المعتقلون اللبنانيون في سجون الأسد… قضية لن تموت

كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1696

 

في 3 نيسان الماضي أعلنت إسرائيل عن إستعادة رفات أحد جنودها زخاريا باومل بعد 38 عامًا على فقدانه في معركة السلطان يعقوب في البقاع الغربي خلال حرب حزيران 1982 في لبنان، وذلك من خلال صفقة لم تتضح كل معالمها أجرتها مع النظام السوري عن طريق روسيا.

 

منذ العام 1982 لم توقف إسرائيل مساعيها لاستعادة جنودها المفقودين. المسألة لا تتعلق بهؤلاء الجنود الثلاثة فقط بل بكل من فقدته من عملائها أو مواطنيها في كل العالم. ومنذ العام 1982 أخفى النظام السوري جثث الجنود الثلاثة قبل أن يتم إكتشاف مكانها في مخيم اليرموك قرب دمشق. ربما هذا ما يفسر بعض أسرار المعارك التي حصلت داخل هذا المخيم الفلسطيني الذي قاتل فيه تنظيم الجبهة الشعبية – القيادة العامة بزعامة أحمد جبريل إلى جانب النظام ضد مقاتلي المعارضة الذين سيطروا على أجزاء من المخيم بمن فيهم تنظيم “داعش”. وذلك مع الإشارة إلى أن الجثث كانت بحوزة جماعة جبريل التي شاركت في مواجهات السلطان يعقوب وسمح لها النظام السوري بالإحتفاظ بالجثث التي لم يتم الكشف أبدًا عن مكان وجودها ومصيرها، حتى خلال عمليات تبادل جثث وأسرى كثيرة حصلت بين إسرائيل وبين التنظيمات الفلسطينية و”حزب الله”.

 

الدور الروسي كان بارزًا في عملية نقل الرفات التي تم الإعداد لها بطريقة أظهرت عدم وجود دور علني للنظام السوري من خلال الإيحاء بأن الروس هم الذين اكتشفوا مكان الجثة ونقلوها إلى روسيا وسلموها إلى إسرائيل التي جندت أجهزة مخابراتها أكثر من عميل على مدى أعوام لمعرفة مصير جنودها وقد تم إعتقال العديد منهم.

لا يقتصر الأمر على هؤلاء الجنود الثلاثة. في سوريا أيضًا جثة العميل الإسرائيلي الشهير أيلي كوهين الذي تم اعتقاله وإعدامه في العام 1965 ولا تزال إسرائيل تطالب به، وقد جربت بعد إعدامه سرقة جثته من داخل سوريا ولكن أجهزة الأمن السورية كشفت المحاولة ونقلت الجثة إلى مكان لم يتم الكشف عنه أبدًا. ومؤخرًا أيضًا تم تسريب معلومات تقول إن رفات كوهين قد تكون في طريقها إلى إسرائيل أيضًا وبدور روسي رئيسي بعدما تم تسليم ساعته التي كان يضعها في يده قبل إعدامه إلى دولته.

إذا كان النظام السوري احتفظ بجثة كوهين منذ 55 عاما وبجثث الجنود الثلاثة منذ 38 عامًا، وإذا كان لا يخجل بتسليم الرفات إلى الدولة “العدوة” إسرائيل، فلماذا لا يمكنه أن يكشف عن مصير مئات المعتقلين اللبنانيين في سجونه؟

 

منذ ما قبل الحرب اللبنانية كان دور المخابرات السورية بارزًا وفاعلاً في لبنان. عمليات إغتيال كثيرة نفذتها وعمليات خطف وتفجير وحروب واستباحة للحدود اللبنانية، وذلك من خلفية عدم الإعتراف بالسيادة اللبنانية. وربما هنا أيضًا يكمن سر عدم إعتراف النظام السوري بجرائمه بحق اللبنانيين الكثر الذين اختفوا في معتقلاته. ولكن إذا كانت هذه سياسة هذا النظام، فهل يجوز أن تكون السلطات اللبنانية متخلية عن سيادتها وحقها في المطالبة بكشف مصير المعتقلين اللبنانيين في معتقلات الأسد؟ وهل هذه مسؤولية الأهالي وحدهم؟ وإلى متى يمكن أن يبقى هذا الملف أسير الكتمان والنكران؟

 

لو لم يكن نزار زكا مواطناً أميركيًا أيضًا هل كانت سعت السلطات اللبنانية إلى استعادته من معتقل نيفين في إيران؟ هل كانت اعترفت إيران بوجوده أصلا؟ وهل كانت سمحت له بالتواصل مع أهله؟ ولذلك يجوز السؤال: هل ملف نزار زكا أهم من ملفات مئات المعتقلين اللبنانيين في معتقلات الأسد؟

إذا كان هذا النظام قتل القائد الشيوعي فرج الله الحلو في العام 1959 وقطع جثته وأذابها بالأسيد وأنكر دخوله إلى سوريا ولم يعترف بالجريمة في عهد الوحدة مع مصر برئاسة جمال عبد الناصر، فهل يصعب عليه في ظل ولايتي الأسد الأب والإبن قتل مئات المعتقلين اللبنانيين في سجونه وإنكار وجودهم أصلا؟ وإذا كان هذا النظام وثّق عمليات موت آلاف المعتقلين السوريين بالصور كما كشف العسكري السوري المصوّر “قيصر” الذي فر من سوريا بعد تهريب الصور، فهل يعقل ألا يكون قد وثّق لنفسه أولاً ملفات مئات المعتقلين اللبنايين في سجونه سواء إن كانوا لا يزالون أحياء أو ماتوا في السجون نتيجة التعذيب ودُفنوا في مقابر جماعية؟

وإذا كان هذا النظام قتل اللبنانيين في لبنان من كل الطوائف والأطياف وفي كل المناطق وقصف الأحياء السكنية بمدافعه وصواريخه ومارس عمليات القتل ضد شعبه بالبراميل المتفجرة والأسلحة الكيماوية، وإذا كان اغتال العديد من القيادات اللبنانية وخطف الآلاف من اللبنانيين، فهل سيتمكن من الإفلات من العقاب ولو طال الزمن؟

 

منذ العام 1975 مارس هذا النظام استراتيجية التخلص من معارضيه ولم يزل معتقدًا أنه فوق المحاسبة. طبعًا قد يبقى كذلك إذا بقيت مسألة المطالبة بالكشف عن مصير المعتقلين اللبنانيين في سجونه مقتصرة على أهاليهم وبقيت السلطات اللبنانية متجاهلة ومقصِّرة. المسألة تحتاج إلى تحقيق دولي وإلى كسر جدار الصمت وإلى هدم أسوار السجون السورية وإخضاعها لعملية تفتيش تجريها منظمات دولية بإشراف الأمم المتحدة. وإذا لم يحصل ذلك سيبقى هذا النظام يعتبر أنه يستطيع أن يعتقل أيًا كان وأن يقتل أيًا كان وأن يبقى فوق المحاسبة.

 

ولكن الحق لن يموت طالما وراءه مطالب و”القوات اللبنانية” أخذت هذه المهمة على عاتقها حتى لا تموت هذه القضية، وهي لا تفعل ذلك لأن المعتقلين المفقودين والمجهول مصيرهم هم من “القوات اللبنانية”. صحيح أن تهمة الإنتماء إلى “القوات” كانت تكفي ليتحوّل المعتقل إلى مجرد رقم داخل معتقلات الأسد، ولكن الصحيح أيضًا أن المعتقلات السورية كانت ساحة لقاء وتعارف بين لبنانيين حملتهم الأقدار إلى غياهب تلك المعتقلات لتصبح قضيتهم واحدة باعتبار أن الداخل إلى تلك المعتقلات مفقود والخارج منها مولود.

إنتهى الإحتلال السوري للبنان عمليًا ونظريًا في العام 2005 ولكن قضية المعتقلين اللبنايين في سجون النظام لم تنتهِ. وإذا كان هذا النظام حوَّل سوريا إلى معتقل كبير وإلى ساحات حرب وجبهات قتال وهجَّر السوريين، فهو سيتستمر في إنكار وجود معتقلين لبنانيين في سجونه لأنه في النتيجة نظام خارج عن القانون ولا يمكنه أن يعيش إلا على جثث ضحاياه. وهي مهمة لم يتخلَّ عنها واستمر فيها. ولذلك لا يمكن إهمال قضية ملاحقته من أجل الإعتراف أولاً بمسؤوليته عن أعمال القتل والخطف والإغتيال والتعذيب وإخفاء المعتقلين وصولاً إلى محاكمته.

 

في ظل هذا المصير المجهول كثيرون يسألون عندما يتحدثون عن المعتقلين اللبنانيين في سجون الأسد “وينن”؟. طبعا هم يعرفون أنهم في تلك المعتقلات التي زجهم فيها تباعًا ولم يخرجوا منها بعد. ولكنهم يريدون أن يعرفوا ماذا حلّ بهم. يريدون أن يعرفوا الحقيقة مهما كانت صعبة. وربما لأن هذه الحقيقة لا يستطيع هذا النظام أن يتحمّلها، فإنه قد يستمر في الإنكار حتى ولو انهار وأكثر من ذلك إنهم يريدون الحساب والعقاب.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل