الجامعة اللبنانية والصراع المزمن مع “السلطة”… لمن الغلبة؟

يقترب إضراب أساتذة الجامعة اللبنانية من بلوغ شهره الثاني، فيما يستمر مصير 81 ألف طالب و7 آلاف أستاذ (ألف أستاذ في الملاك، ألف أستاذ متفرغ، ونحو 5 آلاف أستاذ متعاقد، أي في الملاك 1/7 من مجموع الأساتذة) و4 آلاف موظف، معلقا على حبال موازنة 2019 المنتظر إقرارها في مجلس النواب مطلع تموز المقبل، وما إذا كانت ستلبي مطالب الأساتذة بعدم تقليص ميزانية الجامعة والمس بحقوقهم ومكتسباتهم، أو ستدير الحكومة “الأذن الطرشاء” متحججة بسياسة التقشف والإبقاء على نسبة العجز المقدرة (7.6%)، تلبية لمطالب مؤتمر “سيدر” ومنعا للانهيار.

لم يستسغ أساتذة الجامعة، بغالبيتهم، المواقف التي أعلنها رئيس الحكومة سعد الحريري، وكذلك مواقف وزير التربية أكرم شهيب وما صدر عن وزير الخارجية جبران باسيل، على الرغم من التوضيحات والتبريرات اللاحقة، واعتبروا أنها مواقف مستفزة أدت إلى المزيد من اهتزاز الثقة لديهم. فبعدما لاحت “ليونة” معينة في الأجواء، بعد قرار الهيئة التنفيذية لرابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة بتعليق الإضراب لإعطاء فرصة للحكومة والمسؤولين بانتظار ما سيقرّ في الموازنة، عاد مجلس المندوبين وصوّت السبت الماضي في 22/6/2019 على نقض قرار الهيئة التنفيذية واستمرار الإضراب إلى حين إقرار الموازنة، شرط الالتزام بتحقيق مطالبهم وصون حقوقهم، مهددين بخطوات تصعيدية وصولا إلى الإضراب المفتوح.

رئيس رابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية الدكتور يوسف ضاهر ، يؤكد أن “اجتماع الرابطة، الاثنين الماضي، مع وزير التربية أكرم شهيب، بحضور رئيس الجامعة الدكتور فؤاد أيوب ، كان إيجابيا وبنّاء”.

ويشير في حديث إلى موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، إلى أن “الحديث استمر لنحو ثلاث ساعات مع الوزير شهيب، حول مشاكل الجامعة وأسباب انتفاضة الأساتذة وتصويتهم لاستمرار الإضراب. وأوضحنا له أن الأساتذة ليسوا غوغائيين كما يحاول البعض تصويرهم، بل هم يعبّرون من خلال هذا التصويت، للمرة الخامسة تقريبا، عن شخصية خاصة واستقلالية، على الرغم من أن البعض حزبيون ويلتزمون بأحزابهم، لكنهم عبّروا عن استقلالية ما في ما يتعلق بأمور الجامعة”.

ويكشف ضاهر عن “اتفاق ـ تسوية تم التوصل إليه مع وزير التربية، يتألف من سبع نقاط، سنحاول تسويقها من جهتنا كهيئة تنفيذية مع زملائنا الأساتذة عبر مؤسسات الرابطة، مثل الجمعيات العمومية أو مجلس المندوبين. وسيقوم الوزير بدوره بمحاولة تسويقها لدى السلطة السياسية والكتل النيابية. وفي حال وجود إيجابية حول هذه النقاط من الجهتين، سنعقد مؤتمرا صحفيا صباح يوم الجمعة، بحضور الوزير والهيئة التنفيذية ورئيس مجلس المندوبين وأمين سر المجلس، وتُعرض النقاط السبع التي يتبنى دعمها الوزير شهيب”.

ويوضح أنه “حتى ذلك الحين، إذا كان هناك توافق أو شبه إجماع بين الأساتذة حول هذه النقاط، سنقوم بتعليق الإضراب، أو بالأحرى سنقوم بتوقيف موقت للإضراب لاستكمال العام الجامعي. وفي الوقت ذاته، سنبقى على جهوزيتنا لمراقبة مجلس النواب، لأن معظم هذه النقاط بحاجة إلى إقرار في المجلس النيابي”.

ويشرح أن “أولى هذه النقاط هي موازنة الجامعة، أي إعطائها ما تحتاجه من أموال لتقوم بمهامها، وإمكانية زيادة الموازنة، في ما يخص مفاعيل القانون 46/2017 المتعلق بالسلسلة، وحقوق الأساتذة في اللجان الفاحصة والمراقبة وتحكيم المشاريع والإشراف، حيث اقتطعت منهم العام الماضي.

والنقطة الثانية المتعلقة بصندوق التعاضد، إذ تم حسم 10% منه هذه السنة. واتفقنا مع الوزير شهيب على أن يكون حسم هذه النسبة لمرة واحدة فقط، وأن يلغى من المادة 94 في الموازنة التخفيض التدريجي لمنح التعليم، وأن يتم التعويض للأساتذة بمنحهم، التي ستخفض هذه السنة 15%، من أبواب داخلية ممكنة من داخل الصندوق.

وهناك أيضا مشروع الثلاث درجات، إذ سيتقدم نواب (اللقاء الديمقراطي) بمشروع قانون جديد، اطلعنا عليه ووجدناه جيدا، وسيحاولون تسويقه أمام اللجان النيابية ودعمه في الهيئة العامة.

كما تم التوافق على تعديل المادة 90 من الموازنة المتعلقة بالحق بالمعاش التقاعدي بعد الخدمة 25 سنة، إذ أضيفت فقرة بالنسبة للجامعة اللبنانية، بحيث يحق لمن يخدم 20 سنة فقط في الجامعة بالحصول على تقاعده. وكذلك المادة 78 التي تمنع التوظيف، تم استثناء الجامعة اللبنانية منها.

أما في ما يتعلق بالمادة 83 التي تمنع تقاضي معاشين. نحن موافقون عليها، لكن لدينا مشكلة، أنه حين يخرج الأستاذ الجامعي على التقاعد في سنة الخدمة الأخيرة، ربما يخرج في منتصف السنة أو يكون لديه شهر أو شهرين مثلا لانتهاء العام الجامعي، فيما يكون يتولى تدريس مواد عدة. وكي لا يحرم الطلاب من استكمال هذه المواد، فلنترك هذا الأستاذ ليكمل التدريس إلى نهاية العام الجامعي، حتى ولو كان يقبض خلال هذه الفترة القصيرة معاشين، المعاش التقاعدي ومعاشه في الجامعة. واستجاب الوزير شهيب لهذا المطلب، وهو ليس صعب التحقيق لأن فترة الازدواجية في المعاشين قصيرة (شهرين أو ثلاثة كمعدل وسطي).

وفي ما يتعلق بملفي التفرغ والملاك، طالبنا، وبحضور رئيس الجامعة، بالاستعجال في إخراج هذين الملفين من مجلس الجامعة إلى مجلس الوزراء. وبالنسبة لملف التفرغ، كنا طالبنا رئيس الجامعة بالعمل كي يخرج هذا الملف متوازنا على المستوى الطائفي بين المسيحيين والمسلمين، لكي ينال حظوظا أوفر للإقرار في مجلس الوزراء.

كما أكدنا على ضرورة إجراء الانتخابات الطلابية في الجامعة، لأن مجالس الطلاب مر عليها عشر سنوات تقريبا، وهي عبارة عن أمر واقع أكثر مما هي نتيجة انتخابات ديمقراطية”.

ويطمئن ضاهر عبر موقع “القوات”، إلى أن “الوقت لم يفت للتعويض على الطلاب فترة التأخير بسبب الإضراب. فإذا عدنا إلى التدريس الأسبوع المقبل، أمامنا مهلة شهر، ورئيس الجامعة أيوب قال إنه يمون على الموظفين بأسبوع إضافي من شهر آب. وأعتقد أنه خلال هذه الفترة، معظم الكليات تنهي برامجها، علما أن بعضها بحاجة إلى أسابيع فقط، مثلا في الإعلام 3 أسابيع كما صرّح الدكتور هاني صافي، وفي الحقوق أيضا”.

ويشير في السياق ذاته، إلى أن “بعض الكليات خرقت الإضراب ولم تلتزم كليا للأسف وأكملت برامجها، وهذه لا مشكلة لديها. أما بعض الكليات الأخرى فقد تعاني قليلا، مثل كلية الهندسة ـ الفرع الأول حيث أنا وزميل آخر في الهيئة التنفيذية، والتي التزمت بالإضراب. لكن سنحاول كل ما يمكن ألا نقهر الطلاب والتخفيف عنهم، ونأخذ في الاعتبار وضعهم النفسي بعد كل هذا التأخير والانقطاع”.

وإذ يعرب عن تفاؤله “بحذر” حول حل قريب، يقول ضاهر إنه “توقع قرار المندوبين بالإصرار على الإضراب ونقض قرار الهيئة التنفيذية”. ويشدد على أنه “علينا من جهتنا كهيئة تنفيذية إقناع الأساتذة، خصوصا المستقلين، مع أخذ تصميمهم وإصرارهم على مواقفهم في الاعتبار بالجدية المطلوبة من قبل الجميع”، لافتا إلى أن “هؤلاء الأساتذة يشكلون نسبة كبيرة، وكانوا أكثرية ساحقة في الهيئة العامة المرة الأخيرة، وفي التظاهرات والاعتصامات يكونون بالمئات”.

وبعد توجيه “التحية إلى الأساتذة المعترضين على قرارهم الحر” معتبرا “أنهم نواة الوطن ونواة الجامعة ويمثلون جيل المستقبل وعلينا أن نتفهمهم”، يؤكد ضاهر أن “على الجميع أن يسأل عن أسباب هذه الحالة التي وصل إليها الأساتذة، وما الذي دفعهم إلى اعتبار أن الأمور وصلت إلى خط أحمر بالنسبة إلى الجامعة اللبنانية، وأنها مسَّت مباشرة بحقوقهم وعائلاتهم وأولادهم، ورفضهم أن يطالَبوا بالمساهمة في لملمة الوضع الاقتصادي فيما هم مغبونون منذ سنوات طويلة، ومطالبهم تهمَّش ويُستخف بها، والجامعة إلى تراجع بحيث لا يتم تحديثها، أو إنشاء مجمعات وكليات جديدة في المناطق، في الشمال وجبل لبنان وصيدا وزحلة وغيرها، رغم الحاجة القصوى والفائدة والنهضة الثقافية والإنمائية والاجتماعية والاقتصادية الأكيدة، من دون تجاوب المسؤولين؟!”.

ويلفت إلى أنه “لو أردنا التحدث عن المطالب، لفاقت الثلاثين مطلبا محقا، الجامعة اللبنانية بحاجة ماسة إلى تلبيتها، والوجع يعتصر قلوبنا على ما بلغه الوضع”. لكنه يتجنب “الدخول في تحليلات حول ما يردده البعض، عن محاولات استهداف للجامعة اللبنانية لمصلحة بعض الجامعات الخاصة”، ويقول: “لست مع نظرية المؤامرة، لكن ما أعرفه أن الوقائع على الأرض تؤكد أن الجامعة اللبنانية لم توضع مرة في تاريخها على طاولة مجلس الوزراء أو مجلس النواب، إلا بعد إضرابات واحتجاجات”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل