جنسية تتفق وكرامة الإنسان، ومبادرات تمت في هذا المجال وحققت نتائج مهمّة، بتخفيضها إنتشار المرض. ويجب بعدئذ أن توضع في تصرّف الشعوب الفقيرة أدوية وعناية ضروريّة، وهذا يفترض إلتزاماً قويًّا لمصلحة البحث الطبّي، واستنباطات علاجية، وتطبيقاً مرناً، عند الحاجة، لقواعد عالميّة تسيّر الملكيّة الفكريّة، لكي تُضمن لكلّ الناس العناية الصحيّة الأساسيّة الضروريّة».

 

الخاتمة

حدّد الفلاسفة الإنسان بقولهم عنه: «إنّه حيوان ناطق». فإذا حُرم وظيفة النطق، فلا يبقى منه إلا الحيوان. طبعاً هناك أناس لا يقوون على الكلام كالخرس والبكم ومن أصيبوا بعاهة أو مرض منذ ولادتهم أو بعدها. وهم لم يفقدوا صفتهم الإنسانيّة. وهذا يعني أن الإنسان زيادته أو نقصه في التكلّم، على ما يقول الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى. ولا يدلّ على رحجان عقله أو خفّته، وما لديه من ثقافة أو ما أصابه من جهل، إلاّ كلامه. وإليكم ما يقول القديس يعقوب في اللسان: «إنّ السفن، مهما كانت ضخمة، والرياح شديدة تدفعها، فإن دفّة صغيرة جدّاً تقودها إلى حيث يشاء الربّان. وكذلك اللسان، مع أنه عضو صغير، فهو يفاخر بأمور عظيمة. وها إن شرارة صغيرة تحرق غابة كبيرة! واللسان أيضاً نار، إنّه عالم الأثم. اللسان جُعل بين أعضائنا، وهو الذي يلّوث الجسد كلّه، ويُلهب عجلة الحياة، وتلهبه جهنم. فكلّ جنس من الوحوش، والطيور، والزحافات، والحيوانات، البحرية، يمكن إخضاعه، ولقد أخضعه الجنس البشري. أمّا اللسان، فلا يستطيع أحد من الناس أن يُخضعه. إنّه شرّ متقلّب، ممتلئ سمًّا مميتًا. به نبارك الرب الآب، وبه نلعن الناس، الذين صُنعوا على مثال الله. من الفم الواحد تخرج البركة واللعنة، فلا ينبغي، يا إخوتي، أن يكون الأمر هكذا. هل يفيض الينبوع بالعذب والمرّ من مجرى واحد؟ وهل يمكن يا إخوتي، أن تؤتي التينة زيتوناً أو الكرمة تيناً؟ كذلك الينبوع المالح لا يمكنه أن يؤتي ماء عذباً.

 

وفي هذه الأيام لا نسمع إلا ألسنة تنطلق على هواها، دون رقيب أو حسيب، وهي تحمل ما لم يألفه اللبنانيون من ذي قبل، من كلام مقذع، وألفاظ تحقيريّة، ومفردات تنحدر بالناس إلى مصاف الحيوانات. وهذا مخز ومخجل. وهذا دليل على انحدار في الأخلاق، ونفوس ملأها الحقد، وفتكت بها الضغينة. والكتاب المقدّس يقول: «الإنسان الغضوب يثير النزاع، والرجل المتسّخط كثير المعاصي».

وليس بخاف على أحد من اللبنانيين أن الظرف الذي نعيش فيه هو ظرف عصيب، يقتضي له الكثير من الوعي والمرونة، وأخذ النفس بالشدّة، وضبط الألسنة عن كلام السؤ، وأن هناك من يتربصّون بوطننا، ويتحيّنون غفلة منا، لينقضوا عليه، ونحن لاهون عن ذلك، إن لم يكن من بيننا من هم ضالعون، ولا يهمّهم من الأمر إلا تبؤّ مناصب عالية في السلطة، ولو كان ذلك على جثث الضحايا، وأشلاء البلد.

 

ولنسأل الله، بشفاعة والدته البتول، أن ينير منا العقول، ويفتح العيون، ويهدينا سواء السبيل، لنُقبل على بعضنا البعض بالمحبّة، بحيث يصحّ فينا ما كان يقوله الوثنيون عن المؤمنين الأولين في بدء المسيحية: «أنظروا كم يحبّ بعضهم بعضاً». ولنستمع إلى ما يقوله القديس بطرس في رسالته الثانية: «وكما كان في الشعب أنبياء كذّابون، كذلك أيضاً سيكون فيكم معلّمون كذّابون، يدسّون بدعا مهلكة، وينكرون السيّد الذي افتداهم، فيجلبون على أنفسهم هلاكاً سريعاً».

ولنلتفت إلى العذراء مريم، سيّدة لبنان، لنسألها، أن تبسط ذراعيها على هذا الوطن وأبنائه، وترعاهم بعين العناية والعطف، وتكون حاميتهم، وإلى جانبهم، في ما يتهدّدهم من ضيق ومخاطر. فهي الشفيعة المشفعّة، وأم السيّد المسيح، وأمّنا الرؤوم التي تعوّد آباؤنا وأجدادنا أن يلجأوا إليها إبّان المحن والملّمات، وما خيّبت يوماً رجاءهم. تحقيقا لما قيل فيها: «من كان للعذراء عبداً، فلن يدركه الهلاك أبداً».

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل