باسيل في بشري… “لا زوم إن ولا زوم آوت”

وهكذا قرر سندباد الحكومة اللبنانية، الوزير جبران باسيل أن يحطّ رحاله هذه المرّة في قضاء بشري. عظيم، هو لبناني وهذه أرض لبنانية مفتوحة ابوابها لكل الناس بطبيعة الحال، والاهم هذا قضاء القديسين ومغاور النساك، فوق يسكن الله في وادي قنوبين، وفوق يتماهى الارز مع السماء بشموخه وعبقه. وفوق، فوق حكايات وحكايات عن مدن وقرى ومناضلين وشهداء وتاريخ عريق من تاريخ الموارنة.

هذا قضاء يفتح ذراعيه للضيف قبل أهل الدار، ويأوي المحتاج، ويزرع دروبه ورودا لضيوفه، لكن المفارقة ان دروب القضاء هذه المرة لم تنزل ورقة ورد واحدة ترحيباً بالضيف. لن نسأل لماذا اختار باسيل تلك المنطقة بالذات بزيارة اليها، وان كنا في ميرنا نعرف الاجابة كاملة، لكن لا بأس، ربما كان عليه ان يستكشف فعلا المكان ليصل الى الحقيقة المطلقة، وليلمس لمس الحضور واليد، ان ليست كل الامكنة متشابهة في اعلان حقيقتها. هو يعلم ان القوات اللبنانية في كل مكان كما في قضاء بشري، لكن بعض الاماكن تعلن بصراحة أكثر من سواها عن حالها كما حصل في القضاء، السبت الماضي، سواء اعترف باسيل ام لا، لكن العالم كله شهد على ما حصل. شو صار فوق السبت الماضي؟

بدأت الاشكالية من لحظة تعليق اللافتات المرحبة بالضيف، اذ عُلِق عدد كبير منها من دون علم غالبية رؤساء البلديات، ما اضطر النائب ستريدا جعجع للتدخل والتوجه بالسؤال لمحافظ الشمال رمزي نهرا عن قانونية اللافتات، فجاء الرد بأن لا علم له بالأمر. وبعدما صدر بيان عن نائبي بشري، خرج إذن بخط اليد من محافظ الشمال، يوم السبت من بعد الظهر، موقّع بتاريخ يوم الجمعة، يؤكد الترخيص، وتمّ إرساله عبر “واتساب” للمعنيين في الوقت الذي عمد فيه بعض رؤساء البلديات الى ازالة اللافتات غير المرخصة التي علقت تسللا في شوارع القضاء، بينما بقيت اللافتات المرخصة ولم يمسها اي سوء.

دخل جبران باسيل قضاء بشري فاتحا! دخل مدججا بنحو ثلاثين سيارة سوداء مصفحة، وعدد أكبر من المرافقين والحرس والقوى الامنية المدججة بأسلحتها، باعتبار أنه يدخل منطقة حربية وعليه ان يحقق فيها فتحا عسكريا مكللا بغار النصر. هذا قضاء بشري يا معالي الوزير، قرى ومدن آمنة جميلة قريبة من روح السماء، اهلها فلاحون بناؤون طلاب حرفيون صحافيون بائعون، اهل الرب على الارض يا رجل وليست الاندلس وانت الفاتح الكبير!

نقول لا بأس، اخترق اذاً موكب الوزير اللامتناهي قرى القضاء، حدشيت قنات بلوزة… ولم تقع وردة على زجاج عابر في شوارعها الضيقة، وقف الناس في بيوتهم يراقبون باستغراب، منهم من وضع اغاني القوات اللبنانية كمن يوجه رسالة للضيف ان هنا القوات يا شب، وليست جبهة جبهات، هنا جبهة الحب والضيافة والشجاعة وايضا البساطة، من يتكبّر على اهل الارض لا يلمحهم اهل السماء، تواضع وهدّي البال!

بدأت اذاً الزيارة المقررة للوزير النشيط، وها هو يقف في قنات ويلقي خطابه ببعض قليل قليل جدا ممن تجمعوا للقاء، ومن بينهم كهنة لبوا الدعوة انطلاقا من انهم كهنة للجميع، ولكل الرعايا. وقف باسيل وسط الجماهير “الغفورة”، وأعلن ما هو مناقض كليا لما كان قاله قبل نحو الشهر في تنورين إذ أعلن هناك فخره الكبير بانه لم يأتِ من الميليشيا بل من الجيش، بينما في قنات أعلن “فخره” بالشهداء من اهل البلدة الذين سقطوا دفاعا عن قنات والشمال “لنعيش نحن”!

لعله لا يعلم ان من دافع عن قنات كانوا 17 شابا ضد السوري والفلسطيني المسلح، وكان قائد تلك الفرقة آنذاك، شاب ضحى بكل شيء، كل شيء لأجل وطنه، هو سمير جعجع، ليكبر جبران باسيل والالاف مثله في وطن حر، ولتدور الايام دورتها ويضحّي الرجل اياه بترشيحه الشخصي الى رئاسة الجمهورية ليدعم ميشال عون، وليأتي صهره في ما بعد ويلقي خطاباته الرنانة المتغيرة بحسب المكان والزمان!

لم تقف الامور هنا. حلّ باسيل ضيفا على السيد وليام طوق، اذ عدا عن ان المضيف وجّه دعوة لأربعمئة شخص من المقربين اليه لحضور وليمة العشاء، فلم يلبِ الدعوة اكثر من 150 شخصا، ما اضطره لإزالة عدد كبير من الكراسي، وجّه باسيل، امعانا منه، سهامه الى “القوات اللبنانية”، وتناغما مع صديقه وليام طوق، شكرا خاصا الى “سيد” الانماء في المنطقة، كما اطلق عليه، متجاهلا بطبيعة الحال، جهد نواب المنطقة في انمائها على مدى اربعة عشر عاما، وتحديدا النائب ستريدا جعجع، كمن يلعب على وتر انتقام مزدوج مع السيد طوق الذي رسب في الانتخابات النيابية الاخيرة، فقرر انه عبر باسيل سينتقم، إلا أنه بدا انتقاماً ساذجاً لم يعره المعنيون أي اهتمام.

هذه كانت واحدة من النوايا الكثيرة المبيتة في أهداف الزيارة، التي كان من المفترض ان يختمها في شكا بلقاء جماهيري موسع، واذ يفاجأ الوزير بألا حضور يذكر في المكان، ما اضطر مرافقيه وبعض من شباب التيار، للإسراع والاتصال بمناصرين من الاقضية والمناطق المجاورة، واستدعائهم للحضور على عجل، ما اخّر اللقاء ساعات.

يبقى ان الهدف من كل ما ذُكر، ليس التصويب على زيارة جبران باسيل بحد ذاتها، كما حاولت ان توحي مقدمة التلفزيون البرتقالي، التي “هلّت” علينا بمقدمة نارية لا علاقة لها لا بالإعلام، ولا بالمناقبية الصحافية، ولا حتى بأدنى مستويات الموضوعية والحقيقة. مقدمة كل ما فيها استهداف مباشر مجاني للقوات اللبنانية ولستريدا جعجع، ولا يهم، نقرأ ونمشي والجبين عال عال جدا.

الهدف اذاً وضع الامور في نصابها في وجه منظومة اعلامية لا عمل لها سوى اختلاق الاكاذيب حول القوات اللبنانية. زيارة باسيل التي اقل ما توصف بالكارثية شعبيا واعلاميا، لعله كان على الوزير الا يضعها تحت مجهر الاعلام، لربما كان “نجا” من التعليقات الكثيرة الساخرة غالبا، الغاضبة احيانا، المستاءة جميعها من خلفية الزيارة التي من الواضح انها جاءت للتحدي والزكزكة، لا محبة بالمكان واهله. لكن احيانا رسائل الرب تكون مباشرة في ارضها، اذ من تكبّر بموكبه الهائل على اهل المنطقة، عومل بنفس الاسلوب فكان نكران الناس له، وهذا ليس بالأمر الجميل بالطبع، اذ ما تعوّد الناس فوق الا على الترحيب الحار وحسن الضيافة، لكنه ثمن الاستكبار على المتواضعين الكبار بحب الارض.

كتب أحدهم على فيسبوك “قلنالك بلا هالطلعة” ونعيد، اما كان الافضل عدم ادراج تلك الزيارة تحديدا في دفتر المواعيد، على الاقل لنبقى نصدّق انه احيانا عن جدّ انت تحظى باستقبالات حارة هناك او هنالك، من دون رتوش الاعلام، وزوم إن للكاميرا والزوم آوت!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل