التطبيع المبطّن من العملاء إلى العمّال

لم يستسلم النّظام السّوري بعد لإرادة بناء الدّولة. فلا هو يريد أن يبني دولة، ولا يريد أن يتعامل مع لبنان كدولة. جلّ ما يريده من لبنان هو صفة العمالة فقط. يريد فقط من لبنان العملاء معه والعمّال له. عندما وقف أصحاب الرّأي النّافذ بقيام الدولة والمؤسسات في وجه الذين أرادوا التّطبيع تحت الذرائع الاقتصاديّة والأمنيّة ونجحوا، عاد اليوم العملاء ليطرحوا الموضوع عينه إنّما بطريقة مبطّنة. فهل يتمكّنوا من انتزاع في لبنان ما فشلوا في انتزاعه من شرعيّة لدولتهم في النظام العالمي؟

منذ تاريخ تأسيس الجمهورية اللبنانيّة وحتى استلام حزب البعث الحكم في سوريا، سادت العلاقات توازنات مختلفة، لكنّها بقيت ضمن إطار الدولتين. أمّا بعد استلام البعثيّين الحكم في سوريا وإطلاقهم نظريّة القطر العربي والرّسالة الخالدة، وما إلى هنالك من نظريّات ليبرّروا بها استيلاءهم على الدول التي تحيط بسوريا تحت ذرائع العروبة ومحاربة العدو الاسرائيلي، لكن ليس في الأراضي السوريّة التي يحتلّها منذ قرابة العقود الخمسة، أي منذ العام 1967، تغيّر المفهوم السوري في النّظرة إلى الكيان اللبناني الذي اعتبره خطأ جغرافيًّا نتج عن سايكس-بيكو ووجب ضمّه إلى القطر السّوري الكبير.

هذه هي نظرة النظام البعثي إلى لبنان ولم تتغيّر، بل تمّ إسقاطها في العام 1975 بدماء الشّهداء الأبرار، وفي العام 1990 باتّفاق الطائف الذي أسكت المدفع آنذاك ووثّق تنظيم العلاقات اللبنانيّة- السوريّة. لذلك، تمّ تقويضه ومنع اللبنانيّين من تطبيقه؛ وصولا حتّى يوم الجلاء الأخير، يوم 26 نيسان 2005، إذ انسحب السوريّون أذلاء من لبنان، ولم يستطيعوا تحقيق مرادهم.

أمّا بعد ذلك، لم يستسلموا، فهم عادوا إلى لبنان عبر بوّابة النّزوح إزاء حربهم مع نظامهم المجرم في سوريا لتحقيق الدولة الانسانيّة التي يطمحون إليها. ويعلم جيّدًا النظام السوري أنّ لبنان شارل مالك، الذي شارك في وضع الاعلان العالمي لحقوق الانسان، والذي سنّ القوانين الدوليّة للحفاظ على قيمة الحريّة الشخصيّة والكيانيّة في لبنان والعالم؛ هذا اللّبنان، لن يتعامل مع ملفّ النّازحين السوريّين بكيديّة بل بإنسانيّة.

إلا أنّ المشكلة الأبرز وقعت في استغلال بعض الساسة اللبنانيّين المنتفعين من أموال الدول المانحة والذين تمّ استغلالهم بدورهم كعملاء للنظام السوري لفرض تطبيع مبطّن مع هذا النظام. وما قامت به القوات اللبنانيّة بوساطة وزير العمل، كميل أبو سليمان من سنّ قوانين للحفاظ على اليد العاملة اللبنانيّة ولتنظيم العمالة الأجنبية، وبما فيها السورية أثار حفيظة هذا النظام وعملائه.

وما انسحاب الوفد السّوري، وتبرير هذا الانسحاب من قبل العملاء بأنّه ليس الوفد السوري الذي انسحب بل جزء منه ليس إلا بأمر من النظام السوري لتبرير ما قام به أمام المجتمع الدولي. وبالطبع هذا عذر أقبح من ذنب لأنّ المجتمع الدولي بات يدرك أكثر من لبنان مدى خطورة ملف النازحين وتأثيره على الاقتصاد اللبناني. وبات يدرك أيضًا أنّ هذا النّظام لا يريد عودة أبنائه. وأسباب ذلك عرقيّة إثنيّة أصوليّة واضحة لأنّ هويّة هذا النظام وأهدافه أنصع من الشّمس.

نطمئن هذا النظام وعملائه وصحافته الصّفراء بأنّنا لن نألوا جهدًا في صدّه من أيّ بوّابة حاول العودة منها لقضم لبنان من جديد. فلا دبّاباته أرهبتنا، ولا نظامه الأمني أخافنا، ولن نسمح لعملائه بالانقضاض على دولتنا. فليعلم هؤلاء كلّهم بقدّهم وقديدهم، لن ينالوا من لبنان الدّولة، ولا من لبنان الجمهوريّة القويّة، ولا حتّى من لبنان الكيان الذي ثبّتناه بعرق ودماء آبائنا وأجدادنا. ومحاولاتهم هذه لانتزاع التّطبيع بحجّة العمالة الأجنبيّة بالتّعاون مع العملاء لن تنطلي على أحد، لا سيّما بوجود وزير للعمل يعلم ما في النّوايا والخبايا ويعرف جيّدًا تطبيق القوانين، بكلّ إنسانيّة ووطنيّة، ومن دون أيّ كيديّة اعتادوا هم وعملائهم وحدهم على تطبيقها.

لن نخضع للتطبيع المبطّن هذا مهما كانت الظّروف. وسنواجهه بكلّ ما أوتينا من قوّة في القانون لأنّنا أبناء الدّولة والقانون والجمهوريّة القويّة. وهنيئًا للفرحين برتبة العمالة للنّظام المجرم الذي قتل أطفاله بالبراميل المتفجّرة. ومن لا يحترم لبنان الدولة بسيادتها وكرامتها لا يحاولنّ بعد اليوم قرع باب العلاقات المميّزة أو حتّى العاديّة والدولية والمتعارف عليها في الأعراف العالمية؛ وعندما يحظى هذا النظام بشرعية سوريّة يستمدها من شعبه كلّه، وبشرعيّة عربيّة يستمدّها من محيطه الاقليمي كلّه من المحيط إلى الخليج، وبشرعية دوليّة تحت مظلة الأمم المتّحدة؛ عندها فقط، فليعد للمطالبة بالعلاقات مع الدولة اللبنانيّة. ومن له أذنان للسماع فليسمع.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل