الموازنة التي اقرت في مجلس الوزراء، وبدأ تدقيقها في لجنة المال والموازنة، كشفت الغطاء عن عورات الحكم والحكومة، وفتحت الباب امام جميع اللبنانيين، على اختلاف وظائفهم، ليتمردوا على قرارات الحكومة، التي اكتفت بالتفتيش عن الغث من الموارد لسد جزء من عجز الموازنة، وتجاهلت السمين من الهدر والمحسوبيات، القادر وحيداً على سد العجز كاملاً، واعادة الملاءة للخزينة، ولذلك تشهد شوارع العاصمة بيروت وساحاتها ومؤسساتها الرسمية تظاهرات الغضب على مد يد الدولة الى جيوب الاكثرية الكبيرة من اولاد الحكومة، العمال منهم والموظفون والعسكريون والقضاة والاساتذة، والمتقاعدون، والاطباء واصحاب المستشفيات والصناعيون والمزارعون والتجار، والمرضى والمعوّقون، والتقرير الذي اصدرته المفوضية الاوروبية عن الوضع اللبناني، والذي على ما يبدو تم التعتيم عليه، يشير بوضوح الى ان الحكومة اللبنانية «لم تقارب الاصلاحات الهيكلية التي التزم بها لبنان»، كما ان وكالة «ستاندر اند بورز» بعدما اجرت اكثر من اتصال مع مسؤولين ووزراء، اكدت ان «الوكالة تحتفظ بشكوك واسعة بقدرة لبنان على الالتزام بتطبيق الاصلاحات….»، والوكالتان «موديز واند بورز» تدركان ان «لبنان يقف على منعطف خطير نقدياً ومالياً». وتتهم الوكالتان «الطبقة السياسية الحاكمة بانها ترسم سياسات وتتخذ اجراءات غير موثوقة محلياً ودولياً».
هذا باختصار شديد ما ورد في تقرير المفوضية الاوروبية الموسع والمخيف في آن، وهو برسم الخبراء في المال والاقتصاد ممن تهمهم مصلحة لبنان للتوسع به، ووضع الحكومة والوزراء والنواب والمسؤولين امام مسؤولياتهم، بدلاً من التلهي مالياً واقتصادياً في ملاحقة الغث من الواردات من جهة، والدول في مناكفات وحروب سياسية من جهة ثانية، انسياقاً وراء معركة فتحت قبل اوانها.
هي معركة رئاسة الجمهورية، يستخدم فيها كسلاح اساسي، التعيينات الادارية، والمواقف الشعبوية، وتقديم اوراق الاعتماد لهذا الحزب او ذاك، او لهذه الدولة او تلك، وليس خافياً على احد ان هذا الوضع تسبب في فتور كبير للعلاقات بين رئيس الحكومة سعد الحريري، والحزب الاشتراكي، وحزب الكتائب، وحتى تيار المردة، كما خلق نوعاً من الحذر والقلق في علاقات الحريري بحزب القوات اللبنانية على الرغم من تأكيد الطرفين على العلاقات الاستراتيجية بين الحزب والتيار، ولكن هذه العلاقات لم تساهم كثيراً تقريب وجهات النظر حول عدد من القضايا المتعلقة بالنظرة الى محاربة الفساد، والمسار السياسي ووضع الموازنة، وفاعلية تطبيق سياسة النأي بالنفس.
ما يجعل الحكومة على قيد الحياة، هو الخوف من انهيار الدولة الى متى سيبقى هذا الخوف مسيطراً؟!