وصلوا لل99

كتب عماد موسى في “المسيرة” – العدد 1695

وقفت سيدة كسروانية متقدمة في السن، ممن اعتدن المشاركة في قداديس  بكركي كل أحد، قرب الدرج وشرعت تراقب البطريرك صفير هو يصعد درج الصرح بنشاط  ملحوظ لا يعكس تقدمه في العمر وسمعها تقول بإعجاب ظاهر: “مين بيقول عمرك 88 سنة سيدنا؟” وكان البطرك قد وصل إلى آخر درجة صعوداً وقف للحظات مكانه وتلفت إلى الخلف وقال للسيدة المنبهرة بلهجته المحببة: “وإنتِ يا سيدة مِن تعديّن؟” وتوقف العدّ عند الرقم 99.

وكما أدهش نشاط البطريرك الراحل محط إعجاب من عرفه من قرب، فقد أدهش قادة العالم الذين التقاهم واستقبلوه بكثير من الإحترام كشخصية وطنية إستقلالية لها ما لها من صفات نادرة. وحيوية البطريرك الذهنية والجسدية وهو على مشارف التسعين وما بعد التسعين كانت نعمة وصفة في آن.

 

تخطى صفير سن مَن سبقوه مِن البطاركة الموارنة، فالبطريرك أنطونيوس بطرس خريش توفي عن عمر ناهز السابعة والثمانين، وبولس بطرس المعوشي عاش واحداً وثمانين عاماً، وأنطون بطرس عريضة تخطى التسعين بعامين. والبطريرك الياس الحويك عاش أقل من التسعين بعامين منها 34 عاما في السدة البطركية.

وفي مثل سن البطريرك صفير توفي ناسك الشخروب الأديب ميخائيل نعيمة. وفي عيد ميلاده ال98  قالوا له: “عقبال المية”، وقلت يومها وكنت حاضرا الإحتفال بعيد نعيمة في الزلقا: “لنعيمة يُقال عقبال المية وعشرين”، لكن الجسد شمعة ستذوب في يوم ما من دون سبب ولو طفت على سطح ماء. فالجرّاح العالمي مايكل دبغي طبيب رؤساء العالم توفي قبل ثلاثة أشهر من إتمامه المائة عام، وبحسب تشخيصه والوقائع الطبية لم يكن يشكو يوم وفاته من أي مرض! وأذكر أنني رافقت دبغي في “تمشاية” في حرم جامعة الLAU بانتظار تسجيل مقابلة مع الزميلة جيزيل خوري. كان هو فوق التسعين بقليل وأنا فوق الثلاثين. هو كان يمشي بخطوات واسعة وأنا أهرول إلى جانبه!

 

الأعمار المديدة (والقصيرة) في يد الله، وقد تكون بمعنى ما بيد من يحياها وبالطريقة التي يحددها. فوزير خارجية لبنان السابق فؤاد بطرس توفي وهو على مسافة خطوتين من طي قرن. كان يتبع نظاماً غذائيا دقيقاً ونشاطاً اجتماعيا منضبطاً، بخاصة بعد خروجه من الحكم واكتفائه ببعض المهام الوطنية كرئاسة لجنة إعداد قانون للإنتخابات (2005). والمؤرخ نقولا زيادة صاحب الأربعين كتاباً عاش 99 عاماً ولم يضجر، لا بل كان يشعر أن العمر أفق لا يُحدّ بسنوات. وروى لي الناشر رياض نجيب الريس أن زيادة حمل إليه ذات يوم (وكان في بداية عقده العاشر) ثلاث مخطوطات كتب  لنشرها. فقال له الريس: “دكتور زيادة لن نتمكن هذه السنة من نشر أكثر من كتاب”، فعلّق زيادة: “ولا يهمك. يمكن أن تنشر كل سنتين كتابا. أنا مش مستعجل”.

وحده، ممن عرفت، الشاعر سعيد عقل، تخطى حاجز المائة بعامين. فعاش متقدما بين الشعراء ومات متقدما على الأموات. ووحده البطريرك الماروني ما نصرالله بطرس صفير مات قبل أن أعرف منه ما أحببت أن أعرفه.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل