627 معتقلا في سوريا… إن ننسَ لن ننسى

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1696

627 معتقلا في سوريا

إن ننسَ لن ننسى

كيروز: القوات أخذت على عاتقها ملف المعتقلين

هليط: هناك معتقلون في السجون السورية

 

لعقود وعقود انتظروا عودة اولادهم من معتقلات النظام السوري. لعقود وعقود وهم يسألون: «وينن»؟ لم يوفروا مسؤولا سياسيا او مرجعية كنسية او قضائية الا ووقفوا امامه وفي عيونهم أكثر من «وينن». إفترشوا ساحات الصرح البطريركي وقصر بعبدا ومجلس النواب والسراي الحكومي، حملوا صور فلذات أكبادهم وأطلقوا صرخة من «نص قلبن»: وينن؟ وين ولادنا؟ إلى متى؟ نصبوا خيمة أمام مبنى الأمم المتحدة في وسط بيروت لأكثر من 11 عاما، وجلسوا بأجسادهم النحيلة التي ذبلت مع القهر والإنتظار وعادوا خائبين مقهورين مشبّعين كلاما ووعودا. كافرين بكل التصنيفات والخطابات الطنانة وأجندة الحسابات السياسية والإنتخابية وبقيت صرختهم واحدة: «وينن؟».

اليوم تغيّر مسار السؤال، صار بدنا نعرف وينن. وين صاروا المعتقلين اللبنانيين بالسجون السورية؟ أحياء أو أموات بدنا نعرف وينن وإلا… لا وفاة من دون رفات.

627 إسما موثقا في سجلات جمعية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية وسوليد لبنان و.. و… إلا عند الدولة اللبنانية التي تنفي علمها بوجود معتقل لبناني داخل سوريا، ونظام بشار الأسد الذي يصر على عدم وجود معتقل لبناني في مسالخه البشرية.

627 معتقلا موثقون بالأسماء والصور وبشهادات العائدين من السجون السورية الذين رووا قصصا وحكايات وأكدوا أنهم شاهدوا جوزف أو عمر أو إيلي أو… لكن لا شيء من كل ذلك حرّك ضميرالمسؤولين في الدولة اللبنانية. حزب «القوات اللبنانية» فعلها ووضع ملف المعتقلين في السجون السورية على الطاولة على رغم كل الأزمات السياسية والإقتصادية التي تجتاج البلد. أساسا هو لم يسقطه يوما من حساباته يقينا منه بأنه الجرح النازف في هذا الوطن بعد انتهاء الحرب اللبنانية. ومع تسليم نظام الأسد رفات الجندي الإسرائيلي زخاريا باومل الذي قتل في لبنان عام 1982 عاد ملف المعتقلين في السجون السورية إلى الضوء وكان القرار في التوجه نحو خطوات أكثر عملية من ذي قبل، وتشكيل لجنة متابعة لملف المعتقلين اللبنانيين في سجون «نظام الأسد»، لتحقيق نتائج إيجابية، إذ لم يعد من المقبول التستر على مصير لبنانيين معتقلين في السجون السورية سواء كانوا أحياءً أم أمواتاً.

 

النائب السابق إيلي كيروز الذي يوثق ملف المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية بالأسماء والصور والمعلومات عدا عن مشاريع القوانين التي قدمها في مسألة التعويضات على المعتقلين المحررين من السجون السورية ومتابعة قضيتهم، أكد أن حزب «القوات اللبنانية» يولي هذه القضية اهمية من خلال اللجنة التي تشكلت برئاسة النائب السابق جوزف المعلوف على أن يكون التحرك وفق ثلاث مستويات هي:

– التوجه إلى الرئاستين الأولى والثالثة من أجل تبني الموضوع ووضعه في سلم الأولويات لدى كل اللبنانيين.

– التوجه نحو جامعة الدول العربية وحثّها على كشف مصير المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية أحياءاً كانوا أم أمواتًا. وهذا المسار يتحدد وفق النتائج التي ستترتب على التحركات المرتقبة

– التوجه نحو الأمم المتحدة وحث الأمين العام على تشكيل لجنة تحقيق دولية. يذكر أن الأمم المتحدة تدخلت في الأعوام الماضية مع السلطات السورية لمعرفة مصير المفقودين والمعتقلين في السجون السورية لكن من دون جدوى. وفي هذا الإطار يورد النائب كيروز واقعة دوّنها في ملفه الخاص ومما ورد فيها أنه في 18 حزيران 2001 عقد بشار الأسد الذي كان يزور العاصمة الفرنسية لقاء مع أعضاء لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الفرنسي. وخلال اللقاء سُئل عن موضوع المعتقلين فإجاب بأن لا علم لديه بوجود معتقلين لبنانيين في السجون السورية واستطرد قائلا، إذا ما كانت هناك أدلة ومعطيات فنحن مستعدون للنظر فيها.

لا ينفي كيروز حصول تحرك ومبادرات من قبل الحكومات اللبنانية المتعاقبة لكنها لم تسفر عن أية نتيجة بسبب إصرار جانب النظام السوري على النفي. ويقول: «أول تجاوب رسمي كان على عهد حكومة الرئيس سليم الحص وتحديدا في 21 كانون الثاني 2000 عندما استجاب لمطلب أهالي المعتقلين في السجون السورية وشكل لجنة رسمية برئاسة العميد الركن سليم أبو اسماعيل وحدد القرار الحكومي أهداف اللجنة بالتقصي عن مصير جميع المفقودين والمخطوفين ووضع تقرير في مهلة لا تتجاوز ال 3 أشهر. لكن العمل استغرق حوالى 6 أشهر وسلمت اللجنة التقرير للرئيس الحص في 25 تموز 2000 وتبيّن فيه أنه إستناداً لإفادات ذوي المفقودين تم إحصاء 168 مفقوداً يُعتقد أنهم أحياء وموجودون في سوريا. ويخلص التقرير إلى أنه لدى مراجعة السلطات السورية ثبُت عدم وجودهم في سوريا. وفي 22 تموز 2002 التقى وفد من أهالي المفقودين والمعتقلين في السجون السورية بوزير الداخلية السوري الذي تعهد بتقديم أجوبة حول مصير 174 مفقوداُ في مهلة 3 أشهر. إنتهت المهلة وكل المهل الباقية ولم يحصلوا إلا على جواب واحد: «لا وجود لمعتقلين لبنانيين في السجون السورية».

الجواب لم يهز أجساد الأمهات التي ذبلت في انتظار عودة فلذات أكبادهن. لكن كيف يمكن تفسير المفارقة أنه عند إفراج السلطات السورية عن 54 معتقلاً تبيّن أن هناك أسماء كانت وردت في اللائحة التي رفعها أهالي المفقودين الى وزير الداخلية السوري وأكد أن لا وجود لمعتقلين لبنانيين في السجون السورية. أما على مستوى التحرك المحلي، فأكد كبيروز أنه «لا يمكن القول إنه لم تكن هناك أية مبادرة رسمية في ملف المعتقلين والمفقودين في السجون السورية. فالحكومات المتعاقبة ووزارة العدل قاموا بمبادرات لكن كان هناك تهرب وتنصل من قبل النظام السوري وحتى من قبل حلفائه وأصدقائه في لبنان».

ويبقى السؤال: «وينن»؟ وهل يكون الحل في تدويل الملف؟ يجيب كيروز «التدويل هو الحل الوحيد وليس سواه لأن كل المحاولات باءت بالفشل بسبب نفي النظام السوري وجود معتقلين لبنانيين في سجونه. ولفت إلى الزيارة التي قامت بها بعثة من قبل منظمة الأمم المتحدة في العام 2005 إلى سوريا إضافة إلى المبادرات التي قامت بها بعثات دولية ومنظمات إنسانية لكن الحرب في سوريا أعادت الأمور إلى نقطة الصفر. مع ذلك سيبقى الأمل في وجود أحياء وإذا كانوا أمواتا المطلوب تسليم رفاتهم.

خارطة عمل اللجنة أوجزها كيروز بالتالي: «ستكون هناك زيارات للرؤساء الثلاثة وكل الكتل السياسية والأحزاب  بهدف جعل هذا الملف أولوية لأننا كحزب «قوات لبنانية» نعتبر أن هؤلاء المفقودين والمعتقلين دفعوا أثمانا باهظة من أجل لبنان والحفاظ عليه ومن غير الممكن أن نغض النظر أو نساهم في غض النظر عن قضيتهم. فالمعتقل لم يرتكب جرما جزائيا أو جنائيا إنما اعتقل لقناعاته السياسية ومعارضته للإحتلال السوري أو لانتمائه الطائفي، ومن الضروري التمييز بين المعتقلين في السجون السورية وبين المخطوفين والمخفيين والمفقودين قسراً والموقوفين لأسباب جنائية وقضايا شخصية. وهذا ما ستركز عليه اللجنة استنادا إلى القوانين المعمول بها.

في موازاة الحراك على قضية المعتقلين في السجون السورية يبقى ملف المعتقلين المحررين من سجون نظام الأسد بمثابة نقطة سوداء في سجل حقوق الإنسان. ويؤكد كيروز أن مطلق أي معتقل محرر لا يزال أسير نتائج وتداعيات ظروف الإعتقال والتعذيب والثابت ان معاناتهم تنسحب على عائلاتهم ومحيطهم وبالتالي هم بحاجة إلى مبادرات صغيرة لمساعدتهم على تجاوز أزماتهم. وفي هذا المجال يؤكد على الخطوات التي سيتخذها حزب «القوات اللبنانية» في هذا المجال لجهة إعادة تحريك إقتراح القانون المقدم عام 2008 ويرمي إلى إعطاء المعتقلين المحررين تعويضات أو معاشات تقاعدية بحسب مدة الإعتقال ولفت إلى ضرورة عدم التمييز بين المعتقلين في السجون السورية والأسرى المحررين من السجون الإسرائيلية لأن معاناة العذاب واحدة.

ويختم كيروز: «من الثابت أن حزب «القوات اللبنانية» أخذ على عاتقه ملف المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية وسيولي القضية اهتماما خاصا واولوية على أن يكون التحرك على المستوى الداخلي في المرحلة الأولى قبل الخروج بها إلى التدويل من خلال جامعة الدول العربية والأمم المتحدة والصليب الأحمر الدولي».

عندما انطلقت حملة «سوليد لبنان» في بداية العام 1990 كان الهدف منها وضع حد لعمليات الإعتقال غير القانوني على يد المخابرات السورية في سوريا والإفراج عن المعتقلين الذين نقلوا خلافا للقوانين الدولية إلى المعتقلات السورية. غازي عاد انتقل إلى أحضان السماء، الحرب السورية حصدت حوالى 500 ألف سوري معارض للنظام في سوريا وأحصت الجمعيات الدولية وفاة ما لا يقل عن 45 ألفا في السجون السورية إما تحت التعذيب أو شنقا بعد إخضاعهم لمحاكمات صورية. فمن يسأل اليوم عن المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية التي تعرضت لوابل القذائف ومن يؤكد أساسا أنهم لا يزالون أحياء؟

 

جوزف هليط: يجب التمييز بين معتقل ومفقود

«الفرح بيروح أما الوجع بيبقى» قالها المعتقل المحرر من السجون السورية جوزف هليط أو السجين رقم 16 بعد خروجه إلى الحرية في كانون الأول 2000. 2940 يوما أمضاها في السجون السورية في ظروف قاسية في البداية ،منها 1600 يوما في الإنفرادي، رسم في خلالها صليباً من حبوب الزيتون، صلّى، صبر ونال. اليوم يحمل السجين رقم 16 صفة عضو لجنة حقوق الإنسان والحق الإنساني والمسؤول عن ملف المعتقلين خارج السجون اللبنانية ويعمل ضمن اختصاصه في مجال الطب على مساعدة ومعالجة أسرى محررين من السجون السورية إيمانا منه بأن الحزن مرض معدٍ والمأساة تصبح مشتركة عندما تروى التجربة الصعبة.

يقول هليط: «الملفات تؤكد وجود 627 معتقلا في السجون السورية والأسماء موثقة بالصور والبيانات الشخصية وقد رفعت إلى لجنة حقوق الإنسان النيابية عن طريق جمعيات حقوق الإنسان فكيف نسلّم بمقولة «ما عنا معتقل بالسجون السورية؟ وكيف نبرر المفارقة التالية بأنه بعد تحريرنا عام 2000 أصدر القاضي عدنان عضوم بياناً أكد فيه وجود 93 سجينا في السجون السورية بناء على أحكام جنائية صادرة في حقهم. وتبيّن لاحقا أنه من بين هؤلاء المحكومين المعتقل جوزف حويس الذي حكم عليه بتهمة مقاومة الإحتلال السوري في لبنان وعاد إلى أحضان أمه جثة هامدة في صندوق خشبي».

يصر هليط على ضرورة التمييز بين مفهوم المعتقل والمفقود والمخطوف في السجون السورية: «ثمة 17 ألف مفقود في الحرب اللبنانية؟ صحيح لكن قضيتهم غير مرتبطة بملف المعتقلين في السجون السورية. حان الوقت للتمييز بين مفعوم المعتقل والمفقود والمخطوف في الحرب اللبنانية ولا يجوز الدمج بينهما».

من بقي من أهالي المعتقلين الذين انتظروا اولادهم لأكثر من أربعة عقود باتوا من الجيل الثاني أو الثالث «       بس هيدا ما بيعني إنو قضيتُن ماتت مع أهاليهم. كل المعطيات تؤكد أن هناك 627 معتقلا في السجون السورية. هل ما زالوا أحياء؟ لا نعلم. هل توفوا بسبب ظروف الإعتقال والتعذيب والمرض؟ أيضا لا أحد يعلم. لكن نريدهم إما أحياء أو رفاتا.

عام 2012 رفعت الدولة اللبنانية تقريرا إلى لجنة حقوق الإنسان تؤكد فيه عدم وجود معتقلين في السجون السورية وطالبت الأهالي بإصدار وثيقة وفاة. لكن أحدا من الأهالي لم يجرؤ على التوقيع. لا وفاة من دون رفات.

وعن حال المعتقلين المحررين من السجون السورية أكد هليط انهم «يحتاجون إلى رعاية صحية ومتابعة على المستويين النفسي والجسدي ناهيك عن غياب الدعم المادي والمعنوي بحيث يتم التعامل مع المعتقل المحرر من السجون السورية بشكل عدائي ويكون شبه منبوذ إجتماعيا. من هنا ضرورة خلق مركز تأهيل للمعتقلين المحررين من السجون السورية أو سواها ومن مهامه مساعدة المعتقل المحرر على الإنخراط بالمجتمع وإخضاعه للمعالجة النفسية والجسدية».

8 أعوام عاشها جوزف هليط في معتقلات السجون السورية. 8 أعوام كان قلبه على أمه المريضة. أقنعها وأخواته أنه سافر إلى الخارج لمتابعة دراسته. عاشت الأم في الكذبة البيضاء حتى كان اللقاء بعد خروجه إلى الحرية في كانون الأول 2000. وحده الصليب الذي صنعه من حبوب الزيتون في الإنفرادي بقي عالقا في الذاكرة «لولا هذا الصليب لما استطعت ان أعيش حريتي خارج الإعتقال. وما بقي في الذاكرة من صور وخيالات تلاشى بإرادة مني ومساندة زوجتي ويكفيني اليوم أن أسمع ضحكات إبنتي حتى أتاكد أنني إنسان حر بكل ما في الكلمة من معاني».

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل