كيف تُسرق أثمن اللحظات؟


البلدان النامية، وكبار السن والأطفال يُحسدون اليوم. يُحسدون على نعمة التمتع بالحياة والتلذذ بلحظاتها. أما نحن، فسُلبت منا، وبملء إرادتنا. النهضة التكنولوجية سرقت من معظمنا، بأشكال مباشرة وغير مباشرة، القدرة على تذوق أبسط محطات حياتنا اليومية، وأعظمها. أبعد من ذلك، وأخطر بكثير، إذ تجعلنا يوما تلو الآخر، مسلوبي الإرادة، مغسولي الأدمغة ومعدومي التفكير.

من منا يستطيع النوم قبل تنفيذه جولة كاملة على مواقع التواصل الاجتماعي، ليسقط الهاتف مرارا على وجهه ويسيطر الاحمرار على عينيه ليستسلم بعدها للنوم؟ من منا لا يتفقد هاتفه مباشرة بعد الاستيقاظ، وكأنه سيجد رسالة مبشرة إياه بربحه جائزة اليانصيب!

تسيطر الهواتف على أنماط حياتنا لدرجة أصبحت وكأنها جزء بيولوجي من أجسامنا لا نستطيع التحرك مسافة متر واحد بدونها. نقطع كل ما نفعل لنرّد على اتصال، ونقاطع أي حديث يجري لنتابع آخر على واتساب. ماذا فعلنا بأنفسنا؟

بدل العمل على تخزين الذكريات في عقولنا، والمحاولة جاهدين لعيش اللحظات إلى أقصى الحدود والمشاركة فيها، نلجئ إلى أرشفة الأحداث عبر تصويرها أو حتى بثها مباشرة على منصات التواصل الاجتماعي، لتتلاشى بعدها بوقت قصير الذكريات في عقولنا، وتعمر زحمة “الواردات” الأشبه بمكب نفايات على مواقع التواصل.

أين الحسّ النقدي وأين المصداقية؟ أصبحنا نصدق كل ما يتم نشره عبر أشخاص مختبئة خلف شاشاتها تعرض لنا أجزاء يحلو لها أن نراها من حياتها. كمّ من الوقت يمّر بين كل تفقُّد وآخر لهواتفنا؟

أين علاقتنا الاجتماعية التي ضربناها عرض الحائط؟ أصبحنا نكتب تهنئة عبر COMMENT وتعزية عبر واتساب وموقف في STATUS؟

أين احترامنا للآخرين، واصغاؤنا لهم، ونحن نتصفح صورا وحالات على منصات التواصل؟

أين فهمنا لمبدأ الوقت، وهواتفنا تستهلك لا بل نهدر أوقاتنا بلا حسيب ورقيب؟ أين هوياتنا وتفردنا، ونحن مدموجين ومغسولي الأدمغة في منظومة لا متناهية؟

لا أقول إن لا وجود حسنات للتكنولوجيا، فها أنتم تقرؤون هذا المقال عبر الشاشات لا على الورق، لكن يحب أن نحّد سيطرة الأجهزة على حياتنا ونعود للحقيقة والواقع بعيداً عن العوالم الافتراضية.

كم أتمنى لو تعود أيام جلسات حلقات النار وسرد الأقاصيص اللامتناهية والاستمتاع بكل لحظات الحياة من دون اقحام التكنولوجيا في أية لحظة.

لكن الأمر واقع، وعلينا التعامل معه، ويجب على كل منا أن يحدد مدى الضرر الذي تحدثه الهواتف في حياته، ويعمل من هنا على اصلاح الوضع، فالنسب تتفاوت بين الشخص والآخر.

بعيداً عن التأثير الصحي، الهواتف سلبتنا إرادتنا وخصوصيتنا واستقلاليتنا. لذا علينا أن نعيدها لموقعها الطبيعي وهو خدمتنا، ولا أن نكون نحن في خدمة الهواتف.

علينا تخفيف الاعتماد على الهواتف وتكثيف الاتكال على أدمغتنا. تخيلوا إن استيقظنا يوما وكل الهواتف لا تعمل!

علينا أن نبحث عن المعلومات التي تساهم في تطوير تفكيرنا على الهواتف لا عن الغرق في ما يجعلنا أكثر سذاجة. ومن الضروري أن نتحكم نحن بمحتويات هذه الهواتف ومضمونها. من الضروري أيضا أن نغلق هذه الهواتف ونفصل أنفسنا من وقت لآخر عن شبكات الانترنت، ونستكشف العالم، أقله محيطنا ونكون على دراية بما يجري.

لقد عطلت الهواتف حواسنا كافة، وأصبحنا روبوتات بشرية، تحرم الطفولة من ملذات الحياة أي التفوق في الدراسة، الاستمتاع بالجمال الطبيعي، التلذذ بالطعام، الشعور بالحب، الانكباب على العمل، التركيز، إدارة الوقت….

ما أجمل أن يلقي الانسان رأسه على وسادته ويستعيد محطات نهاره ويخطط للغد ويتأمل بأسرار الحياة. الهواتف استطاعت أن تسرق منا القدرة على التأمل حتى القدرة على التخطيط.

لهذا أحسد كل من لم يتعرّف على هذا العالم الشبيه بالثقوب السوداء، هو الذي ابتلع ويبتلع البشرية وصولاً إلى المجهول.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل