التقارير الدولية واقعية والمخاوف حقيقية

 

تثير تقارير وكالات التصنيف الدولية المخاوف لما تتضمنه من “إشارات” سلبية حول القدرة الائتمانية للدولة، وما توحيه من مؤشرات مستقبلية “غير مطمئنة”. ما يشد “الخناق” على عنق الحكومة، التي تبدو محاصرة بالضغوط الداخلية والخارجية على حد سواء.

وتشكك التقارير الدولية في إمكان الحكومة الالتزام بنسبة العجز التي قدّرتها في موازنة 2019 بحدود (7.6%). فتقرير مؤسسة الائتمان الدولية “موديز” حذر من خطر تخلّف لبنان عن سداد الديون. وسبقه تقرير وكالة “فيتش”، الذي أشار إلى “انخفاض الاحتياطيات الأجنبية والودائع المصرفية في 4 أشهر حتى نيسان”.

فكيف يقرأ الخبراء الاقتصاديون هذه التقارير من وجهة نظر اقتصادية ـ مالية؟ وأين لبنان فعلاً مما يحكى ويشاع عن عوامل ثقة دولية هزيلة، أو على الأقل غير مشجعة، بإجراءات الحكومة في موازنة 2019 للسيطرة على الوضع المالي والاقتصادي؟

الخبير المالي والاقتصادي الدكتور إيلي يشوعي يرى في حديث إلى موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن تقارير وكالات التصنيف الدولية الأخيرة “واقعية وفي محلها الصحيح، ولا مبالغة فيها أبدا، وتعبّر فعلاً عن واقع وحقيقة مرّة نعيشها في لبنان. حقيقة، هي الثمن الذي ندفعه كلبنانيين نتيجة كل السياسات الخاطئة، في مجال النقد والمال والاستثمار والخدمات العامة منذ أكثر من 25 سنة حتى اليوم”.

هذه المخاوف استدعت اجتماعا، مساء الخميس، في السراي الحكومي، ضم إلى رئيس الحكومة سعد الحريري، وزير المال علي حسن خليل وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة. وطمأن وزير المال إلى عدم وجود مخاطر حول ما تثيره تقارير مؤسسات التصنيف الدولية، خصوصا تقرير “موديز” الأخير، وأن “الأمور تحت السيطرة، وهي ليست سلبية”. وكذلك فعل حاكم المصرف المركزي، خصوصا في شأن تقرير وكالة “بلومبيرغ” الأخير، مؤكدا “ألا صحة للكلام عن أن لبنان متجه نحو الإفلاس”.

لكن يشوعي يؤكد في المقابل، “ألا مصرف في أي دولة في العالم يتصرف، كما تصرف المصرف المركزي في لبنان. بمعنى أنه كان هناك دائما في لبنان غليان للفوائد من دون أن نفهم الأسباب. والحجة كانت أن لبنان لديه درجات مخاطرة عالية، ولكن كنا في التسعينيات نتمتع بالسلم الأهلي، فلماذا هذا الغليان للفوائد الذي عاقب القطاع العام والقطاع الخاص؟”.

ويوضح أن “القطاع العام كان يستدين بكثافة لتمويل مشاريع إعادة الإعمار وكان يدفع فوائد عالية، وهذا ما أدى إلى عجز متنام في الموازنات العامة السنوية وتراكم الديون، وطبعا تقليص الاستثمار في القطاع الخاص، وبالتالي فرص العمل وهجرة الشباب اللبناني”. ويؤكد أنه “لا يوجد بنك مركزي في العالم يمكنه تثبيت سعر صرف العملة الوطنية لفترة زمنية تمتد لـ25 و30 سنة”، معتبرا أن “هذا إجرام بحد ذاته، وهذه السياسة أكبر مدمِّر للاقتصاد اللبناني”، من وجهة نظره.

ولا يوافق يشوعي القائلين إنه لا يمكن الاستغناء عن سياسة تثبيت سعر صرف الليرة في الظرف الحالي، ويسأل: “هل هناك محاسبة أم لا في لبنان؟ إذا كانت هناك محاسبة، يحاسَب كل من أوصلنا إلى هذا الوضع، وهم معروفون واحداً واحداً. وكل أصحاب الاختصاص والمتمكنين في علم الاقتصاد والمال يعرفون كل المسؤولين عن كل هذه التقارير السلبية، وعن الاختناق الاقتصادي وإقفال الشركات وإفلاس الناس والدولة وتهجير الشباب”.

وإذ يشدد على أن “المخرج لكل هذه الأزمات الخطيرة التي نعيشها هو بوقف العمولات، يقول: “فليتخلوا عن عمولاتهم وليخصخصوا كل شيء، على أن تبقى الملكية للدولة مع حق المراقبة. ليخرجوا من قطاعات الكهرباء والمياه والنقل المشترك والنفايات والاتصالات والمرافئ، وغيرها، من كل شيء”.

ويشرح أن “كل ذلك يجب بالتأكيد أن يتم تحت إشراف هيئة وطنية من أشرف وأكفأ الناس تتولى التلزيم، بحيث تكلف استشاريين واختصاصيين دوليين، وهؤلاء بدورهم يضعون دفاتر الشروط ويقومون بالتلزيمات اللازمة والضرورية، ويكون كل ذلك لمصلحة الدولة اللبنانية التي تحتفظ بالملكية وحق الرقابة”.

ويؤكد يشوعي “ألا خلاص بغير ذلك، إذ يمكننا بهذه الطريقة أن نضخ ما بين 15 و20 مليار دولار في الاقتصاد خلال خمس سنوات تقريبا. ومن ثم، الفوائد تنخفض حكما. ومع إصلاح ضريبي قائم على الضرائب الشخصية، ومع لامركزية إدارية ومالية، يمكننا إعادة البلد إلى السكة الآمنة. لكن ذلك يفترض ويقتضي أولاً وقف العمولات بشكل نهائي”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل