#adsense

بالأرز اشتقنا عليكِ يا بلادي

حجم الخط

ليلة 29 حزيران 2019، تعرّى لبنان من كل ما فيه من زيف، واضافات تشويهية مريعة غمرته ولا تزال منذ سنين وسنين، ليذهب باتجاه بشري مهرولا صوب ذاك الضوء، وليعود الى حقيقته الناصعة الخضراء الشفافة المذهلة بالعراقة، فكانت ليلة اندريا بوتشلي في اولى ليالي مهرجانات الارز الدولية، وكان لبنان الاخضر الحلو يتمايل على موجات الصوت الهادر في سحره، ليسطّر لنفسه كلمات في عبق خشب الأرز، وذاك البخور الفائض الصلاة في سماء الوطن العطشان لنفسه، المشتاق لأصالته، المتلهف ليعلن عن حاله الاصلية، عن ذاته المنهوبة المنتهكة بزوائد البشاعات والبشعين والتافهين والمحرضين والفاسدين والطارئين على مسيرته وتاريخه الضارب في الثقافة والعراقة والجمال.

ليلة 29 حزيران 2019، لبس لبنان كلّ حاله الحلوة، شلح عن كتفيه ازمات وطن وشلح على كتفيه ثوبه المطرّز بالنجوم، عباءته المدروزة من جبالنا وسهولنا وأنهارنا، وراح الى بعض النسيان، وجلس يسكر بين ضلوع الارز تماما، يسبح في السحر، في أوتار ذاك الذي أسبغ عليه الرب صوتا سماويا من عمق الموهبة، فبدا وكأنه يصلي للرب وأرزه، والارزات تتمايل في نشوة الطرب والابتهال للرب والانسان والتراب.

لم تكن ليلة عادية، ولا هي ليلة فنية في مفهوم الفن الاعتيادي، كانت ليلة ابتهال للأصالة، ابتهال لمن جعل من ذاك المكان هيكلا لروح الله، بدا المكان لوهلة وكأن الله يراقص ملائكته، ويتنقل بين اغصان الارز فتميل معه ويتناثر البخور، كأن الربّ اراد ان يبرز حضوره في المكان، فتناهى الى السامعين حفيف الصوت المسكوب من روح الله، ليعلن الرب عن نفسه “أنا موجود في الفرح الصافي النظيف، في ضمير وطن شئت أن يكون أرزه بيتي”…

ليس لنا ان نكتب عن صوت بوتشلي، نكتب عما فعله الصوت بالناس وفينا. عما فعلته ليلة الأرز تلك في وجدان مواطن لبناني مشتاق حتى الدمع لبلاده. نحن مشتاقون يا وطن لذاك الوطن. عانق اللبنانيون بشوق كبير لبنانهم الضال في تلك الليلة، ولبناننا بالأساس هو هنا، في الفرح الجميل، في الفنون الراقية، في الطرب على اوتار من اوتار نعمة الرب، في لقاء الناس ببعضها تحت شلوح الارز ولا أحد يسأل، انت مين ومع مين وشو اسمك وشو طايفتك، هنا يلتقي لبنان بحاله مع كل الناس والثقافات ليكون لبنان الاصيل، ابن الضيعة والجرد والمدينة، ابن الارض في كل الاتجاهات. اشتقنالك يا بلادنا الحلوة… ولا نكمل السطور لان الدمع يحجبها…

كُتب الكثير عن ليلة الارز الهادرة بجمالها، عن ستة الاف حضروا بوتشلي، عن اناقة ستريدا جعجع التي كل سنة تجترح انجازا أكبر من سابقاته لليالي المهرجان، وكل سنة نظن انها الافضل واذ بالأفضل يجتاح أفضل آخر. كُتب الكثير عن عناد تلك السيدة واصرارها لتكون مهرجانات الارز الدولية ملتقى الثقافات وملقى اللبنانيين كافة رغم كل الظروف، ونجحت، تفوقت على حالها، ولم ينته المهرجان بعد، اذ موعود لبنان بليلة لبنانية من عراقته وبسماته وضحكاته المدوية في العالم كله، رغما عن ارادة من يصر ان يجعله بلد العبسات والظلمات والتخلّف والفساد.

حُكي عن ارزة بوتشلي التي غرزت وسط الغابة، عن استقبال اهل بشري للضيف الذي صار من اهل البيت وابدى تأثرا بالغا بالحفاوة التي استُقبل بها، عن حضور سمير جعجع بالذات وتلك المقابلة الاستثنائية مع الاعلامية دنيز رحمة فخري، ولأول مرة وسط غابة الارز الخالدة، والمكان لا يليق أساسا الا بالرجال الرجال. حُكي الكثير عن كل شيء في ليلة استثنائية بجمالها ورقيها وابداعها الفني والتقني بكل ما للكلمة من معنى، لكن بقي بعض الكلام عنا نحن، عن الانسان ولبنان…

لما اُسدلت الستارة على آخر نغمات السحر وكان بوتشلي يحيي الالاف من جمهوره، كان بعضهم يبكي تأثرا. ليس فقط من وقع الصوت الساحر على قلوب الناس، بل كان لبنان يبكي فينا. اشتقنا لبلادنا، لحلاها، لتلك الاصالة التي تُدعس، تُدعس ولا أجد عبارة أفضل، تحت اقدام الهمجية اليومية، هربنا الى صوت بوتشلي وغابة الارز من غابة لبنان، من الوحوش الفالتة فيه التي تنهش اصالته على مر الايام وتنهش معه روحنا الحلوة. لم نبك فقط تأثرا واعجابا، بل زعلا على بعض كثير حلو زائل فينا، تائه، مغمور بالتفاهات والاحقاد، اكتشفنا أكثر في تلك الليلة الموغلة في روعتها، ان بلادنا تعيش ضلوعنا ونحنا مشتاقين كتييير ع بلادنا.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل