رضي القتيل ولم يرض المتفرج!

صادفت بالأمس على طريق حريصا القديمة رجلاً في العقد السادس من عمره يومىء للسيارات المارة وكان يريد الوصول الى الطريق السريع. وفي طريقنا نزولاً أخبرني أنه من بلدة معلولا وأتى الى لبنان بهدف العمل ليطعم عائلته وهو نزل مشياً على الأقدام من القليعات حيث قالوا له إن هناك مطاعم يمكن أن يوظفوه وأمضى النهار من دون أكل وينام تحت الجسر على كرتونة وهو مستعد لأن يشتغل أي شيء فقط ليحصل على أجار البوسطة لتقله الى معلولا حيث عائلته. كان يبكي ويدمع على الحالة التي وصلوا اليها وعلى بلدته معلولا التي دمرها داعش وهجّر سكانها… ومع الحسرة على ما أصابهم، كان يحسدنا كيف استطعنا الحفاظ على وجودنا في هذه الأرض.

ما يهم من هذه الرواية أن هذا الرجل الستيني المشرف على السبعين، ولأنه عانى من التهجير والقهر، بدأ يعرف قيمة ومعنى أن يكون هناك مَن يدافع عنه وعن أرضه وعائلته وكل ما يملك. عرف هذا الرجل والدمع في عينيه، أنه لو وُجد مَن لديه الشجاعة ليقاوم هؤلاء الدواعش المتخلفين المتوحشين، لكان بقي في أرضه معززا مكرماً ومهما كان الثمن الذي سيدفعه، لن يوازي أبداً ما يعانيه اليوم من بؤس وإذلال وكرامة مفقودة.

عندما هجم علينا دواعش سبعينات القرن الماضي من كل حدب وصوب ووقف في وجههم قلة قليلة بعديدها وعتادها، بهدف وحيد، الدفاع عن الأرض والوطن والشرف والكرامة، كانوا يعلمون حتى الإدراك أن الثمن من لحمهم الحي الذي سيدفعوه عنهم وعن أهلهم وعن وطنهم، على أهمية هذا الثمن وقدسيته، أفضل وأشرف 1000 مرّة من أن يشاهدوا أهلهم وأقربائهم يُساقون الى الذبح والإغتصاب وأسواق الرق، أو بأحسن الأحوال يُهجّرون من أرضهم ليطوفوا بلدان العالم على شاكلة هذا الرجل الذليل الحزين.

لكن، ويا لسخرية القدر، رضي القتيل ولم يرض المتفرج!

فبدل أن يُقدّس المستهدفون، وأنا أتكلم هنا عن معظم المسيحيين الذين بقوا في هذه الأرض بفضل أولئك الأبطال، فبدل أن يُقدّسوا الدماء التي سُفكت في أرضهم للدفاع عنها وعنهم، لم يتركوا مُحتل أو خائن إلا وتعاملوا معه ضدّ مَن دافع عنهم، في متلازمة ستوكهولمية لم يشهد التاريخ مثيلا لها. كل ذلك بحجة بعض التجاوزات الطبيعية التي كانت تحصل والتي تحصل مع أكتر جيوش العالم تنظيماً. فبايعوا مَن قصفهم ودمر بيوتهم، وتبرعوا بأموالهم لمن غرّهم وضللهم وضحك عليهم، وعندما جاء وقت الصلب، صرخوا بأعلى صوتهم، أصلبوهم أصلبوهم، كأنهم طاعون يفتك بهم، ثم عادوا وجيّروا أصواتهم لعملاء جلّاديهم!

هذا الرجل الحزين الذليل فتح عيني على جحودٍ وجشعٍ ونكران جميل وعشق عمالة وإتقان استزلام وحب خنوع… لدرجة بدأت أعي تماماً ما تعني “كما تكونون يولّى عليكم”. فلا داعي لأن نستغرب الحالة التي وصلنا إليها اليوم من فساد وأخلاق معدومة ونهب ممنهج ومجتمع متهالك وانحلال وانحطاط على كافة المستويات صعوداً ونزولاً وفي كل الميادين من دون استثناء، مع أن الفرصة سنحت مرات عدّة ليصحح الشعب المسار، لكن شعباً خضع للغزوات والفتوحات والإحتلالات على مرّ آلاف السنين، يحتاج أقله الى مئات السنين لتشفى تركيبته الجينية من جينات الخنوع والتزلف وطأطأة الرقاب ومسح الجوخ!

يبقى الأمل في تلك القلة القليلة التي نمت وكبرت واجتذبت إليها كل مَن يشبهها وغرزت جذورها في هذه الأرض الى أبد الآبدين، وهي ستبقى خطّ الدفاع الأول عن كل المجتمع، ولو أن معظم هذا المجتمع… لا يستحق هذا الشرف.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل